غازي عبد الله.. الساخر دوماً

غازي عبد الله.. الساخر دوماً

باسم عبد الحميد حمودي

يعدُّ رسام الكاركاتير البغدادي غازي عبد الله (1925 - 1999) أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في الصحافة البغداديّة الساخرة في خمسينيات القرن الماضي وصولاً إلى الثمانينيات.

كان غازي ينافس عمالقة الرسم الكاريكاتيري في العراق والعالم العربي أمثال سعاد سليم، وعطا صبري، وحميد المحل، ونزار سليم، فضلاً عن رسّامي مصر المهمين أمثال صاروخان وعبد السميع وبيكار وغيرهم.

عرفت الأستاذ غازي شخصياً وكنت أراجعه في مقره لتنفيذ اللوحات التي أعدها على السكرين لصالح اتحاد الطلبة العام في 1959 للإعداد لعقد مؤتمر اتحاد الطلاب العالمي في بغداد عام 1960 مرسلاً من القسم الثقافي في الاتحاد، وكانت مقابلاتي له تتميز بالود والنقاش عن الشخصيات الفنيّة والثقافيّة التي يقف منها مواقف غريبة أو ملائمة.

وبحكم علاقة القرابة التي تربطني بالمرحومين عدنان عبد الله البراك، وعبد القادر البراك وبالوسط الصحفي ازدادت علاقتي بغازي تميزاً وقرباً، فقد كنت أيامها محرراً في جريدة الاستقلال، وعملت لفترة سكرتيراً لتحرير مجلة الوادي لصاحبها القاص والصحفي المعروف خالد الدرة والتي كان غازي أحد رسامي الكاريكاتير فيها.

اشتهر غازي بلوحاته الكاريكاتيرية المهمة الضاجة الساخرة في مجلة (قرندل) لصاحبها الصحفي الساخر صادق الأزدي التي كانت تصدر خلال الحكم الملكي ومطلع الحكم الجمهوري، وقد جمع لوحاته الكاريكاتيرية ليصدرها في كرّاسات مطبوعة تحت عنوان (البستات في صور) و(الأمثال في صور وغيرها.

كانت طريقته في رسم اللوحة السياسيَّة الكاركاتيريّة أن يجلس مع صادق الأزدي في (قرندل) ومع خالد الدرة في (الوادي) ليناقشا الموقف السياسي في جو من المرح والجد معا حتى يتوصل الصحفي والرسام الى فكرة لوحة العدد، ليبدأ الرسام بالتنفيذ الذي يكون موجعا انتقاديا لاذعاً، لكنه لا يدعو السلطة إلى غلق المطبوع لروح السخرية العامة فيه والتي يمكن تفسيرها شتى التفسيرات.

قلت لغازي يوما: إنَّك كنت تعمل مع المرحوم أبي جعفر (صادق الأزدي) وأبي حربية (الدرة) مثلما كان يفعل الرسام عبد السميع الذي كان يقول أنا في روز اليوسف أرسم لوحتي بعد نقاش ودعابة مع إحسان عبد القدوس أو أحمد بهاء الدين، فأكد الراحل غازي الأمر وقال إنّ الفكرة لا تأتي من فراغ، ونحن ننتقد الدولة في هذا الرسم الذي لا يشابه الأمثال في

وهو بذلك يريد القول إنَّ رسوم الأمثال في صور التي كان يقدمها إلى جريدة الشعب وملحقها مجلة الأسبوع لا تشمل رسوماً سياسيَّة إلا من باب خفي، وكانت تلفت أنظار القراء وما زالت.

كان غازي الرسّام يكره الفنان التشكيلي الرائد عطا صبري، لأنّه تسبب في فصله من معهد الفنون الجميلة، وقد رسمه مراراً على نحو كاركاتيري سيء، وكان لا يحب الراحل الكبير بدر شاكر السيَّاب المحرر أيَّامها في جريدة الشعب وقد رسمه محلقاً في السماء، ولا يرى أحداً سوى رباطه، وقال غازي للرسام ضياء الحجار إنَّ رسم السيَّاب هكذا لأنّه (يتعيقل) بمعنى أنه يتفلسف فوق اللزوم، وغازي رسّام فطرة لا ثقافة معمّقة ومن حقه ألا يحتمل السيَّاب.

كان غازي يتيماً ووحيد أمه التي سهرت على تربيته حتى استقام، وكان يذكر لها طيبها وتربيتها له ورعايتها، ولأنّه كان وحيد أمه فلم تشمله الخدمة العسكرية حسب القانون، ولذا تفرّغ لعمله الفني من دون انقطاع.. حتى وفاته في 12 شباط 1999.