إستذكار رحيل رسام الكاريكاتير الشعبي غازي الخطاط

إستذكار رحيل رسام الكاريكاتير الشعبي غازي الخطاط

علي إبراهـيم الدليمي

لاأحد قد ذكر الفنان الكاريكاتيري الشعبي الشهير (غازي) بعد رحيله سوى عرض مجموعة من رسومه السياسية في قاعة فندق الرشيد يوم 15/6/1999، نظمته نقابة الصحفيين العراقيين، بمناسبة الذكرى (130) للصحافة العراقية.

لقد بزتنا رسومات غازي الساخرة والساحرة بأفكارها اللاذعة وأسلوبها الفكه على مدى مسيرته الفنية الطويلة، التي بدأها في الصحافة العراقية من مجلة (قرندل) الاسبوعية عام 1947، حتى لحظة لفظ أنفاسه الأخيرة في يوم 12/2/1999.

غازي، الرسام أو الخطاط، كما كان يطلق عليه، فهو يجيد الابداعين معاً، (مواليد بغداد 1925) حمل كل روحية ومادية وأنفاس بيئته الاجتماعية السائدة، بتقاليدها وعاداتها بتراثها وفلكلورها، بسخريتها وحزنها باجناس ناسها المتنوعة، فكانت شخصيات رسوماته التعبيرية اللاذعة من صميم الواقع العراقي حصراً.. فأبتكر شخصية ابن البلد صاحب الجراوية البغدادية المعروفة ودشداشته وسترته، ونكاته.. مثلما كانت تشاركه شخصية الكردي بزيه الفلكلوري المتميز وببيئته الشمالية.

لقد كانت مفردات أعماله تعتمد بالاساس على رسم الشخصيات الرئيسة وحواراتها الطويلة المستنبطة عادة من كلمات الاغاني والبستات والامثال الشعبية والنكات واللطائف الفكاهية الأخرى السائدة في المجتمع العراقي، فضلاً عن كثرة وضع العديد من التفاصيل المتممة للرسوم.. إذ أمتزجت أعماله مابين الرسم الاكاديمي والخطوط الساخرة بتناسب جميل.. وقد حافظ الفنان غازي على سمة اسلوبه الفني هذا وموضوعاته الشعبية المستلهمة من الواقع العراقي، لغاية آخر كاريكاتير رسمه في حياته. لقد حدثني الفنان التشكيلي الرائد (خليل العزاوي) وهو أحد زملاء الفنان الراحل غازي قائلاً: كان غازي وهو الوحيد لأمه الأرملة يسكن في دار مؤجرة وكانت حالته الاقتصادية تلفها الفاقة والحرمان كباقي كثير من الناس حينذاك، وقد تخرج في المتوسطة عام 1949، والتحق بالدراسة الاعدادية صباحاً، وفي معهد الفنون الجميلة مساءً.. وقد أختير في لجنة أمانة صندوق المعهد.. كما أقام عدة معارض خلال دراسته في المعهد، وكان يحول أعمال معارضه الى دار المعلمين العالية حيث يعرضها هناك ثم يتركها للاخرين، وكانت موضوعاتها هي من الاغاني والامثال الشعبية.

وفي السنة الثانية للمعهد، ترك غازي الدراسة فيه وتخرج في الاعدادية ثم تم تعيينه في مديرية الاشغال العسكرية في وزارة الدفاع بصفة رسام هندسي، وهناك تعرف على الخطاط صبري الهلالي الذي تعلم على يده فن الخط العربي، اضافة الى تعلمه رسم خرائط المباني والطرق.. بعدها فتح مكتباً للدعاية والاعلان بالاشتراك معي (والحديث للفنان العزاوي) حيث بدأنا بارسال صور يانصيب لانشاء المستشفيات كل يوم خميس لنشرها في الصحف المحلية وقتذاك.. وعندما سافر الى مصر كان في استقباله هناك الفنان الشهير (رخا) وكان من المعجبين به، وقد تم تكليفه برسوم الى مجلة (العراق الحديث) التي كانت تصدر في مصر. كما كانت لدى غازي هواية كرة القدم، حيث أشترك مع المنتخب العراقي في مسابقات دولية في مصر وتركيا وسوريا.. حتى رسوماته الرياضية كانت متميزة جداً ودقيقة بتفاصيلها العامة.. فضلاً عن هوايته في صيد السمك، وكان ماهراً في

أما أنا كاتب هذه الاستذكارات القليلة.. فقد كان لي أول وأخر لقاء خاص مع (مدرسة) الكاريكاتير العراقي الفنان الراحل (غازي) في قاعة الواسطي في الكرادة الشرقية يوم 3/9/1982، بحضور الخطاط الرائع الراحل (خليل الزهاوي).. وقد أطلع حينذاك على بعض من رسوماتي، وقد أفادني كثيراً بملاحظاته السديدة والجادة الى الطريق السليم لرسالة فن الكاريكاتير، وكانت توجيهاته تلك بمثابة الدروس الاساسية التي عززت تجربتي الفنية في الكاريكاتير مستفيداً منها في مجال عملي الفني والصحفي فيما بعد.. وقبل وفاته لمدة قصيرة هاتفته في داره لغرض اعداد وكتابة ملف شامل في (كتاب) عن حياته ومسيرته الفنية الطويلة.. بعد ان اعددت الاسئلة والحوارات الخاصة، واتفقنا ان نلتقي في مركز الفنون للبدء بالمشروع، وقد كان مسروراً من ذلك.. إلأ ان وفاته حالت دون تحقيق هدفنا.. ولكن.. فكرة المشروع مازالت قائمة.