المتفائل  توفيق زيّاد..!

المتفائل توفيق زيّاد..!

يوسف الشايب

يقدم كتاب "المتفائل" لتمير سوريك، وصدر في نسخته العربية الأولى، مؤخراً، عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، عن ترجمة لباسيليوس حنّا بواردي، سيرة اجتماعية للشاعر والمناضل والقائد الفلسطيني توفيق زيّاد، الذي لطالما ارتبط اسمه بذكرى يوم الأرض، منذ نشأته بفلسطين في ظل الانتداب البريطاني وصولاً إلى نضاله داخل صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي بعد نكبة العام 1948، وبداية صعوده كشاعر ثوري في ستينيّات القرن العشرين، ضمن جيل شعراء شارك في تشكيل هوية الفلسطينيّين الوطنيّة.

ويقسم سوريك الكتاب الذي أصدره بالإنكليزية في العام 2020، إلى فصول عشرة: "الشيوعية ومعاداة الاستعمار"، و"الصمود"، و"شارات الحداثة"، و"في مرمى النيران"، و"الصراعات البلدية"، والقيادة القُطرية"، و"أطفال في أرض المعركة"، و"حرب مقدسة علمانية"، و"عصا في عجلة التاريخ"، و"أوسلو: السماء هي الحدود".

وممّا جاء في تمهيد الكتاب أنه "في العام 1954، كان الفلسطينيون الذين بقوا تحت الحكم الإسرائيلي لا يزالون يستردون عافيتهم من الصدمة الجماعية للنكبة، المتمثلة بطرد نحو 750 ألف فلسطيني من المنطقة التي أصبحت إسرائيل في العام 1948، وبتدمير مئات القرى، وكذلك طرد غالبية الفلسطينيّين من مراكز المدن.. خلال فترة قصيرة تغيّرت مكانة أولئك الذين بقوا بصورة عنيفة، فقد تحوّلت مكانتهم من جزء من أغلبية واثقة بنفسها إلى أقليّة تعيش تحت حكم عسكري عدائي، لقد فقد الناس الصلة مع أفراد عائلاتهم الذي طُردوا، والحكام الجدد كانوا يعاملونهم على أنهم دخلاء غير مرغوب فيهم في وطنهم، بينما كانوا يشاهدون التغيير الجذري للمشهد أمام أعينهم.. فقد كثيرون أراضيهم وأملاكهم وكانوا يحاولون التأقلم مع وضعهم الاجتماعي الجديد.. كان الفقر والبطالة شائعَين بينهم، وكان الاقتصاد الجديد في بنيته منحازاّ ضدهم".

في السنة نفسها، وحسب سوريك، قام شاب شيوعي بنشر قصيدة في مجلة "الجديد" بعنوان "إلى أين يذهب ما ندفع؟".. يُعالج فيه مباشرة مشاعر الاضطهاد الاستعماري، والتمييز العرقي الاقتصادي.. تنتهي قصيدته برؤية شمولية، إذ يقول:

فقد علمتنا السنون..

أن نسأل لا جاهلين

تريدون..

أن تجعلوا من بلاد السلام

مقابر في قاعها ترقصون

ولكن خسئتم،

فلا يكون

كما تشتهون

ووحش الحروب ستسحقه قبضة الكادحين

وتبني الشعوب

سلاماً مقيماً إلى أبد الآبدين

فنرمي بأثقالنا

ونحيا لأطفالنا

ويمتلئ الجو بالزغردات

وبالأغنيات

وصفوة الحياة..

وترتاح أفئدة الأمهات.

"كان هذا الخطاب الماركسي المعادي للاستعمار متماثلاً مع خط تحرير مجلة الجديد، وقد عكس الدور المهم الذي لعبه المثقفون المنتمون للحزب الشيوعي في صياغة مفردات المقاومة في تلك السنوات.. مع ذك، فإن الحماس المتفائل كان العلامة المميّزة لكاتب هذه الكلمات توفيق زيّاد، الذي استمر في لعب دور مهم في كفاح المواطنين الفلسطينيّين في إسرائيل، طوال أربعة عقود كقائد في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كشاعر محبوب، وكرئيس لبلدية مدينة الناصرة، وكعضو في الكنيست.. قبل كل شيء، كان توفيق زيّاد صانعاً للأمل: أمل في العدالة يتسم بالمساواة القائمة على الكرامة الإنسانية ودون استغلال، مع أن فكرة الأمل قد تبدو ساذجة وغريبة وغير نقدية أثناء كتابة هذه الأسطر في العام 2019، فقد كانت صفة أساسيّة في المسعى السياسي والفكري له".

كان توفيق زيّاد الأكبر سنّاً في جيل الشعراء الفلسطينيين "الرئيسين" (طه محمد علي، وسميح القاسم، ومحمود درويش، وسالم جبران، وراشد حسين)، الذين بلغوا سن الرجولة في السنوات الأولى بعد النكبة.. لقد لعبوا دوراً مهماً في شعرهم، وذلك بإنتاج أفكارٍ ومعانٍ سياسيّة ونشرها، فقد جاؤوا، وفق الكتاب، من خلفية الطبقة العاملة، وتم استثمارهم بصورة عميقة في تحسين الطبقة العاملة والفلّاحين، وبصفته شاعراً وناشطاً سياسيّاً، شارك جيل توفيق زيّاد في تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية.. كان الشعر بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل، الذين يعيشون تحت سلطة الحكم العسكري، والذي سرى مفعوله حتى العام 1955، هو المكان الرئيس للتعبير السياسي وللتعبئة السياسية.

ووصف سوريك تجربة زيّاد بالمثيرة بشكل خاص، بحيث "لم ينشغل شاعر آخر من هذا الجيل بكثافة مثله في السياسة أو طوّر سيرة حياة سياسية ناجحة مثله، عندما تزايدت التزامات زيّاد السياسية، فقد أخذت السياسة الأولوية على تكريس نفسه للشعر، خلال ثماني عشرة سنة متتالية.. أشعل زيّاد منصب عضو كنيست، ولم يكتب الشعر، ولقد صرّح أنه كان ينقصه الوقت للكتابة، لكن من المحتمل جداً أنه بسبب كونه عضو برلمان، فقد كان يحتاج إلى حالة ذهنية لم تكن تتوافق مع صياغة الشعر الثوري".

ووجد صاحب "المتفائل" أن شهرة توفيق زيّاد كشاعر ثوري ارتفعت خلال ذروة العلمانية في العالم العربي، واعتبر كثيرون شعر جيله شعاراً لهذه العلمانية، مشيراً إلى أنه وعلى الرغم من أن شهرة زيّاد المحلية والعالمية تعود بصورة أساسية إلى شعره، فإن الشعر ليس المحور الرئيس في هذا الكتاب، بحيث اعتبر سوريك توفيق زيّاد أولاً قائداً سياسيّاً، فهو "خلال أكثر السنوات دراميّة وتأثيراً في حياته السياسية (1974- 1990) لم يكتب الشعر".

في انتخابات البلديات العام 1954، بات توفيق زيّاد عضو مجلس بلدي عن الحزب الشيوعي، وكان يتجاهل قوانين الحكم العسكري التي تمنع دخول "مناطق مقفلة" دون تصاريح من السلطات الأمنية، فقد اعتاد التنقل من قرية عربية إلى أخرى، ويجمع الفلاحين في ساحة البلد، ويبقي خطابات كراهية نارية ضد الحكومة والسلطات والحكم العسكري، إلى أن نصبت لهم القوى الأمنية كميناً، وفي إحدى "اندفاعاته" الأخيرة العام 1955، ألقى القبض عليه في قرية "عرابة" في الجليل، حسب مصادر إسرائيلية، لكن مؤلف الكتاب يرجح أن هذه الزيارة تمّت في 24 نيسان 1954، عندما أطلق سراح أربعة مواطنين من القرية من السجن، بعد احتجازهم إداريّاً بسبب نشاطهم السياسي ضد سياسة التمييز في الضرائب، بحيث ذهب ليحتفل بإطلاق سراحهم، وألقى خطاباً ضد الحكم العسكري، وحسب بعض المصادر دعا أيضاً إلى "ثورة ضرائب" و"إضراب طلّاب".

وبعد اعتقاله، تلقى زيّاد أمراً بالحضور مرّتين في اليوم إلى محطة الشرطة المحلية، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله من غروب الشمس حتى شروقها، ومُنع من مغادرة الناصرة ستة أشهر.. ومنذ اعتقاله في "عرابة" العام 1954 إلى أن أصبح عضو كنيست في العام 1974، كان الحكم العسكري والشرطة الإسرائيلية يقيّدون حرية حركة توفيق زيّاد بصورة متكررة.

وتعرّض زيّاد في السجن الإسرائيلي إلى التعذيب، وكانت حكاية تعذيبه من العناوين الرئيسة لصحيفة "الاتحاد"، ومن خلال تلك التجربة المؤلمة، اكتسب زيّاد اعترافاً شعبيّاً بأنه مُقاتل في حزبه، وكذلك في دوائر أوسع بين الفلسطينيين، ولاحقاً في العالم العربي، بحيث أصبح تعذيبه أحد أكثر الحلقات المعروفة في حياته ومرجعاً مفيداً في المستقبل، فبعد أشهر من تعذيب مجموعة من المعتقلين من أم الفحم في السجن نفسه في المستقبل، كتبت "الاتحاد" في عنوان تقريرها: "المعتقلون من أم الفحم يُعانون نفس التجربة التي عاناها توفيق زيّاد في سجن طبريا".

وفي الأول من أيار 1958، وبعد رفض السلطات الإسرائيلية مسيرة صباحيّة للحزب الشيوعي لمناسبة اليوم العالمي للعمال صباحاً، وأصرّوا على منحهم الموافقة على تنظيمها عصراً، وبعد أن وجد توفيق زيّاد أن المستهدفين هم الطلاب أصرّ على تنظيمها صباحاً، وأعلن عنها في مكبّرات الصوت عبر سيارات سارت في الشوارع، رافقتها أغنيات وطنية من قبيل "سنرجع يوماً" لفيروز، وعلى إثرها اعتقل إيميل حبيبي عضو الكنيست عن الحزب الشيوعي، واقتحمت الشرطة الإسرائيلية مقرات الحزب، واعتقلت صليبا خميس محرّر صحيفة "الاتحاد"، واحتجاجاً تظاهر أعضاء الحزب وألقوا الحجارة على رجال الشرطة الإسرائيلية، فاعتقل توفيق زيّاد، وقضى أياماً متتالية بمركز الاعتقال في سجن الجلمة، ومن ثم إلى الزنزانة، حيث "تشارك المعتقلون في ظروف اعتقالهم، وكانت قصصهم، كما قال، مضحكة مبكية".

وممّا جاء في الكتاب الذي يعجّ بالحكايات المثيرة، انتقاد الشاعر معين بسيسو لتوفيق زيّاد بعد عضوية الثاني في الكنيست، بحيث كتب الأول في 14 شباط 1974 رسالة إلى زيّاد يطالبه فيها بترك الكنيست، ويقول: "توفيق زيّاد، شاعر الأرض المحتلة، هو عضو الكنيست الإسرائيلي الآن. شاعر المقاومة هو عضو البرلمان الإسرائيلي الآن! وصدقني إن الجرح الآن أكبر من الجرح".

وما بعد انتخابه رئيساً لبلدية الناصرة، نقل سوريك عمّن عملوا مع زيّاد عن قرب في فترة رئاسته للبلدية على شجاعته، وإصراره، واستقامته، وعدم فساده، والتزامه بالمبادئ وحسّ القيادة لديه.

في آذار 1991 نشر حبيبي روايته "سرايا بنت الغول"، التي بدأ بكتابتها منذ فصله من رئاسة تحرير جريدة "الاتحاد"، وتضمّنت تعليقاً مضمراً لكنه بديهي حول أعضاء الحزب الشيوعي في فصل مبنيّ على ترميز المغارة لأفلاطون.. في المثال، والحديث لسوريك، يصف أفلاطون أشخاصاً عاشوا مقيّدين إلى حائط في مغارة كل حياتهم.. "يستطيع السجناء رؤية ظلال على الحائط لأشخاص وأشياء تعبر أمام نار مشتعلة خلفهم، وبالنسبة لهم هذه الظلال، وليس الأشياء التي تخلفها، هي الحقيقة".. في 25 نيسان من العام نفسه أرسل حبيبي نسخة إلى زيّاد كتب عليها: "قد يكون البغض المشترك بداية للحب، وقد يكون نهاية للحب، أما البغض من جانب واحد فلم أتعوّد عليه"، وفي أول أيار، أعاد زيّاد النسخة لحبيبي مع الجواب "رمتني بدائها وانسلت"، متهماً إياه بالبغض.. لم يستلم حبيبي رد زيّاد لكونه كان خارج البلاد حينها، وصهره الذي استلم الرد فضّل ألا يريه إياه".

وكان أنطوان شلحت لفت إلى أن سوريك يشير إلى أن "الخيوط التي استعملها في حياكة سردية حياة توفيق زيّاد مستمدة من مصادر عدّة، فهو يقدّم طفولته من شظايا ذكريات زوّده بها زيّاد نفسه من خلال مقابلات عديدة تبدأ في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وكذلك من ذكريات أصدقاء طفولة ومعارف، وحاول ن يضع هذه القصص في سياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية وخلفياتها الأوسع، أما بالنسبة إلى الفترات المتأخرة، فهو يعتمد بصورة شديدة على مقابلات وأحاديث مع أفراد العائلة، والأصدقاء، والمعارف، وكذلك مع شركاء ومنافسين سياسيين".

عن جريدة الايام البحرينية