مع عفيفة أسكندر في بعض ذكرياتها

مع عفيفة أسكندر في بعض ذكرياتها

د عمر الطالب

الفنانة التي كرمتها الإذاعة العراقية، أخيراً، ، الفنانة التي لمع نجمها كعلم من أعلام الفن في العراق في الثالث عشر من يوليو (تموز) 1936، أي قبل الحرب العالمية الثانية بأربع سنوات، نشرت مجلة "الاثنين" القاهرية خبرا يشير إلى أن "الفنانة والمنولوجست العراقية عفيفة اسكندر ستزور مصر لتقديم بعض أعمالها الفنية".

وامتدحت المجلة الحركة الفنية في العراق وقالت ‘نها نمت نمواً مطرداً وأصبحنا نرى هناك ممثلين بارعين ومطربين ومطربات، بل ومنولوجست ضربوا في الفن بسهم وافر، ومن بين الأخيرين فتاة امتد صيتها هناك لما إمتازت به من مهارة في الإلقاء ولما تأتيه من ضروب الغناء..تلك هي الفنانة عفيفة اسكندر إن مجيئها إلى القاهرة هو فرصة يشاهد فيها المصريون فنانة عراقية ويؤدون إليها بعض ما يجب عليهم من التشجيع، فيردون بذلك شيئاً من جميل العراق الذي يطوق دوماً فناني مصر"انتهى حديث مجلة"كانت رحلة عفيفة إلى القاهرة ناجحة، ولفتت الأنظار هناك، ودعيت لأداء أغنية في فيلم"يوم سعيد"مع محمد عبد الوهاب، وهو الفيلم الذي بدأت فيه فاتن حمامة حياتها كممثلة، لكن المخرج محمد كريم اضطر إلى حذف الأغنية بسبب طول الفلم.ثم تكررت زيارات الفنانة العراقية إلى مصر.وفي ليلة رأس السنة 1938-1939قدمت عفيفة اسكندر حفلة على مسرح (بباعزالدين) في القاهرة، وردد شارع عماد الدين أصداء أغنيات عراقية صوت صداح لا يخلو من بحة جذابة وظهرت عفيفة اسكندر في فيلم"القاهرة-بغداد "للمخرج احمد بدر خان، مع مديحة يسري وبشارة واكيم من مصر، وإبراهيم جلال وحقي الشبلي وفخري الزبيدي من العراق. كما ظهرت في فيلم"ليلى في العراق"للمخرج أحمد كامل مرسي، بطولة جعفر السعدي وإبراهيم جلال والمطرب محمد سلمان والفنانة نورهان.وهي وإن كانت قد عرفت عزها في مرابع بغداد في الأربعينات، فإن ولادتها كانت في الموصل لوالدين عشقا الغناء ويعزفان على أكثر من آله شرقية وغربية أما بدايتها الفنية فكانت في مدينة أربيل أوائل الثلاثينيات، وقد سموها "جابو كلي" المسدس السريع الطلقات "لأنها كانت تغني بسرعة بحكم صغر سنها وقلة خبرتها" حسب ما سجله الباحث قحطان جاسم جواد توقفت عفيفة اسكندر عن الدراسة وهي في الصف الرابع الابتدائي، لكن الرغبة في التعلم لم تفارقها، وكانت أول مغنية عراقية تغني القصيدة وتصادق المثقفين وتقيم صالونا في منزلها يحضره مشاهير الفن والأدب والسياسه في النصف الأول من القرن العشرين، وفيه يتجاور نوري السعيد والوصي على العرش وسعيد قزاز مع حسين مردان وناظم الغزالي وجعفر الخليلي وأنور شاوول وفي كتابه " شارع الأميرات" الذي دون فيه فصولاً من سيرته الذاتية، يروي جبرا ابراهيم جبرا إنه تعرف على عفيفه اسكندر، بطلب منها عن طريق صديقه وزميله في هيئة التدريس بكلية الآداب في بغداد دزموند ستيورات. وكان هذا الأخير يعطي للمغنية دروساً خصوصية في اللغة الإنكليزية ويكتب جبرا الذي ذهب إلى الموعد في الملهى الذي كانت تغني فيه، في الأربعينات :" وجدتها، لدهشتي، شابه نيره الذهن، تواقه للمزيد من المعرفه والثقافة وكنا نتباهى أنا ودزموند ضاحكين بأننا الرجلان الوحيدان في بغداد اللذان إذا ذهبا إلى الملهى كانت الفنانة التي تجالسهما هي التي تسقيهما على حسابها وليس العكس وكتب رفعت عبد الرزاق محمد متحدثاً عن العلاقة التي جمعت الفنانة بأدباء عصرها ويقول أن الكاتب والقاص الرائد جعفر الخليلي كان ينشر ذكرياته في جريدة"البلد"عن مجايلية من كبار زمانه تحت عنوان"هكذا عرفتهم " عندما انتشرت شائعة تفيد بأن عفيفه اسكندر قد ماتت قطع الخليلي سلسلة مقالاته وراح ينشر عوضاً عنها ذكرياته عن صديقته الفنانه تحت عنوان"هكذا عرفت عفيفه اسكندر"ووقع تلك المقالات باسم " أديب مخضرم" لكن الجميع كان يعرف من وراء ذلك الاسم ثم جمع الخليلي تلك المقالات في كتاب سماه "تسواهن"غنت عفيفه أول ما غنت "برهوم يا برهوم بابو الجديلة "واحب الناس أغنياتها سواء أكانت خفيفه أم حزينه مثل "يا حافر البير" و "حرقت الروح" و "قيل لي قد تبدلا" و "على عنادك" "ويا عاقد الحاجبين" التي لحنها علاء كامل ثم غنتها فيروز فيما بعد بلحن آخر وتعاونت عفيفة مع معظم ملحني تلك الفترة أمثال رضا علي عباس جميل والأخوين صالح وداؤد الكويتي وهما من اليهود الذين غادروا العراق بعد ذلك كما كانت لها فرقتها الخاصة في الحفلات وعزف وراءها فنانون صاروا نجوماً أمثال منير بشير وأخيه جميل بشير وكريم بدر وسالم حسين وروحي الخماش وخضر ألياس ورغم الشهرة والثروة وحب الناس أدركت عفيفه اسكندر منذ فترة مبكرة أن النظرة إليها كفنانة ستبقى نظرة ملتبسة في أعراض مجتمع يراوح بين البداوة والمدنية وقالت في مقابلة نشرت عام 1949 "إن معظم أنواع الفنون لا تظفر بأي تقدير أو مكانة لائقة عند الشعوب العربية بل إن بعضها يحتقر الفن ويعتبره من الكماليات"لكنها أكدت في نهاية المقابلة إنها "غير أسفه على احترافها الفن بل شديدة الاعتزاز لكونها فنانه ويبدو إن عفيفة اسكندر تحولت عن رأيها ذاك بعد تقدمها في السن وحلول زمن صار الفنان جزء من آله تعبوية حزبية وسياسية هذا ما سمعته منها عندما زرتها، قبل خمس سنوات، في شقتها المطلة على دجلة في شارع أبي نواس في بغداد كانت قد اعتزلت الغناء منذ أواسط السبعينات وتبرعت بكل أملاكها إلى الكنيسة التي تنتمي إليها مبقية على مورد مالي بسيط كانت تظنه يسد حاجتها لما تبقى لها من عمر، ولم تحسب حساب الحروب الآتية وانهيار العملة العراقية إلى الحضيض، فوجدت نفسها خالية الوفاض، يتقطع بها سبيل العلاج وقد كلّ بصرها وخانتها ركبتاها. ذهبت إليها بعد موعد رتبة محام ظل كريماً معها يرعى شؤونها، وأخذت لها باقة من الزنابق الحمراء، نادرة في زمن الحصار، تليق بدلالها السابق، وكانت الكهرباء مقطوعة والمصعد جامداً، وأنا أتلمس دربي إلى طابقها العالي وكأنني أؤدي نذراً لولية صالحة.وفتحت لي الباب امرأة من أهل الشمال، تعتني بها، وجلسنا في صالون شديد التواضع يتوسطه منقل من السيراميك الأخضر تعلوه أباريق ودلال قهوة فولكلورية وجاءت نجمة الأمس في جلباب زاهر تتوكأ على عكاز، تسبقها بحتها المميزة وضحكتها التي لم ينل منها الزمن، وكانت مهفهفة معطرة جميلة، أو هكذا رأيتها بعين المحبة تأسفنا على أحوال الحاضر، وتحدثنا عن الماضي، وقالت إنها "تابت" وتريد أن تنسى عمرها الذي أمضته في الفن وسألتني عن "الشانزليزية"و" الأوبرا" التي شيدوا لها مبنى جديداً في الباستيل وعن " الكوميدي فرانسيز"، وحدثتني عن سفراتها في أوربا وصداقاتها في باريس، ورطنت ببضع عبارات بالفرنسية عند باب المغادرة، قالت لي المرأة التي تقوم على خدمتها إن " الست عفيفة مريضة وتعبانة، وأن المنقل الذي يزين غرفة الجلوس معروض للبيع".

عن موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين (حرف العين)