في مجلس النواب في العهد الملكي إخراج نواب من جلسات المجلس

في مجلس النواب في العهد الملكي إخراج نواب من جلسات المجلس

حسين جميل

نص الدستور العراقي في العهد الملكي (القانون الاساسي) في المادة الستين منه على ان "لكل عضو (في مجلس النواب والاعيان) حرية الكلام التامة في ضمن حدود وناظم المجلس الذي ينتسب اليه، غير ان ضيق الفئة الحاكمة في ذلك العهد بالاراء التي تبد بنقدهم او بمعارضة ارائهم وافكارهم ومواقفهم وسياستهم امتد الى اعضاء مجلس النواب.

ولم يعصم النواب من العقاب على رأي ادوه ما قرره لهم الدستور من حرية الكلام وابداء الرأي في الشؤون العامة. واذكر للدلالة على هذا الذي اقوله حادثتين:

(الأولى) في 11 آب سنة 1937 قتل الفريق بكر صدقي رئيس اركان الجيش الذي كان قد قام بانقلاب عسكري في 29 تشرين الاول سنة 1936 سقطت به وزارة ياسين الهاشمي وحلت وزارته برئاسة حكمت سليمان. وفي 17 من اب استقالت هذه الوزارة وخلفتها وزارة برئاسة جميل المدفعي.

حلت وزارة جميل المدفعي مجلس النواب الذي كان قد تشكل في عهد وزارة حكمت سليمان وتشكل مجلس جديد للنواب عقد اجتماعه الاول في 23/12/1937 حيث القى الملك خطاب العرش الذي هو منهج الوزارة لسنة وفي الجلسة التالية التي انعقدت بتاريخ 29/12/1937 نظر المجلس في "تقرير لجنة تحرير العريضة الجوابية على خطاب العرش" وسأل رئيس المجلس "هل يوجد من يطلب الكلام" فكان اول المتكلمين داود السعدي ـ نائب الكوت ـ وكان من جملة ما قاله "ان في العراق اليوم بعض النزعات التي لا نريد بقاءها ويجب ان نتكاتف على محوها، وقال ان الشيوعية "لا تبقى ولا تذر تهدد العراق بدولته واستقلاله وملكه ودينه وعائلته وماله وشرفه وجميع مقدساته فيجب ان نتكاتف بحزم لمحوها".

ثم قال "اين اعمال الحكومة ومشاريعها لامحاء هذه النزعة...

يجب محو كل من يحمل فكرة الشيوعية. انا بالعكس ارى هذه الفكرة تساند من قبل الحكومة الحاضرة" (ص9 من المحضر الرسمي المنشور ملحقا بالوقائع العراقية) نجد في هذا المحضر بعد هذا الذي قاله داود السعدي (ضرب على المنضدة بشدة واصوات اسكت.. ضجيج وصياح عال وضوضاء) داود السعدي ـ الكوت ـ مستمرا لدي دليل.

اصوات.. اسكت.. اخرس

داود السعدي ـ (الكوت) العفو اعتذر من المجلس واسحب كلامي ضوضاء وضرب على المناضد واصوات اسكت لا تتكلم يجب ان تخرج من القاعة) (ص10 من المحضر الرسمي) وتجد فيه في الصفحة ذاتها ان سلمان البراك نائب الحلة قال "طالما النائب داود السعدي قد اهان الحكومة بحضور المجلس فعليه اقترح اخراجه من المجلس واقدم اقتراحا بذلك.

داود السعدي يخرج...

عقب ابراهيم كمال وزير المالية على الموقف وكان مما قاله "ان ممارسة داود السعدي كانت غير نزيهة انما تطاول بالكلام واهان الحكومة امام هذا المجلس الموقر فعليه اجده غير لائق للجلوس معكم في مجلسكم هذا.

قدم سلمان البراك ـ نائب الحلة ـ اقتراحا بطرد داود السعدي من المجلس وقدم توفيق السويدي وزير الخارجية اقتراحا قال فيه بما ان داود السعدي قد اهان المجلس والوزراء فاطلب من المجلس الموقر تطبيق المادة 120 من النظام الداخلي باخراجه مؤقتا لمدة الاجتماع"..

ايد الاقتراح مصطفى العمري وزير الداخلية وطلب محمود رامز التسامح وقال ان اهانة الوزارة لا تستوجب عقوبة الاخراج.. وضع رئيس المجلس الاقتراحين بعدم اشتراك داود السعدي في الجلسات مدة اجتماع المجلس بالتصويت مرة واحدة لانهما بمعنى واحد واعلن قبولهما (ص14 من المحضر الرسمي للمجلس).

والمادة 120 من النظام الداخلي للمجلس التي استند اليها القرار تنص على حرمان النائب مؤقتا من الاشتراك بجلسات المجلس في حالات نصت عليها المادة منها اهانة الوزراء.

الثانية :

وقعت في سنة 1948 ففي جلسة 28/10/1948 تليت الصيغة المقترحة من لجنة تحرير العريضة الجوابية على خطاب العرش. وخطاب العرش يعتبر منهجا للوزارة لسنة قادمة.

عقب بعض النواب على خطاب العرش في هذه الجلسة وفي الجلسة التي تلتها والتي انعقدت بتاريخ 3/11/1948.

كان من جملة ما قاله عبد الرزاق الشيخلي ـ نائب بغداد ـ ما خاطب به رئيس الوزراء وكان مزاحم الباجه جي بقوله له "لو كانت هناك حياة ديمقراطية لما اتيت الى هذا المجلس وجاء في اقواله تعبير "الفئة الضالة الحاكمة" وقال عن خطاب العرش ان هذا الخطاب المزخرف اوحي به الى رئيس الوزراء جون بول".

كان من رد الفعل لدى بعض النواب على اقوال عبد الرزاق الشيخلي ان اقدم ثلاثة نواب هم احمد العامر ـ نائب البصرة ـ وعبد المجيد عباس ـ نائب المنتفك وجميل الاورفلي ـ نائب ديالى ـ اقتراحا تحريريا بمنع عبد الرزاق الشيخلي من حضور جلسات المجلس لنهاية الدورة غير الاعتيادية. وعقب عبد الرزاق الظاهر نائب بغداد على الاقتراح بان يكتفي باعتذار من عبد الرزاق الشيخلي وقال رئيس المجلس انه طلب من عبد الرزاق الشيخلي ان يعتذر فلم يقبل.

قال حسن عبد الرحمن ـ نائب البصرة ـ ان عبد الرزاق الشيخلي لم يقصد اهانة احد في هذا المجلس وطلب تأجيل النظر في اقتراح النواب الثلاثة حتى تهدأ النفوس.

وايد جلال بابان ـ وزير المواصلات والاشغال فرض عقوبة على عبد الرزاق الشيخلي!

وقال مزاحم الباجه جي رئيس الوزراء انه يرجو من المجلس العالي ان ينظر الى الامر بشدة واذا كانت هناك عقوبة في النظام الداخلي اكثر من (عقوبة المنع من حضور الجلسات) ارجو ان يلجأ اليها المجلس.

عارض اقتراح النواب الثلاثة حسين جميل نائب بغداد وكان مما قاله ان عقوبة الحرمان من حضور جلسات المجلس تعني حرمان النائب من حق التمثيل الشعبي التي انتخبه الناخبون للقيام بها والاختلاف في الرأي في هذا المجلس مفترض فلكل نائب رأيه وطريقته في التفكير واسلوب في التغيير.. فيجب ان نقبل كل قول يعبر عن رأي قائله.

وتكلم في هذا الموضوع ذيبان الغبان نائب بغداد وكان من جملة ما قاله "ان النظم الديمقراطية جعلت كل نائب حر في ابداء رأيه.. واذا كان النائب قد وجه تهمة لفخامة رئيس الوزراء فعلى فخامته ان يرد التهمة.. ان النائب يمثل الامة فطرد النائب لا يكون الا لجريمة مهمة معينة.

وتكلم في الموضوع محمد رضا الشبيبي نائب بغداد فقرأ المدة 120 من النظام الداخلي وفيها الافعال التي يمكن معها حرمان النائب من الحضور للجلسات وقال ان امراً من الامور التي عددتها المادة لا تنطبق عليها اقوال النائب عبد الرزاق الشيخلي.

وقال محمد حديد ـ نائب الموصل "سبق لفخامة رئيس الوزراء وقال ان جلسة سابقة علينا الاقتداء بالدول الديمقراطية وخير ما يقتدى به هو النظام البرلماني والبرلمان الانكليزي نفسه فهناك تتسع الصدور الرحبة ازاء الانتقادات مهما تكن لاذعة واكثر مما قاله عبد الرزاق الشيخلي لان رحابة الصدر هي التي تفسح المجال للمجادلة والمناقشة..

وقال علي كمال ـ نائب السليمانية ـ ان منع النائب من حضور الجلسات بادرة خطيرة ولا يجوز اخراج النائب من جلسات المجلس على ما بدر ووقع.

وقال ابراهيم الشابندر ـ رئيس العمارة ـ ان كلمات عبد الرزاق الشيخلي غير واضحة وربما كانت كلماته عامة وارى ان يسمح للنائب بان يسأل عن اقواله هل انه قصد جهات معينة او كلمة سياسية.

قدم عبد المنعم الرشيد ـ نائب الحلة ـ اقتراحا بالاكتفاء بالمذاكرة وقبل ان يوضع هذا الاقتراح بالتصويت عقب عليه حسين جميل نائب بغداد فقال ان النائب الذي يدور حوله موضوع الاخراج لم يتكلم حتى الان وقد طلب الكلام فعلا فارى ان تعطى له فرصة للتكلم دفاعا عن نفسه قبل ان يقبل الاقتراح لان قبول الاقتراح قبل ان يتكلم معناه حرمانه من حق الدفاع.

غير ان هذه الملاحظة لم تجد باعطاء عبد الرزاق الشيخلي حق الكلام ووضع الرئيس اقتراح الاكتفاء بالمذاكرة بالتصويت واعلن قبوله.

وقدم خمسة نواب هم محمد حديد وحسين جميل وجعفر البدر وحسن عبد الرحمن وفائق السامرائي اقتراحا بان يكون التصويت على اخراج النائب عبد الرزاق الشيخلي بطريقة تعيين الاسماء.

هنا نجد في المحضر ان عبد الرزاق الشيخلي قال "المجلس الذي لا يسمح لمتهم ان يدافع عن نفسه يترك اودعناكم وترك الجلسة.

ومنع الرئيس اقتراح التصويت على حرمان عبد الرزاق الشيخلي من حضور جلسات المجلس بطريقة تعيين الاسماء بالتصويت وقبل.

وجرى التصويت بهذه الطريقة وهنا ترك اكثر المعارضين الجلسة.

ثم اعلن الرئيس نتيجة التصويت بان الموافقين على حرمان النائب من حضور جلسات المجلس 69 نائبا والمخالفين ثلاثة والغائبين عن الجلسة 62 نائبا.

عن كتاب (الحياة النيابية في العراق)