في ذكرى رحيله في 3 كانون الأول 1959 .. يعقوب سركيس في بواكيره الأولى

في ذكرى رحيله في 3 كانون الأول 1959 .. يعقوب سركيس في بواكيره الأولى

رفعة عبد الرزاق محمد

تمر هذه الايام ذكرى رحيل المؤرخ العراقي الثبت يعقوب سركيس ، وقد احتفلنا بذكراه قبل اكثر من عشر سنوات (12 تموز 2012)باصدار ملحق خاص به وإقامة جلسة عنه في بيت المدى في شارع المتنبي ، تحدث عنه وعن منجزاته التاريخية عدد من الباحثين المختصين ، امثال الاساتذة : سالم الالوسي وعبد الحميد الرشودي و حكمة رحماني ومعن حمدان ، وفيما يلي شذرات من سيرته في بداياتها الاولى .

والده ومدينة الناصرية

كان والده نعمة الله بن آكوبجيان بن سركيس بن آكوبجيان بن مقصود المعروف بنعوم سركيس ، الحلبي الاصل ، قد هجر حلب لكثرة الزلازل التي وقعت في اوائل القرن التاسع عشر . وبعد ان نشأ نعوم و شب اتصل بآل السعدون ، الحمولة العربية الكبيرة التي لعبت ادوارا مهمة في تاريخ العراق في العهد العثماني .

اتصل بأشهر رجال السعدون في عهده ، ناصر باشا السعدون ، فقربه ونصبه امينا لامواله وحساباته حتى وفاته عام 1893 .

يذكر الشيخ باقر الشبيبي في نبذة عن تاريخ الشطرة ، كتبها سنة 1918:

احدث ناصر باشا السعدون ديوان الرسومات وجعل عليه الخواجا نعوم ، واتفق ان اهل احدى المقاطعات ادوا خراجهم رزا فابتاعه نعوم لنفسه وادى ثمنه الى ناصر باشا ،واختار لادخاره موضعا (انبار)على ضفة فرع من الغراف بنيت فيه الشطرة الحديثة وجعل على حراسته المدعو جاسم وهو جدعائلة ال جاسم المشهورة ، وقد اتفق ان الغراف في سنة 1287 هج قد أصابها قحط وأصاب اهل المنطقة مجاعة لن تتفق لهم في تاريخ حياتهم ودامت ثلاثة اعوام وكانت تلك المجاعة من نصيب الخواجا نعوم فباع ما لديه من الرز باثمان باهظة عادت عليه بربح فاحش كان بدء ثروته .

ونعوم اول من بنى دارا للسكنى في مدينة الناصرية ، التي اسست عام 1286هج ـ1869م ، ايام ولاية مدحت باشا ، وقيل ان تأسيسها كان تتويجا لانهاء امارة السعدون في المنتفك التي استمرت لقرون ، فبنيت وسميت باسم ناصر باشا السعدون متصرفها الاول . ومن مآثر نعوم سركيس انه حسّن لناصر باشا البقعة التي شيدت عليها الشطرة الحالية . وقد كانت الشطرة القديمة تقع على جدول صغير يأخذ مياهه من نهر الغراف ، وتبعد عن موقعها الجديد نحو كيلو مترين من جهة الغرب . فلما كانت متصرفية ناصر باشا اخذ هذا الجدول بالاندراس فحولت المدينة عنه .. وبعد ان تم الاتفاق شيد نعوم دورا عديدة واسواقا وخانات ثم مسكنا له ولاتباعه وعمّر بيوتا واهداها الى وجوه الشطرة القديمة ، وبنيت بعد اتمام بناء مدينة الناصرية ، وسميت بالفالحية نسبة الى فالح باشا السعدون اكبر انجال ناصر باشا (فالح هو والد الشيخ عبد الله الفالح السعدون الشخصية الكبيرة في النصف الاول من القرن العشرين ،.

مكتبته

كون يعقوب سركيس مكتبة عامرة ، تعد من اشهر المكتبات الشخصية في الشرق . وكانت هذه المكتبة تقع في بيته المطل عل دجلة في محلة المربعة غير بعيد عن جامع ومرقد السيد سلطان علي . وقد اوصى قبل وفاته ان تهدى هذه المكتبة الى جامع الحكمة (الاهلية) في بغداد ، ثم آلت بعد الغاء الجامعة الى مكتبة المتحف العراقي . وقد قام الاستاذ كوركيس عواد بوضع فهرس تفصيلي بمخطوطات الاستاذ سركيس عام 1966 . اما المطبوعات فق حفظ النادر والنفيس في مكتبة المتحف في بغداد ونقل القسم الاخر الى مكتبة متحف كركوك .

ومن الذخائر الخطية في مكتبته ، وقد افادته كثيرا في بحوثه ، ما وجده في صندوق آل عبود اخواله ، ولندعه يصف لنا هذه اللقية : وجدت في دار لطف الله عبود (ت1947) صندوقا ، طوله متر وعرضه نحو نصف متر ، وكذلك ارتفاعه وهو مملوء رسائل كان قد بعث بها اجداد اسرته الكريمة ، بعضهم الى بعض من حلب و بغداد والبصرة وغيرها ، بقصد التجارة ، وفيه اوراق تجارية مختلفة تتعلق باواخر القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر ... وذكر اصحابها في سياق كلامهم حوادث ووقائع متنوعة . وما هذه الدفينة الا جزءا ضعيفا من اوراق التهمتها نار شبت في 2 تشرين الاول 1908 في خان لطف الله عبود فاحرقت ما فيه . وهذه الاوراق المحترقة كان ينوف قدرها على نحو عشرين صندوقا كصندوقنا الباقي ..

ويبدو ان هذه الذخيرة الوثائقية ضمت اوراقا ادبية وتاريخية مختلفة ، منها كما اشار اليها سركيس في مباحثه قصائد شعرية ورسائل شخصية واوراق تجارية و سواها .

مقالاته

ان اول مقالة نشرها سركيس كانت (خواطر في المنتفك وديارهم) ، نشرها بتوقيع مستعار هو (منتفكي) في مجلة لغة العرب (السنة الثانية 1913) ، وهي ملاحظات على مقالة للشيخ محمد رضا الشبيبي في المجلة نفسها . الا انه طواها ولم ينشرها في (مباحث عراقية) . وقد ذكر فيما بعد ان يدا تلاعبت بها فشوهت بعض ما اراده ، وبقصد هنا يد الاب انستاس ماري الكرملي صاحب المجلة . غير انه تابع مباحثه في المجلة ، فنشر في السنة نفسها مقالا ممتعا عن سعدون باشا السعدون ، وصف فيه المترجم له وصفا دقيقا لامثيل له . وبعدها شرع بتسطير بحوثه الشلئقة عن النتفق معتمدا على وثائق نادرة . ويبدو انه اهتم بالمسائل التاريخية والاثارية ، بدأ منذ فترة مبكرة ، فقد ذكر في مقال له سنة 1931 ، انه لما كان تلميذا في مدرسة الاباء الكرمليين سنة 1891 ، وهو في السادسة عشر من عمره ، رغب في زيارة والده في الشطرة ، فذهب اليه على طريق الكوت . وعند عودته طلب من والده ان يسمح له بأن يحيد بضعة كيلو مترات عن الطريق التي سلكها في المجيء ليتفقد الاثار التي بعثت من مدافنها في تلك المناطق .

لقد طرق سركيس في مقالاته قضايا نادرة وطريفة من تاريخنا المنسي . ومن طرائف مقالاته اكتشافه عندما احتفل بتكريم الاب الكرملي عام 1928 في دار عبد المحسن السعدون ، رئيس الوزراء ، بتقديمه بحثا عن سعدوني كرم كرمليا في اوائل القرن الثامن عشر ، اعتمادا على سجل قديم للبعثة الكرملية في البصرة .

ومن بحوثه ومكتشفاته التاريخية الطريفة والنادرة : صاحب اول رحلة شرقية عراقية الى اميركة سنة 1668 ، وآخر العهد بضرب النقود العثمانية في العراق ، والعرجاء قصبة المنتفق قبل ثلاثة قرون ، وتعريب الانجيل في العهد العباسي ، وموضع مقتل المتنبي ، ومبدأ زراعة بعض الخضر والفواكه في بغداد والعراق ، ومبدأ دخول التتن الى العراق ، ومبدأ دخول القهوة واول مقهى في العراق ، وحقيقة طاووس اليزيدية ، وغيرها من البحوث والتعليقات والنبذ الكثيرة.