لنتذكر عازف القانون خضير الشبلي

لنتذكر عازف القانون خضير الشبلي

إعداد : أحمد القيسي

يبقى موضوع الفن والفنانين صعب القبول إن لم يكن مرفوضا في مجتمع العشيرة وايضا في مجتمع المحلة التي حلت محل العشيرة في المدينة وكما قلنا ان الذين سلكوا هذا الطريق عانوا الكثير لمواجهة محيطهم العائلي ومحيطهم الاكبر المحلة ، ونحن نأخذ نماذج من أولاءك نجد انهم خرجوا على تقاليد العائلة وتقاليد العشيرة او المحلة ،

وفي كل قصص الذين سلكوا هذا الدرب نجد نفس المعانات ، ونجد انهم خرجوا من عوائل محافظة لابل متدينة او متصوفة حتى ، لكن كما قال عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (تحضروا او عودوا الى الصحراء) ، وان الحضارة هي تفكير وثقافة وسلوك وليست لباس ومسكن وحاجيات، وتكلمنا عن شخصيتين في محلتنا مروا بهذه التجربة وها نحن امام شخصية فنية اخرى مرت بنفس المعانات ....

عازف القانون خضيـر الشـبلي الذي حمل لقب محلته كما هو حال الكثيرين مما حملوا لقب (الشبلاوي) نسبة لمحلتهم وحتى بعد ان تغير اللقب الى (شبلي) وكان اول من غيره الفنان الكبير حقي الشبلي الشبلاوي ، اما (خضير عباس جليل محمد كاظم) فهو من عشيرة الكروية القيسية التي سكنت محلة البوشبل ، وولد في محلة ألبو شبل عام 1929م ، وفيها توفي والده ، وكان لوفاة والده بالغ الاثر في نفسه حيث ترك مقاعد الدراسة بسببها وانصرف للعمل بمقهى شاؤول التي كانت تتخذ من سطح احد البنايات في الشورجة مكانا لها ، تلك المقهى كانت ملتقى لعدد من المطربين والفنانين امثال محمد القبانجي رشيد القندرجي وحسن خيوكه ، ومر خضير في تلك الفترة بأيام صعبة عانى خلالها الكثير وكان موزعا بين رغبته في تعلم الموسيقى واصول الغناء وبين قسوة الاهل الذين عارضوا رغبته بالعنف ، اذ يذكر الشبلي في حديث مع مجلة الاذاعة والتلفزيون عام 1973 انه حدث في عام 1950 ان افتتح في بغداد ملهى شهرزاد ، وكانت المطربة سليمة مراد تغني فيه بينما كان خضير واحدا من العازفين ، وبينما كانت المطربة سليمة مراد تقدم احدى اغنياتها انهمر سيل من الرصاص على المسرح، إلا انه لم يصب احد، حيث تبين فيما بعد ان (خال خضير) حاول قتله اوترويعه ليبعده عن العمل الذي يعتقد بانه يسيء الى (سمعة العائلة)، بعد هذه الحادثة ترك خضير بيت اهله إلا انه لم يترك الموسيقى والعزف حتى اخر حياته .

وفي عام 1946 قدر للفنان الشبلي ان يلتحق بمعهد (المواساة للمكفوفين) حيث تعرف في هذا المعهد على اصول الانغام والنوطة بمساعدة صديقه (سلمان البصون) الذي كان يجيد العزف على القانون، وهنا بذل الشبلي غاية جهده في تعلم المقام واصول العزف ، وحينها استطاع الشبلي ان يحصل على آلة القانون وكانت مرحلة البداية له ، في عام 1947 عزف في احدى حفلات المطربة سليمة مراد وكانت هذه اول محاولة له ، اما المحاولة الثانية فكانت مع محمد القبانجي في الحفل الذي اقيم بنادي المحامين انذاك ، خلال هذه الفترة كان يتردد على الاذاعة بصحبة بعض اصدقاءه، وكانت يومها الاذاعة لم يتجاوز عدد العاملين فيها الثلاثين بينهم ستة عازفين اغلبهم من اليهود ، وبعد عام 1948 وعندما هاجر معظم العازفين اليهود اشار الاستاذ القبانجي الى جميل بشير بتشكيل فرقة موسيقية خاصة بالاذاعة، وفعلا فقد تم تشكيل هذه الفرقة عام 1949 وقد ضمت جميل بشير رئيسا و خضر الياس عازفا على الناي و منير بشير عازفا على العود وحسين عبد الله على الطبلة وخضير الشبلي على القانون ، بعد هذه الفرقة تم تشكيل فرقة ثانية بقيادة الفنان روحي الخماش وكانت اول حفلة قدمتها الفرقة بمصاحبة شاكر النجار الذي غنى مقام الصبا والحفلة الثانية غنى فيها المرحومان حسن خيوكه وناظم الغزالي، وكانت تذاع على الهواء مباشرة ، في عام 1952 تم توسيع رقعة بث الاذاعة بربطها بخط مع لندن فكان اول من يفتتحها بعزف منفرد على القانون هو خضير الشبلي، بعدها غنى ناظم الغزالي .

ورافق الشبلي معظم المطربات والمطربين في اغانيهم وحفلاتهم ، ومنهم حضيري ابو عزيز ، حيث يذكر الشبلي انه رافقه عام 1954 في رحلته الفنية الى لبنان للمشاركة في حفل غنائي ، وكان من بين حضور الحفل فريد الاطرش وعبد الحليم حافظ ، وقد نقلت وقائع الحفل على الهواء مباشرة بحضور رئيس جمهورية لبنان ، وقد غنى حضيري ابو عزيز في هذا الحفل لاول مرة (احميد يا مصايب الله) فترك عند اللبنانيين اطيب الاثر واحلاه ، وكانت المطربة صديقة الملاية تصر على وجوده معها بصحبة الفنان جميل بشير، ويذكر الشبلي انه قد اعجب اشد الاعجاب بالمرحوم حسن خيوكه ويقول عنه (انه لم ينل الشهرة التي نالها غيره) .

وكما اثـّر الاستاذ حقي الشبلي في وسطه وبيئته فتبع اثره من تبعه من ابناء محلته الذين هم اقاربه وناسه نجد ان (خضير) ايضا اثر ايضا في بيئته وتبعه اخرون في عالم الفن والموسيقى لامجال لذكرهم لعدم استكمال معلوماتهم ، ولاننسى ايضا ماكتبناه سابقا من تشكيل فرقة للموسيقى الشعبية من ابناء المحلة وهي (فرقة جلاوي) التي كانت حاضرة في كل افراح الشبلاويين ، ولاننسى الكثيرين من شباب المحلة الذين شاركوا في هذه الفرقة كعازفين هواة وابداعاتهم ....