نص نادر.. زيارة الى خزانة كتب الإمام علي سنة 1914

نص نادر.. زيارة الى خزانة كتب الإمام علي سنة 1914

كاظم الدجيلي

حدثنا جماعة من الفضلاء انه كان في خزانة كتب الإمام علي عم نحو ٤٠ ألف كتاب وبالغ بعضهم فقال زهاء ٤٠٠ ألف كتاب وقد جمعت هذه الخزانة نفائس الكتب وأمهاتها التي عز وجود مثلها في الدنيا كيف لا وهي مما يجب أن يهدى لحضرة الإمام عم ولكن قد تلف جل هذه الكتب بل قل كلها إذ لم يبق منها إلا عدد يسير لطلاب العلم والمطالعين من الناس على اختلاف طبقاتهم بدون شاذ.

ولما كان ذلك بهذه الصورة صار الداخل إليها إذا خرج اخبأ تحت عباءته الكتب التي يريد سرقتها ويخرج بها بدون أن يفتشه أحد ولكثرة السراق ظهر النقص فيها ظهوراً لا يمكن إخفاؤه على ذي عينين إذ لم يبق منها إلا ما يناهز المائة وحينئذ أغلقت أبواب

الخزانة ومنع الطلاب والمطالعون.

وكنا نشتاق إلى رؤية البقية الباقية من تلك الخزانة التي ضاع اكثر كتبها وفي زيارتنا النجف الأخيرة وكانت في ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٣٢هـ - ٨ شباط سنة ١٩١٤م كنا نجالس في آخر النهار في إحدى حجر الصحن الشريف رجل العراق حزما وثراء وحسبا ونسبا الطائر الشهرة والصيت السيد محمد جواد أفندي الرفيعي قيم (كليدار) الروضة الحيدرية الحالي على مشرفها السلام وفي يوم من الأيام طلبنا إليه أن يطلعنا على خزانة كتب الأمير عم فأجاب طلبنا وأمر نائبه السيد داود أفندي بفتحها ففتحها وهي حجرة من حجر الصحن مما يلي شرقي القبلة وبقربه. وكان المساعد لنا في تقديم الكتب والمصاحف النائب الموما إليه ولم نكتف منها بزيارة واحدة بل بقينا نتردد إليها نحو أربعة أيام نصرف فيها من الوقت اكثر من ساعة.

ي خزانة كتب الإمام عم اكثر من ٤٠٠ مصحف من احسن ما كتبه الكاتبون وأجود ما جلده المجلدون وذهبه المذهبون وزخرفه المزخرفون منها مصحف كتب في أواخر القرن العاشر مختلف الأسطر فهو يبتدئ من رأس الصفحة بالقلم النسخي وبعد ثلاثة اسطر بالقلم العريض يليه سطر أزرق وهو اعرض من السابق وهكذا إلى أن يختم القرآن وقد أوقفه رجل من إيران اسمه (ابا آقاي) يلقب بفروغ الدولة سنة ١٢٥١. طول صفحته ٤٤ س في عرض ٣٠ س وطول ما كتب فيه في عرض ٢٢ س.

ومنها مصحف أصغر منه حجماً واقدم تاريخاً مكتوب على النسق المذكور. ومنها مصحف كالأول حجما وأجود منه خطا أوقفه الشاه عباس الموسوي الحسيني سنة ١٢٢٨ في أول شهر ذي الحجة وتاريخ كتابته سنة ٩٩٩هـ ومنها قطعة من أول سورة مريم إلى آخر الصافات مكتوبة بالقلم العريض يتخلل السطور ذهب وتحت كل كلمة تفسير فارسي طول الورقة منها ٣٨ س في عرض ٢٥ س وطول الكتابة منها ٣١ س في عرض ١٦ س وفي كل صفحة ٧ اسطر وجلدها مطلي بالذهب جاء في آخرها: (كتبه ابن عبدالله ياقوت المستعصي حامداً الله تعالى مصلياً. . . وقد أنجزت كتابة الربع الثالث من كلام الله العزيز مع ترجمته عشية يوم الأحد السابع عشر من ذي الحجة حجة ثلث وثنين وستمائة الهجرية)

وقد أوقفه رجل من إيران اسمه (كلب علي) في شهر ربيع المولود (كذا)من شهور سنة ١١٢٨ بتولية قيم (الكليدار) الملا عبد الله ومنها مصحف خطه أشبه بخط ياقوت وهو في الغاية من النفاسة والزخرف طول ورقته ٤٧ س في عرض ٣٠ س وطول الكتابة ٣٠ س في عرض ١٧ س وضخمه ٨ س ومكتوب على كل ورقة منه بالذهب كلمة (وقف) وفي أوله ٣ أوراق مزخرفة بالميناء الدقيق الصناعة وآخره وجلده مطليان بالذهب وعليه آثار القدم وقد أوقفه رجل اسمه (صفي قل بيكا) في محرم سنة ١١٣٧هـ ومنها مصحف كأخيه السالف ضخامة وانفس خطاً وتزويقاً طوله ٣٧ س في عرض ٣٠ س وطول الكتابة ٢٥ س في عرض ١٤ س وشكل كتابته مثل المصحف الأول غير أنها بالحبر الأسود وفي كل صفحة ١٢ سطراً وعلى اغلب حواشيه الميناء الملون المشجر الدقيق الصناعة وعرض الحاشية ٧ س وقد أوقفه الشاه سلطان حسين الصفوي الموسوي الحسيني بهادر خان في جمادى الأول سنة ١١١٢ هـ وفي أوله ٤ أوراق مزخرفة بالميناء وفي آخره ٥ أوراق مكتوب فيها بالحبر الأبيض دعاء القرآن ثم بعده ٣٢ بيتاً من الشعر الفارسي في التفاؤل بكلام الله تعالى وجلده مغشي بالذهب وكاغده عسلي اللون. ومنها مصحف بخط الميرزا احمد النيربزي الخطاط الشهير وخطه أشبه بخط ياقوت وحجمه مثله مرة ونصفاً وهو في الغاية من الطلاء والزخرف والوشي بالميناء الملون. ومنها مصحف بالخط الكوفي بقطع الربع جاء في آخره: (كتبه أبو عبد الله محمد بن الحسيني المجاهدي يوم الخميس أول جمادى الآخر سنة إحدى وثلثماية) ومنها مصحف بالخط الكوفي أيضاً وهو بالقطع الكامل اقدم من أخيه خطا وفي أوله اختلاف الروايات المنقولة عن المحدثين والقراء. ومنها مصحف بقطع الكف مكتوب على خشب رقيق وقد سقط من آخره بضع أوراق ويؤخذ من طراز كتابته أنه كتب بعد الألف من الهجرة.

وفي الساعة الرابعة من ليلة الثلاثاء ٢٦ ربيع الثاني فتح لنا حضرة السيد محمد حسن نجل السيد جواد الكليدار (القيم) باب شباك الضريح المقدس ودخلنا لزيارة المصحف المنسوب إلى الإمام علي عم والمصحف المنسوب إلى ابنه الحسن عم فتشرفنا بزيارتهما .

مصحف الإمام علي عم - وهو مكتوب على الجلود المصقولة، لونها عسلي فاتح ووضعه كالسفينة (أي يفتح مما يلي عرضه لا مما يلي طوله) وهو بالخط الكوفي الأول وقد سقط من أوله وآخره أوراق والباقي منه يبتدئ بسورة المعارج وينتهي بسورة انشقت وعدد أوراقه ١٢٧ طول كل منها ٢٩ س في عرض ١٩ س وطول الكتابة ٢٤ س في عرض ١٦ س وفي كل صفحة ١١ سطراً وفي بعض الصفحات ٦ اسطر وهو مكتوب بالقلم العريض والعناوين بالذهب والفواصل بالحبر الأحمر والأخضر (ولعلها محدثة) وجلد مطلي بالذهب مكتوب عليه بعض أحاديث النبي الحكيمة وليس هناك علامة تدل على انه بخط الإمام علي عم ولضيق الوقت واحتياجنا إلى شحذ الفكر في معرفة الخط الكوفي ولتزاحم الناس على تقبيل المصحف المذكور لم يسعنا أن ننظر ترتيب سوره التي هي على غير ترتيب سور المصحف الموجود اليوم بأيدي الناس وهو المنسوب إلى عثمان.

مصحف الحسن - وهو أيضاً بالخط الكوفي ومكتوب على الجلود المصقولة وخطه أجود من خط مصحف أبيه وانظم تسطيراً وكذلك عناوين السور مكتوبة بالذهب ووضعه كوضع مصحف أبيه (أي يفتح مما يلي عرضه) وقد سقط من أوله وآخره أوراق والباقي وينتهي بسورة الكوثر وعدد أوراقه ١٢٤ .

مجلة (لغة العرب) في 1 نيسان 1914