أستاذ المسرح جاسم العبودي

أستاذ المسرح جاسم العبودي

يوسف العاني

حين كنت طالبا بفرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة بعد تخرجي في كلية الحقوق.. وبمناشدة من الأستاذ إبراهيم جلال-كما سبق وأشرت إلى ذلك- كان يرد اسم (جاسم العبودي) طالبا يدرس المسرح في – كودمان ثياتر- في الولايات المتحدة، وفي بعثة رسمية بعد تخرجه من فرع التمثيل بمعهد الفنون...

وانه كان طالبا ضمن المتميزين قبل سفره.. وانه شخصية جادة ومثقفة.. وقد انتفع من رفقته للشاعر (الدكتور محمد مهدي البصير) الأستاذ في دار المعلمين العالية حيث كان يقرأ له ما يطلبه منه، وانه يستمع اليه مدرسا ومحاضرا... فيزداد معرفة ودراية باللغة العربية وبالقائها وادبها... وهذا ما اكسبه موقعا متميزا ومهما في المسرح الذي عشقه ودرسه وبرزفيه –كما قلت- في تلك الفترة –بداية الخمسينيات- كنا تواقين بلقاء من ازداد علما وفنا ومعرفة –اكاديمية –بالمسرح.. فمع كل تقديرنا لمن كان يدرسنا كنا نحس بحاجة الى بلورة وتعميق الطرح العلمي المعتمد على دراسة لها قواعدها واسسها... وهذه المهمة لاتكتسب ولاتكون مفيدة الفائدة الصحيحة الا بعد دراسة منهجية ووفق اسس تخضع لعلمية يطرحها اساتذة مختصون بكل فرع من فروع تدريس فن وعلم والمسرح. وجاسم العبودي الذي اخبرنا العارفون به وفي مقدمتهم ابراهيم جلال (زميله وصديقه كان اول من زكى هذا الذي سيعود قربيا وسيكون ضمن الملاك التدريسي في المعهد. بل اكد لنا انه سينضم الى فرقتنا المسرح الحديث.... ولابد ان نضع له مكانة يستحقها فيها... هكذا عرفته قبل ان اعرفه مباشرة وتعاملا من خلال التدريس اولا ومن خلال مسؤولياته مخرجا لمسرحيات كانت جاهزة لاخراجها من قبله في فرقتنا... حين وصل بغداد استقبلناه بحفاوة كبيرة.. ووجد نفسه محاطا بنا مبعدين عنه اي احساس بالغربة او الحاجة... حتى شعر انه بيننا ومعنا (مدللا).. فهو واحد من اعضاء الفرفة، هكذا اعلنا عن موقعه واحدا من الهيئة الادارية... ولاسيما ابراهيم جلال قد سافر للدراسة.. وهيأنا له حتى(الدار) لتضم عائلته التي عادت وفي المقدمة زوجته الفاضلة (ام نبيل) والتي انسجمت معنا لتكون هي مسؤولة (المكياج) في الفرقة..

جاسم العبودي المدرس في المعهد الفنون الجميلة للتمثيل والاخراج جاء بالغنى المسرحي الجديد –هكذا احسسنا- جاء بالنظرية والتطبيق.. العلم الذي يعتمده الفن ليحرك الساكن ويدفع المبدع لكي يبدع.. وياخذ الموهوب لكي يصل الى المكانة اللائقة به من خلال اسس المعرفة المسرحية والتحليل الثري لكل الحالات. كان جاسم العبودي مدرسا قديرا يحمل التجربة العملية والثقافة المسرحية... وكان من القدرة في التعبير عما يريد ان يقول... استاذا لايحتار في اختيار المفردة او البحث عن الوضوح... بل كان واضحا جذابا وجديدا في طروحاته انذاك.. وكان الطالب يتلقاها بمحبة راغبا فيها مقتربا منها حد الاستيعاب. لقد التف حوله الطلبة الجادون –ونحن منهم- وراحو ينتفعون منه حتى الثمالة –كما نقول- وجاسم لايتردد في اعطاء المزيد حين يجد الطالب راغبا في المعرفة والاستزادة من فن المسرح.. اندمج..جاسم العبودي.. مع (الفن الحديث) فرقة وشبابا متحمسين يتحدون الصعاب من اجل فتح الطريق الصائب ومن اجل بناء مسرح عراقي واع ومبدع ومؤثر... فكان ذاك الانسجام الفني والصداقي لتظهر من خلاله كل الابداعات في موقعها ومكانها اللائق وان ترتسم امام المشاهدين فكرا جديدا بثوب جميل جميل هو سمة من سمات فن جاسم العبودي المسرحي.. فقدمنا لاول مرة على قاعة الملك فيصل –كما كانت تسمى انذاك- مسرحيتي: (تؤمر بيك) من تاليفي و(ماكوشغل) التي كتبتها مع الراحل: -شهاب القصب- لتقدم المسرحيتان مساء الجمعية في 22/1/1955 ولتكون نقلة نوعية في الصيغة الجديدة للمسرح الشعبي العراقي وكان جاسم العبودي يحسن بل يجيد الدقة في العمل مسوف في ذلك الى حد التعجيز احيانا..! لكن ذاك التعجيز لايصل عند حدود.. (التوقف) بل كان له في ذهن ونفس جاسم البديل الاخر الذي يرقي احيانا الى مستوى الاصل الذي يريده... كان قادرا على الخلق المتجدد حين تضيق به السبل او تنعدم عنده الوسائل المطلوبة. وبعد حين... أراد (جاسم العبودي) ان يؤسس فرقة خاصة به وبعدد من المسرحيين وبعضهم اعضاء بفرقتنا.. ولم يكن منا سوى الترحيب بفرقة مسرحية جديدة هي فرقة المسرح الحر. بقيت على قرب بجاسم العبودي... صديقا ومسرحيا يثير الاهتمام به وبعطائه. ما حضرت مسرحية يخرجها الاو وأحسست أنني أمام مسرح يحترم نفسه في كل متطلبات العمل المسرحي.... حتى وان اختلفت احيانا مع مضمون المسرحية او فكرتها.. كنت اقول له (يكفيك يا جاسم انك تقدم لنا مسرحا لابد ان نقف امامه باحترام).

وغادرنا الى الولايات المتحدة للعلاج.... لكنه ظل رغم بعده عن الساحة المسرحية علامة كبيرة جديرة بالاحترام في الموقع المسرحي الذي شغله استاذا ومخرجا، بل رجل مسرح جاء بمفاتيح المسرح الاكاديمي بعد فترة من زمن ظلت النمطية تسير في مؤسسته العلمية –معهد الفنون الجميلة- ما عدا لمعان من هنا وهناك... لايرتكز على نظرية او نظريات محددة كان اول من يشعر بها جاسم العبودي لتكون المفتاح الجديد لمن جاء بعده.. وليظل واحدا من بناة مسرح عراقي حديث.

· من ارشيف الراحل الكبير يوسف العاني