قصص ميّ مظفر ورؤيا العالم النسوية

قصص ميّ مظفر ورؤيا العالم النسوية

د. نادية هناوي

تؤكد الدراسات الانثروبولوجية أنّ للأمكنة ذاكرة زمانية هي نستولوجيا الحنين. ولئن كانت الممارسات الاجتماعية مكانية وزمانية، تغدو للأزمنة والأمكنة سلطة إجتماعية في الحياة اليومية.

وقد تبلغ هذه السلطة درجة القمع الاجتماعي الذي يقع العبء الأكبر منه على الهوامش كالنساء والأُجراء والشعوب المستعمرة والأقليات الأجنبية والمهاجرين. ليكون كفاحها ضد التسلط والقمع تعبيراً عن طاقة اجتماعية تهدف إلى تغيير الواقع الاجتماعي لصالحها.

وإذا كان ميشيل فوكو قد حصر القمع الاجتماعي بالسجن والمراقبة وقمع الذات والرغبة في تطبيق سلطة الدولة وإظهار عقلانية تكنوقراطيتها؛ فإن دي سارتو وسَّع القمع الاجتماعي ليشمل الممارسات الاجتماعية جميعها، مؤكداً أن تحرير الأمكنة هو أسهل وأكثر انفتاحاً على الخلق والفاعلية مما تصوره ميشيل فوكو الذي رأى أن الواقع قد يصبح متعسفاً إزاء الجسد الإنساني حين يفرض عليه أن يتحمل الصراع ويقاوم من أجل تحرير الرغبة الإنسانية.

وما كان لفوكو أن يولي السجن اهتماماً كبيراً إلا لكونه مكاناً لتنفيذ العقوبة ولمراقبة الأفراد المعاقبين. ولأن السجن صورة مركزة وصارمة لكل الانضباطات، تغدو فيه سلطة العقاب منظمة، لا تجرؤ على ممارسة نفسها بشكل علني وإنما بصمت، حتى أن العقاب لا يكون فاعلاً في وضح النهار كعلاج (المراقبة والمعاقبة ولادة السجن، ص253).

وإذا كان للمكان أهمية في الممارسات الاجتماعية قمعاً أو تحرراً، والسجن أحد الأمثلة المهمة على القمع المكاني الذي ارتبط بمسار المجتمع في العمق غير منفصل عن الإصلاح والانضباط؛ فإن للمكان القامع أو المعادي في السرد قوة فكرية بها يستطيع القاص أن يتحرر من ضغط الواقع الاجتماعي وعلاقات أفراده المتضادة.

وما محاولة القاص التحرر من سلطة المكان سوى رغبة شعورية في التخلص من الوصاية والنخبوية. وهو ما عانته القاصة أكثر من القاص، وجسدته من خلال شخصياتها متخذة منها قناعاً للانتقاد الاجتماعي والأخلاقي وتجسيداً لأفكار لا تخص الفرد بل تخص الجماعة معبرة بذلك عن رؤيا نسوية للعالم.

وهو ما نجده في قصص الكاتبة مي مظفر التي بدأت تجربتها الإبداعية مطلع الستينيات شاعرة تكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

وقد مدها وعيها وموهبتها بطاقة إبداعية مكنتها من مزاوجة التجربة الشعرية بالتجربة القصصية منتجة قصة قصيرة ذات خط سردي خاص ميَّزها عن مجايلاتها، أولاً بتطعيمها السرد بالصور الشعرية، وثانياً بتبنيها المدرسة الرمزية التي بها عبرت عن أفكارها النسوية التحررية بالماحات جمالية ابتغت من ورائها نصرة المرأة وتغيير الواقع الاجتماعي ومنظومته الأخلاقية. وثالثاً قصدية الرؤية النسوية للعالم التي قامت على وعي جمالي بإمكانيات هذا الفن في إعلاء مكانة المؤنث وتأنيث ما هو مذكر.

ولقد أوكلت مي مظفر إلى المكان القامع أدواراً سردية خاصة من خلال شخصية مؤنثة تتنازع الصراع معه، وبغيتها أن يعم التأنيث المكان والزمان وليس فقط الكينونة الآدمية. ومن ثم ليس اعتباطا اتخاذها السجن مهيمنا مكانيا في أول قصة قصيرة لها وعنوانها(في انتظار السجان) والمنشورة في العدد العاشر من مجلة الآداب اللبنانية عام 1967.

وأول دليل على قصدية الرؤيا النسوية للعالم هو شخصية المرأة التي على الرغم من ضيق سجنها ووحشة الانعزال فيه، فإنها بدت غير وجلة وهي تنتظر سجّانها تماما كشهرزاد التي لم يمنعها انتظار مصيرها على يد سجانها (شهريار) من أن تجعله هو نفسه ينتظر مصيره في الغد الآتي على يدي حكاياتها، محولة سجنها الذي كان مفترضاً أن يكون مكاناً قامعاً لتطلعاتها إلى مملكة سردية بها فرضت هيمنتها المكانية، معطية للمكان بعداً زمانياً، فيه الليل هو زمن البوح والنهار زمن القمع وذلك بلازمتها اللانهائية(وأدرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح). وهكذا صار المكان مؤنثا كمملكة فيها شهرزاد ليست هامشا بل مركزا ينشدُّ لها شهريار ليلا وينتظرها نهاراً. وبهذا غدا الزمان مؤنثا كدورة لا نهاية لها. وإذا كان العدد (ألف) قد رمز إلى هذه اللانهائية في الانتظار؛ فإن فك شفرة اللا نهاية ظل بيد الحكاءة التي تعرف كيف تكسب الرهان لصالحها، ماسكة زمام الزمان، فارضة سطوتها على المكان.

هكذا أرادت مي مظفر من الشخصية قناعاً تمرر عبره رؤيتها المكانية للزمان مقاومة القمع بالكلام، وهي تفتتح القصة بالجملة الواصفة(الباب موصد) التي تختزل سمات القمع، بوصف الباب أهم بعد مكاني في السجن، ففي انفتاحه تحررها وفي إغلاقه تقييدها وضيقها.

والدليل الثاني على قصدية الرؤيا النسوية للعالم اتخاذ الشخصية صوت الأنا طريقاً سردياً لتوكيد وجودها المكاني الذي يتضاد مع وجودها الزماني، فالأول ضيق ونهائي(غرفة) والثاني متسع ولا نهائي(بلا زمن) (منذ زمن ولا أدري كم مضى علي هنا لانني فقدت كل حساب للزمن وصار قياس الزمن عندي خطوات السجان وهي تقترب وتبتعد).

وبسبب هذا التضاد المكاني صارت المقاومة أمرا محتما باستعمال السرد الذاتي بضمير الانا، اعتمادا على الاسترجاعات الداخلية للزمن الماضي والتداعيات الحرة بالزمن الحاضر والمتضمنة تساؤلات أضفت على القصة ديمومة درامية(ولكن من هو الحارس لا أدري؟) و(هل هناك سجان أم هو وهم آخر كالزمان والحياة؟ هل أنا في القبر؟ كم مضى علي من الوقت؟ مرآة أريد مرآة لأرى كم هرمت؟).

وإذا كانت الشجرة قانعة بعزلتها وصمتها؛ فإن معادلتها المرأة لا تقنع بذلك لأنها تعلم أن ذلك هو طريق انكسارها وتضعضع كينونتها، لذا تعزم على مقاومة القمع المكاني منتظرة القامع(السجان) الذي تجده حاضرا في صورة الطفل وهو يحاول تسلق الشجرة لكن محاولته تبوء بالفشل(وبقيت انتظر بقلب مضطرب وعيناي ترقبان مصير الصغير في غمرة تحركاته الطفولية، زلت قدم الطفل لكنه ظل متشبثاً بالعرق اليابس..سقط الطفل مضرجاً بدمائه فاقد الوعي تحت أقدام الشجرة الميتة. الطفل ينزف في صمت القبور والشجرة كتلة ثابتة وخمدت أنفاس الطفل).

وبالرغم من عزلتها لم تقبل أن تكون مجرد متفرجة على هذا المشهد القاسي فحاولت من مكانها أن تفعل شيئاً لكنها سجينة وليس باستطاعتها انقاذه(أكاد اختنق/ ثم عاد لي الصوت في صدى متقطع / وجدت نفسي كالقط السجين اقفز نحو النافذة) في إشارة اليغورية إلى أن النسوية دوماً تضحي من أجل قيم إنسانية عليا، وما اهتمامها بالطفل وهذه النظرة الاستنكارية والاشفاق عليه سوى ملمح أنثوي هو جزء من الرؤيا النسوية للعالم.

هكذا تقرر المرأة المقاومة حتى وإن كانت مقاومتها بلا جدوى(أخرجوني من هنا عادني الصوت ثانية يتدفق بنفس العنفوان ويعيد نفس الكلمات عبث اذن صراخي والسجان لن ياتي).

وما بين الصوت والصدى تتردد أفعالها صراخاً تبغي به كسر الصمت والثورة على الصمم والخرس مبدلة صوت رنين مفاتيح السجان بترددات صراخها. وتصل الحبكة إلى ذروتها حين يلقي السجان لها بثلاثة أكياس من نبات الصبير كمعادل موضوعي للأمل الذي ستنتظره إلى أن تتمكن من إثبات حضورها ونيل حريتها(هدأت نفسي ليس ثمة أمل يرتجى الباب موصد والجدران تضيق ورائحة التراب العفنة تملأ صدري والظلام أوغل في مقلتي والطفل ينام في بركة الدماء والطين).

وهكذا تنفرج الحبكة والمرأة ما تزال متمسكة بالأمل في الخروج من سجن الذكورية، وبالرغم من قيدها تمكنت برؤيتها النسوية من تأنيث الزمان والمكان(تراخت أطرافي وأخذني النعاس من الرطوبة المنبعثة من الدم والدموع فغفوت فوق هدية الاشواك).

وتتكرر هذه الرؤيا النسوية للعالم عند مي مظفر في قصتها(لحظة تتلون) المنشورة في العدد الرابع من مجلة الآداب اللبنانية عام 1974 وفيها يتأنث المكان فتكون المدينة هي السجن الكبير الذي فيه الساردة/ البطلة مقيدة تبحث عن حريتها. ويكون النسيان سلطة زمانية تعادل موضوعيا سلطة الذاكرة المكانية.

وما بين التذكر والنسيان تدور حوارات قصيرة بين المرأة الساردة التي تمسك بالسرد وحبيبها المسرود. وهي مفعمة بالاختزال الشعري ومحملة بالتساؤلات التي تتداعي على لسان الساردة(هل علي أن أكون كشفاً لعالم منسي/ أي زمن هذا الذي يمنحني حرية اللحظة وأنا منذ ساعات أبحث عن قدح ماء في زاوية من زوايا هذه المدينة الكبيرة دون جدوى / أية هدأة تأتي من لحظات تشنق نفسها بعبث الإنسان).

ووراء هذه التساؤلات حيرة كبيرة وبحث دؤوب عن منفذ، فيه تجد الساردة حريتها التي تعشقها. أما وعود محاورها فلا تطمئن إليها؛ بل تجدها مستحيلة التحقق، كون المراد منها ارضاخ كينونتها للامتثال والطاعة.

ومحصلة تساؤلاتها أمل سيتحقق لا محال. ولقد قال أرشو ناصحا في كتابه "الموسيقى الإلهية الاستنارة" (حاول أن تسأل نفسك من أنا؟ أتعتقد بأنك قادر على الإجابة؟) وشخصيات مي مظفر برؤيتهن النسوية للعالم استطعن الإجابة عن سؤال الكينونة (من أنا؟) وقد عرفت كل واحدة من هي وذلك حين أمسكت حريتها بيدها وهيمنت على السرد فارضة منظورها مؤكدة وعيها النسوي في التعبير عن ذاتها المستقلة بنفسها، كمحصلة للمرحلة التاريخية وطروحاتها التنويرية.