جاسم العبودي صفحة منسية من تأريخ المسرح العراقي

جاسم العبودي صفحة منسية من تأريخ المسرح العراقي

عبد الله حبه

اهمتنا نحن طلاب قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة في اواخر الخمسينيات "عاصفة رعدية" جرفت كل ما كان في عقولنا وقلوبنا، نحن هواة المسرح، من مفاهيم وتصورات حول الفن المسرحي وأساليبه واهدافه. وصار احدنا كمن عاش تحت وطأة كابوس ملأ عينيه بالغشاوة فترة طويلة واذا به يرى فجأة النور الساطع وجمال الطبيعة الاخاذ.

وقد حدث ذلك حين جاء الى المعهد استاذ جديد اسمه جاسم العبودي الذي قلب مع قرينته مرجريت آن العبودي (ام نبيل) كل تصوراتنا حول عمل الممثل وابداع المخرج والتقنيات المسرحية من ديكور وماكياج وانارة.

انني لا اريد هنا ان رسم صورة لجاسم العبودي وكأنه "السوبرمان" الذي حقق المعجزات في المسرح العراقي في المراحل الاولى من صيرورته ولاسيما في فترة الخمسينيات. بل جل ما اتمناه ان يمنح الى اسمه التكريم الذي يستحقه اذ ان الكثيرين قد نسوه الآن، ولو ان اسمه اطلق على قاعة في معهد الفنون كما سمعت. وقد كان لدينا رواد للمسرح العراقي منذ اواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الاول من القرن العشرين والذين اورد اسماءهم الباحث احمد فياض المفرجي في كتابه " الحركة المسرحية في العراق" واديب القليه جي في " 97 عاما من مسيرة المسرح في العراق" وبعض الكتاب الآخرين. وكان لدينا احد ابرز رواد المسرح العراقي وهو الاستاذ حقي الشبلي، ولا يماري احد في كونه "عميد المسرح العراقي"، وكان لدينا ايضا جعفر السعدي وابراهيم جلال والمؤلف والممثل يوسف العاني (المحامي) وعبدالله العزاوي وبدري حسون فريد وسامي عبدالحميد وزينب وناهدة وآزادوهي صاموئيليان وخليل شوقي وكارلو هارتيون وغيرهم وغيرهم من افراد كوكبة لامعة من هواة المسرح العاملين آنذاك بصورة رئيسية في نشاطات فرق الهواة او في المدارس والمعاهد. وأدلى كل واحد من هؤلاء بدلوه في بناء صرح المسرح الوطني وفقا لقدراته الابداعية ومستوياته الثقافية.

لكن ما فعله جاسم العبودي(ابو نبيل) في تطوير المسرح العراقي يعتبر بحق أبرز صفحة في تاريخه، لكونه ادخل لأول مرة الدراسة الاكاديمية للفن المسرحي في معهد الفنون الجميلة في بغداد. فقد كنا نحن طلاب قسم التمثيل نرتاد الدروس في تلك الايام لنستمع الى محاضرات للاستاذ صفاء مصطفى (درس الادب المسرحي في المانيا، وهو مؤلف مسرحية " كاترين" التي لم تقدم على خشبة المسرح كما اعتقد، حول تاريخ وأدب المسرح دون الاعتماد على اي مصدر او كتاب يمكن الرجوع عليه، او الى دروس "علم الهيئة " التي كان يقدمها الاستاذ اسعد عبدالرزاق من دفتر اصاب اوراقه البلى والاصفرار ويرد فيه "ان عطيل يجب ان يكون اخضر العينين تجسيدا للغيرة وان يكون ياجو بهيئة شيطان وهلم جرا..". ولم تكن لدينا دروس نظرية جدية في اصول التمثيل او الاخراج او تصميم الديكور المسرحي او الماكياج او الانارة. اما الدراسة العملية فكانت تفتقد الى القواعد التي ترتكز عليها. وكان الديكور في جميع العروض يتألف من خرق معلقة على جوانب المسرح بينما تتدلى من سقفه سلسلة مصابيح ملونة صفراء وحمراء وزرقاء. ولم يعرف شئ بأسم " سجل الاخراج " الذي يدون فيه مدير المسرح جميع ملاحظات المخرج وميزانسيه المشاهد.علما انني عرفت بوجود هذا "السجل" من قبل لدى مشاركتي في نشاط فرقة " Tigris Players " الانكليزية التي كان يقودها المخرج الانكليزي رسل بودين في المعهد الثقافي البريطاني في بغداد. وعلمت هناك ايضا كيف يجب بناء الديكور" المجسم" وليست الستائر المرسومة. وقد دعوت يومذاك صديقنا النجار سعدي السماك لصنعها. اما عن دروس التمثيل في المعهد فكانت تظهر عجز الاساتذة عن تفهم اصول المهنة. انني لا اريد بهذا التقليل من شأن الاساتذة آنذاك فهم جميعا كانوا من المتحمسين لفكرة بناء مسرح عراقي اصيل. بيد ان الامكانيات المتوفرة لديهم كانت متباينة ومحدودة فلم يتلق احد منهم دراسة جدية مسبقة لهذا الموضوع. وكان الاعتماد الرئيسي يجري على موهبة الفنان الفطرية في حسن الالقاء والحركة دون خوف على الخشبة وحفظ النص وليس على صقل هذه الموهبة وتطويرها. وتغير الوضع طبعا بعد سفر ابراهيم جلال الى ايطاليا وجعفر السعدي الى امريكا، ثم مجئ فناني الرعيل المتوسط من فناني المسرح من الدراسة في بريطانيا والاتحاد السوفيتي وبلغاريا وبولندا.

وفي الخمسينيات كان المرحوم حقي الشبلي لا يذكر شيئا عن دراسته خلال خمسة اعوام قضاها في باريس، ولا عن المدرسة المسرحية الفرنسية ذات التأريخ العريق، ولا عن كبار المخرجين الفرنسيين والاوروبيين. وانا لدى مراجعة الدفاتر القديمة التي دونت فيها ما كان يقدمه لنا الاساتذة شعرت بالاحباط فعلا. وانا عجبت لقول الفنان بدري حسون فريد مرة ان الشبلي كان احيانا يذكر اسم ستانيسلافسكي في محاضراته حول تاريخ المسرح. فان دفاتر المحاضرات في معهد الفنون الجميلة التي احتفظ بها لا تتضمن اية اشارة الى المسرح الروسي اصلا. كما لا يشار فيها الى عباقرة المسرح الفرنسي ودور المسرح الحر بقيادة انطوان في اصلاح هذا المسرح وكذلك مشاركة الكاتب اميل زولا في الحركة الاصلاحية، فقد تأثر المسرحيون الفرنسيون بفرقة مانينغهايم الالمانية وقلبت المفاهيم القديمة حول عمل الممثل والمخرج. ويبدو ان الشبلي ربما كان منخرطاً في "دورة تدريبية" طويلة وليست في دراسة اكاديمية في باريس. وربما ان تجربته المسرحية نشأت بعد عمله طوال عام في المسارح المصرية ولاسيما مع عزيز عيد وتأثره بنجيب الريحاني ويوسف وهبي وعمله مع فرقة فاطمة رشدي ومع جورج ابيض كممثل. فقد كان تأثير المسرح المصري آنذاك واضحا في اسلوب التمثيل والاخراج لدى الشبلي. وقد اشار الى ذلك الفنان بدري حسون فريد في مقالته"وحدة الفعل الدرامي بين الشبلي والعبودي" (المنشورة في مجلة "الاقلام" العدد 2 شباط 1990). علما انه كان ممثلا مبدعا حقا وحبذا لو واصل العمل كممثل في العراق لاحقا. كما كان شخصية محبوبة وقد احببناه نحن الطلاب جميعا لأنه كان يدعونا ب " اولادي" ولم تبدر منه اساءة الى احد منا. هذا الأمر كان بعكس ما رواه لنا جاسم العبودي حول اساليب الدراسة الاكاديمية المسرحية في معهد جودمان واساتذته ومنهم بوريس نيسين المنحدر من اصول روسية وعن الممثل والمخرج ميخائيل تشيخوف ولي ستراسبرغ احد مؤسسي "استديو الممثل" في نيويورك وغيرهم ممن اعتمدوا نهج قسطنطين ستانيسلافسكي واساليب العمل في مسرح موسكو الفني واستديوهاته الثلاثة. فقد كانت جعبته مليئة بالمعلومات القيمة حول عمل الممثل والمخرج وكيفية انتاج العرض المسرحي نفسه.

كان معهد الفنون الجميلة في بغداد يقدم سنويا عرضا مسرحيا يشارك فيه جميع الطلاب. وفي السنين التي سبقت التحاقي مع المرحوم الفنان عبدالواحد طه بمعهد الفنون الجميلة قدمت مسرحية " يوليوس قيصر " لشكسبير بإخراج الاستاذ حقي الشبلي في أيار عام 1953 "بمناسبة عيد تتويج صاحب الجلالة الملك المعظم وتحت رعاية معالي وزير المعارف"، كما ورد ذلك في برنامج الحفل. وكان هذا العرض حدثا مسرحيا كبيرا ايامذاك في غياب الفرق المسرحية المحترفة او حتى فرق الهواة الكبيرة. لكن حسب ما رواه الطلاب الذين شاركوا في العرض فانهم لم يحصلوا على شئ جديد فيه. زد على ذلك كان التعامل مع النص يثير العجب. وقد وجد المرحوم الشبلي مثلا ان من غير المناسب، حسب قول احد الزملاء، ان يقول مارك انطوني في خطبته الشهيرة بعد اغتيال القيصر عبارة: " مات القيصر" لئلا يفسرها البعض بأنها موت الملك الجالس على عرش العراق آنذاك. وجرت اضافة عبارة " عاش الملك" بعدها. وعموما هناك طرائف كثيرة ترددت في تلك الايام عن التعديلات التي كان يجريها حقي الشبلي على النصوص المسرحية بحكم منصبه لفترة ما في الرقابة عليها. ولكن في العام الذي درست فيه في المعهد تقرر تقديم مسرحية " شهرزاد " لتوفيق الحكيم على مسرح معهد الفنون الجميلة. وقام بدور شهريار الفنان وجيه عبدالغني وبدور قمر الفنان كارلو هارتيون وبدور شهرزاد شقيقته نورايك التي كانت تجد صعوبة آنذاك في اداء دورها بسبب حاجز اللغة، لكنها كانت يومذاك "لقطة " ثمينة حيث ان الاهالي من المسلمين لم يسمحوا لبناتهم بصعود خشبة المسرح. وقمت انا بدور مرجان. كما تولى تصميم الديكور المسرحي بالاسلوب المألوف آنذاك الفنان حافظ الدروبي الذي كان من عشاق المسرح واحد النشطاء فيه منذ العشرينيات. وتألف الديكور من صورة في عمق خشبة المسرح لمدينة شرقية غارقة تنتصب فيها المنائر والقبب وسط الصحراء ابدعتها ريشة الدروبي، بينما علقت الستائر من الجانبين كالعادة أنذاك. وطبعا استخدمت موسيقى السويتا-السيمفونية للمؤلف الموسيقي الروسي ريمسكي كورساكوف "شهرزاد" باعتبارها الخلفية للمشاهد. وكان مدير المسرح يتحكم بها في الحاكي مع الاسطوانة حيث لم يظهر للوجود بعد أنذاك المسجل مع الاشرطة. ولعل ان البروفات على المسرحية كانت من اطرف الاحداث. فأن المخرج حقي الشبلي كان يجد ان وجيه لم يتقمص دوره كما يجب ويطالبه بقوله:" شد.. شد.. شد". وكنا نحن الطلاب نضرب اخماسا بأسداد حول هذه " الشد" السحرية التي ستجعل الممثل يؤدي دوره بالشكل المطلوب. وهنا لابد من الاشارة الى ان الشبلي كان يرغم الممثلين احيانا على تقليد حركاته واسلوبه في الالقاء حين يفشلون في الاداء كما يريد، ولم يمنح الممثل اية حرية في العمل عى خشبة المسرح. وما أكثر ما عانى من ذلك كارلو ووجيه من هذا الاسلوب، لأنهما لم يعرفا ما يراد منهما بالضبط. كما لم يوجد ميزانسيه بالمعنى المعروف لدى المخرج ولا "سجل الاخراج" الذي يمسكه مدير المسرح عادة ويسجل فيه كل صغيرة وكبيرة في اثناء البروفات.. بل خضع الامر لمزاج المخرج في اللحظة الآنية. علما ان هذا الاسلوب كان شائعا لدى المخرجين الاخرين الذين تسنى لي العمل معهم ومنهم جعفر السعدي وابراهيم جلال. وكانوا يعتمدون على الموهبة الذاتية والحدس الذاتي. ووجد الاستاذ الشبلي مشكلة في جذب العنصر النسائي الذي كان مشكلة المشاكل في المسرح عموما انذاك لأن شهرزاد- نورا هارتيون كانت تتحدث بلكنة ارمنية واضحة وصعب عليها اداء كثير من المقاطع الطويلة مما وجب اختصار نص توفيق الحكم بقدر كبير. لكن العرض حقق نجاحا كبيرا، ربما لارتباط مضمون المسرحية بالاساطير حول بغداد وامجادها الغابرة، وربما لعدم وجود عروض اخرى من هذا الطراز.

في هذا الوقت بالذات برز اسم جاسم العبودي (1925-1989) كفنان مسرحي من طراز جديد. ان ما دفعني لكتابة هذه السطور هو الاجحاف الذي لقيه هذا الفنان من جانب مؤرخي المسرح العراقي الذي يمرون مر الكرام على اسمه وانجازاته الكبيرة. وقد وعدني الاخ الفنان سامي عبدالحميد مرة بأن يكرس له بابا خاصا لدى كتابة تأريخ المسرح العراقي، وآمل ان يتحقق ذلك وان يجد الهمة والقوة على انجاز هذا العمل الضخم. ولربما ان تلميذ الاستاذ العبودي وزميله لاحقا فاضل خليل الكاتب الوحيد الذي تحدث عنه – مشكورا – باسهاب لحد ما في موقع " الحوار المتمدن". لكنه لم يتناول فترة اواسط الخمسينيات حين عاد العبودي من الولايات المتحدة وبدأ العمل في قسم التمثيل بمعهد الفنون الجميلة. وقد كرس الفنان يوسف العاني مقالتين ضمنها ذكرياته عن العبودي دون تحليل وتفاصيل. وقد حالفني الحظ ان التقي جاسم العبودي بعد عودته الى العراق مع زوجته (أم نبيل) وعملهما في المعهد، فكان استاذا في قسم التمثيل والاخراج، بينما كانت هي استاذة لمادة الماكياج. وكنت حتى مغادرتي الوطن في عام 1960 والتحاقي بقسم تأريخ المسرح في معهد الفن المسرحي (غيتيس) في موسكو مع نخبة من الشباب، بينهم قاسم محمد ومحسن السعدون وفاضل قزاز وعبدالقادر رحيم ومظفر رشيد، غالبا ما اقضي الاوقات في شقتهما المتواضعة المستأجرة واساعد ام نبيل في تدبير الشئون المنزلية للعائلة لكوني اجيد اللغة الانكليزية. وكانت ام نبيل تفتخر دائما بأصولها الايرلندية. لقد بدأ العبودي وام نبيل العمل في المعهد في جو متوتر لحد ما، لأن ما قدماه الى الطلاب كان يختلف كليا عما كان يقدم اليهم من قبل الشبلي وبقية الاساتذة. وكانت دروس اصول التمثيل باشراف العبودي من احب الدروس الى الطلاب، الذين كانوا يأتون اليها بحماس منقطع النظير. فلم يكن استاذهم يطلب منهم تقليده بل كان يصبو الى ان يكشف كل طالب عن شخصيته الابداعية في التمارين العملية التي تقدم في اثناء الدروس. وكان يستعين احيانا بالرسوم الايضاحية لأظهار العلاقة بين الممثل وشخصية المؤلف وكيفية تحويل عملية تقمص الشخصية الى معاناة ذاتية. وعرفنا لأول مرة بالمنهج او "طريقة ستانيسلافسكي". ولم تصلنا انذاك بعد ترجمة كتابه " حياتي في الفن" من قبل دريني خشبة. وبلغ الحماس لدى الطلاب في استيعاب دروس "الطريقة" حتى ان سامي عبدالحميد ترجم بعض فصول كتاب " اعداد الممثل " التي نشرت في مجلة " السينما" لصاحبها المخرج السينمائي كاميران حسني. بيد انني حين بدأت الدراسة في " غيتيس" عرفت ان طريقة ستانيسلافسكي ليست سوى حصيلة خبرة قرون في المسرح الروسي والاوروبي. وردد هذا المصلح المسرحي مثلا ما كان يدعو اليه كبار الممثلين الروس مثل فولكوف وشيبكين ولينسكي ويوجين – سمباتوف وغيرهم. ويعود الفضل الى ستانيسلافسكي فقط في جمع هذه التجارب ونشرها في كتبه وتطبيقها في المسرح. كما ان ستانيسلافسكي مدين بالكثير في اعداد هذه الطريقة الى رفيق الدرب فلاديمير نيميروفيتش –دانشينكو الذي أسس معه مسرح موسكو الفني. انه الكاتب والمربي المسرحي نفسه الذي رفض في حينه جائزة افضل مسرحية الممنوحة له وطلب تقديمها الى تشيخوف لأنه افضل منه. كما يعود اليه الفضل في اعادة مسرحيات تشيخوف الى الجمهور الذي رفضها سابقا عقب فشل عرض " النورس" في بطرسبورغ.

وتخللت دروس اصول التمثيل التي كان يقدمها لنا جاسم العبودي مواضيع مثل الالقاء المسرحي والحركة المسرحية. وكان العبودي الذي عمل مع الشاعر الكبير مهدي البصير في صدر شبابه ورافقه لدى القاء المحاضرات في دار المعلمين العالية متمسكا للغاية بالتلفظ الصائب للكلمات والالتزام بقواعد اللغة. كما أظهر للطلاب أهمية امتلاك الممثل للمرونة في الحركة واختلاف حركة الشخوص طبقا للأنتماء الطبقي او القومي او المهني. فمثلا ان " عطيل" شكسبير الذي اعتاد ركوب الجياد والقتال لا يمشي مثل دوريان جراي الارستقراطي بطل رواية اوسكار وايلد. وقدم لنا آنذاك دروسا في المبارزة والقتال بالسلاح الابيض على خشبة المسرح. وكان يقرن كل ذلك بالامثلة من الدروس التي كان يتلقاها من اساتذته في معهد جودمان(Goodman) المسرحي التابع لمسرح بهذا الاسم في شيكاغو(سمي نسبة الى الكاتب المسرحي الامريكي كينيث سوير جودمان). علما ان المدرسة المسرحية الامريكية قد تأثرت كثيرا بتجربة معهد موسكو الفني ولاسيما بعد زيارة فرقة هذا المسرح الى امريكا في اعقاب ثورة اكتوبر 1917. وقد بقي بعض فناني هذا المسرح في امريكا ورفضوا العودة الى روسيا بينما قرر ستانيسلافسكي عدم البقاء بعد الحاح من نيميروفتيش دانشنكو وبقية اعضاء الفرقة. وكان بين الباقين في امريكا الممثل الموهوب ميخائيل تشيخوف وعدد آخر من الممثلين والمخرجين الذين عملوا لاحقا في المسارح الامريكية وفي "استديو الممثلين".

وقد جلب العبودي من شيكاغو الى بغداد كل ما اكتسبه من اساتذته في معهد جودمان وبضمن ذلك طريقة ستانيسلافسكي. وأهداني العبودي لاحقا لدى العمل معه في فرقة المسرح الحر التي أسسها في حينه كتاب "خمسة اصابع في اصول التمثيل " للمخرج السوفيتي بوريس زاخافا مدير معهد شوكين المسرحي بموسكو مترجما الى الانجليزية. وكان من الطبيعي ان يجد العبودي بعض النفور من الاساتذة القدامى بسبب التفاف غالبية الطلاب حوله. واذكر مرة ان دخل استاذنا الى الصف محمر الوجه وبسحنة غاضبة دون ان نعرف السبب. وقد علمت لاحقا ان حد المدرسين (ربما الحاج ناجي الراوي) صاح لدى دخول العبودي وام نبيل مبنى المعهد بصوت عال: " كيمر ودبس"! في اشارة الى سحنة العبودي (ابن الناصرية) الشديدة السمرة وسحنة زوجته البيضاء. لكنني اشير من باب الانصاف الى ان الشبلي لم يقل ابدا بحضورنا كلمة اساءة الى العبودي فقد كان رحمه الله عفيف القلب واللسان.

تألق نجم جاسم العبودي فور قدومه الى بغداد حين أخرج مسرحيتي "تؤمر بيك" ليوسف العاني و " ماكو شغل " للعاني وشهاب القصب في عام 1955 بدعوة من صديقه الفنان ابراهيم جلال. وكتب الفنان يوسف العاني عن هذا العرض قائلا: " إنه نقلة نوعية في الصيغة الجديدة للمسرح الشعبي العراقي. وكان جاسم العبودي يحسن بل يجيد الدقة في العمل ووصل في ذلك الى حد التعجيز احيانا. كما كان قادرا على الخلق المتجدد حين تضيق به السبل او تنعدم عنده الوسائل المطلوبة". وفعلا قدم مسرحيتان شعبيتان بأسلوب حرفي عال وكان بداية الخروج من اساليب مسرح الهواة التي سيطرت على عمل الفرق آنذاك الى مسرح الاحتراف حيث الدقة والانضباط والجودة التقنية. وعندما لم تتوفر البروجكتورات للأنارة استخدمت علب المعلبات الفارغة التي كانت توضع فيها المصابيح الوهاجة، اما الديكور فقد اصبح مجسما ويساعد الممثل على الحركة. ولدى عملي مع الفنان جاسم العبودي بصفة مدير مسرح في اخراج مسرحية "الحقيقة ماتت" لعمانوئيل روبلز التي قدمت على قاعة مسرح الفنون الجميلة (في عام 1955) ومن ثم " ثمن الحرية " للمؤلف نفسه(في عام 1959) تكشفت لدي الجوانب الاساسية في ابداع العبودي كمخرج وكمرب. وقد علمني لأول مرة ان امسك "سجل الاخراج"، السجل الذي كان يتضمن جميع ملاحظات المخرج الى الممثلين خلال البروفات، وكذلك رسوم الديكورات وحتى صور الازياء. وكان العبودي غالبا ما يرسم على ورقة توزيع الممثلين الذي يرغب فيه وحركاتهم في مختلف المشاهد قبل المجئ الى البروفات. وجاء في دفاتر المحاضرات المتوفرة لدي كيفية عمل المخرج منذ ان يقع اختياره على المسرحية ووضع خطة الاخراج ثم توزيع الادوار والعمل مع الممثلين وانجاز الاعمال الاخرى لأعداد العرض المسرحي.

وكان العبودي يعير أهمية كبيرة الى قراءة النص المسرحي حول الطاولة المستديرة مع الممثلين. وبعد ذلك فقط ينتقل الى البروفات. علما انه تمسك بهذا الاسلوب في العمل حتى لدى اخراجه مسرحية باللغة الانكليزية اسمها "بث الاشاعات " مع تلامذة كلية بغداد التي كان يديرها الآباء اليسوعيون آنذاك. وقد شاركت يومئذ في تصميم الديكور والانارة للعرض. وكان يعتبر عمل المخرج مع الممثل من أهم مراحل اعداد العرض المسرحي. وكان يراعي اختلاف قدرات الممثلين وتقبلهم لأدوارهم. واذكر ان احد الممثلين الرئيسيين لدى اخراج مسرحية " الحقيقة ماتت" لعمانوئيل روبلس في عام 1955 كان يطلق الكلمات بخنة من انفه اعتقادا منه بأن هذا سيترك تأثيرا كبيرا في المشاهدين. فصار العبودي يجلس معه في خلوات في احدى قاعات الدرس ليعلمه ان الممثل يجب ان يتحدث ببساطة بدون صراخ او تغيير في الصوت. وهكذا كان يتعامل مع جميع الممثلين بأسلوبه اللبق والحازم في آن واحد. وقال مرة في احدى المحاضرات: "يتمتع كل ممثل بمهاراته وبعاداته وبخصوصيته الفردية. فقد يكون احد الممثلين خجولا وغير واثق بنفسه في اداء الدور، بينما يكون آخر معتزا بنفسه اكثر من اللازم ولا يتقبل ملاحظات المخرج امام الآخرين. وقد يتقبل ممثل آخر جميع ملاحظات المخرج ويؤديها على خير ما يرام. ولكن يجب على المخرج في كافة الحالات مراعاة نفسية الممثل واحترام شخصيته الفردية".

وكان غالبا ما يعلمنا ان نراقب الناس في حياتنا اليومية لنجد بينهم شخصية تتفق صفاتها مع شخصية المسرحية في اسلوب الكلام والحركة وردود الافعال للاستفادة منها لدى اداء الادوار. وكان يمضي في شرح مهمة كل عامل على خشبة المسرح وكيفية صنع الديكور وكيفية تنظيم عمل المسئول عن الانارة وهلمجرا. وكان يأسف لعدم توفر التقنيات اللازمة في خشبة المسرح العراقي يومئذ، وقد سعى فعلا لاحقا الى شراء الكثير من الاجهزة اللازمة لذلك. وهذه جميعا أمور لم يعرفها المسرحيون العراقيون من قبل.