من ذكريات الأدب ومقاهيه في الستينيات

من ذكريات الأدب ومقاهيه في الستينيات

د. مالك المطلبي

البلدية: مكان الظلام المختلف يبدأ الظلام من الخلف، في مقهى البلدية، كثيفا، ثم يفتر في الوسط، اما حلق المقهى، فمضاء اضاءة باهتة بخطوط شمسية تائهة!.

عادل كاظم، واحمد المفرجي، وسركون بولص، وحكمت الدراجي، وشريف الربيعي، وعمران القيسي وخالد يوسف وعلى مرمى منهم عميان وقراء مقام، كنا نعقد الحلقة في المنطقة المضيئة، وكنا اشخاصا مترسبين من انشطار العصر الجمهوري توا، نحاول اختبار الصلات من جديد!. لا امتلك ذاكرة عن البلدية ولهذا سأسير بمحاذاة الذاكرة: كان عادل كاظم (الكاتب المسرحي الاوفر حظا من الشهرة الان) وهو يشرب الناركيلة، يعدنا بعظمة قادمة! وكان سركون بولص كله اشارة الى حرب تحرير في الضلع العمودي للشعر! وحكمت الدراجي على وشك ان يؤسس حزبا! واحمد فياض المفرجي ينظر من شرفة.

ويالنظراته! حين طبع كتابه (الحركة المسرحية في العراق) آنذاك! والسيد الوحيد الذي انشق علينا، وانتقل من المنطقة المضيئة الى المنطقة الفاترة! هو غازي الاحمدي، حين كتب الوجودية مذهب انساني! والتعليق الوحيد الذي كنا نسمعه، ينتهك سلطة الاقتحام الفلسفي، للاحمدي الذي تركنا مدة نشك في معنى الادب، كان يطلقه نزار عباس! وبتعليقات نزار عباس، وظهور الادب الوجودي اعيدت (الفلسفة) وغازي الاحمدي الى الوراء! وهذا هو مكانهما الطبيعي. كان عمران القيسي وشريف الربيعي، يملآن الحلقة بالاهتزاز!

اما الوجود الاعظم (الحصيري) فلم يكن قد تشكل بعد أن كان عبارة عن سلسلة من الغارات غير المنتظمة، التي لم تكن في حينها، تثير الانتباه لكن تلك الغارات، ادخلت، بعد ذلك في سجل افعاله الغليظة، لتكوّن منه: (حيوان المقاهي) بلا منازع: ذلك الذي يصرخ في البرازيليلة، ويغير على البلدية، وينام في حسن عجمي، ويستيقظ في البرلمان، ويهدأ في الزهاوي، ويخطب في البيضاء ويقايض في التجار!. الزهاوي لم تطأ قدماي مقهى الزهاوي قط، وانما كان، بالنسبة لي، فضاءا بصريا، ولا ادري لمَ كان يذكرني كلما رمقته، بسيارة نقل ركاب صغيرة، يجري الحوار فيها ظهرا لوجه وليس وجها لوجه. مقهى حسن عجمي: مقهى الفن الفطري في مقهى حسن، يوجد، كان! مايشعرك بأنك تنتمي الى الشعب! البسط المزركشة وسماور الذهب الكاذب وسجادات الف ليلة وليلة، وناركيلات الباشوات، والمرايا الصافية المذهبة، والغلايات المصفرة، والاعلانات التي توشك على الخروج من اطرها، وراديو القارات، وبطاريته السوداء، التي تفوقه حجما، وما تبقى من الشمس! ونظام الجرائد المؤقت (اقرأ وادفع واعد الجريدة).. في مقهى حسن، اعترف بركن الحصيري، بعد سلسلة من الحروب الصغيرة التي دارت بينه وبين اصحاب المقهى، امس كان الركن مشمسا، وسجادته كانت حمراء، تكوم نقشها في الوسط، والارضية تلمع وتدهن. كنا نتحلق حوله، وهو يمص دخان الناركيلة، كأعتى (معلّم) مصري! بوجهه الاملس، وياقته السائلة، ويديه الغضتين، وكنا، وهو يخرج (لفائف) اوراقه ويقرأ، لنا وصديقي البانتومايم موسى كريدي، قد صرنا، في الطريق القويم، بين كلية الاداب في راغبة خاتون، وحلقة الادب في حسن عجمي، اننا في الطريق الى مشروعنا، الشعري، والقصصي. بدأت ملامح الحصيري الداخلية بالبروز، كانت الكتب التي تعرف من عنواناتها، الكتب النادرة وكتب الاجزاء، وما خلع من كتب الموسوعات! تباع في هذه الزاوية بثمن نادر، لم يكن هناك قانون سعري (عرض وطلب) بل سعر اخوي، يحدد على وفق مبدأ معادل (العرق) الاني، لا اكثر ولا اقل! (اشتريت كتاب الكامل للمبرد بـ250 فلسا، واللامنتمي بـ150 فلسا)..

من اين يحصل الحصيري على هذه الكتب؟. سؤال سيشيخ ويموت، من غير ان يظفر بجواب!. ومع تقدم الزمن، نمت في القسم الغربي من المقهى دائرة قمار الدومينو (بفروعها المتعددة (العدلة) والازنيف، والطيرة الخ).. ثم اخذت الدائرة تتسع حتى لم يعد للادباء الان سوى مترين × مترين، وعلا الصدأ التراث الهائل، ورفعت، المرايا، وبيعت الناركيلات، وانتهكت عادة الدخول الى المقهى، بدخول عابرين، وكذا بدأ الماء يسيل من تحت اقدام اروع مقهى في بغداد، والان لم يعد سوى ارض، تجثم عليها قناني الغاز، وتنتشر فيها حلقات قمار منهكة! وادباء لاينتمون الى الادب، ثم حل فيه شيء يشبه الكارثة، ازيل السقف، لترميم الفندق الذي يعلوه، وهكذا كشف حسن عجمي رأسه: عن حبال ينشر عليها نزلاء الفندق غسيلهم!. الانقلاب الجيولوجي الاول حصل في مقهى حسن عجمي حين دخلت امرأتان اجنبيتان، تعتمران قبعتين! وترتديان سراويل عارية! دخلتا بصحبة اديب (لا اذكره الان) لقد اصيب المقهى بالذهول وعمى الالوان، وممارسة اخلاق الصمت، كنا جميعا مقيدين: كأننا نتصافح ابدا!! حتى غادرتا.

لم يفلت من هذا الوضع البشري، الا الحصيري، وجبار نادل المقهى، كان الحصيري يختلس النظرات، لالكي ينظر الى المرأتين بل لكي تراه المرأتان!. اما جبار فبحكم تاريخه في التنقل الموضعي، افلت من الحصار، كان وهو يشير برأسه، ويقدم لهما (الحامض) كأنه يعرض التفوق الازلي للشرق على الغرب!. البرلمان: كان مقهى البرلمان يشبه فراغا، كأننا نجلس فيه، وسط شارع الرشيد! الجدران من زجاج! والسقف بعيد! وعدد غريزة الشرب مخفية عن الانظار. في هذا المقهى حفظت التقاليد الادبية حتى صبيحة انتحاره! كانت الكنبات العشر التي تحتل الشريط الملاصق لشارع الرشيد، محرمة الا على الادباء، الاسماء كلها كانت هناك! سامي مهدي وخالد علي مصطفى، وعبدالامير الحصيري ويوسف الحيدري وعبدالرحمن مجيد الربيعي، وطراد الكبيسي، وموسى كريدي، وجليل العطية ومالك المطلبي وجليل حيدر، ورزاق ابراهيم حسن، وفي عصر البرلمان دخلت الكلمة! اعني حميد المطبعي، وعلى يديّ المطبعي ولدت ثلاثيات الادباء الشهيرة التي تقوم بتصنيف الادباء ثلاثة ثلاثة، على وفق معيار الصفات: اطول ثلاثة ادباء واقصر ثلاثة واحمق ثلاثة، واعور ثلاثة.. الخ!. وفي البرلمان حل العصر الجيولوجي الثاني في تاريخ المقاهي حين دخلت السيدة القاصة بثينة الناصري، على الحلقة الادبية لقضية تتعلق بزوجها –آنذاك- القاص عبدالستار ناصر! وكانت بثينة تعي قانون التحريم (ذكورية المقاهي) لكنها برباط جأش اخترقت التابو، ولو كان بالامكان ضبط التلبس بالبصر! لضبطت الخمسمائة عين (سعة المقهى 250 ذكرا) تزدحم على جسم بثينة!. ولما خرجت بعد حوار قصير، تركت آثارا لايمكن تصنيفها!. على الرغم من ان بيت الحصيري كان مقهى حسن عجمي، كان البرلمان مكانه الاثير، وكان هو علامة البرلمان! باختصار البرلمان لايكون الا اذا كان الحصيري والعكس صحيح، وهكذا تلازما، ليس تلازم وجود فحسب، بل تلازم عدم، فما ان مات الحصيري حتى انتحر مقهى البرلمان: صار مطعما!. كل الادب الذي يسمى بالتسمية اللانقدية: (الستيني) ولد في البرلمان اهم المشروعات الثقافية خطط لها هناك: ادباء ناشئون وكهول متأدبون!

وقارئو جرائد، كلهم يؤمون البرلمان لمشاهدتنا! نحن اشهر اسماء مكان، حدوده 10× 20 م لكن شهرتنا تبدأ بالتناقص كلما تقدمنا خطوة وراء هذا المكان، حتى تصل بعد اقل من كيلو متر واحد، درجة الصفر. في البرلمان كتبت اجمل قصيدة لي (الشارع والنهر) سرنا النهر والشارع كتفا الى كتف.. حتى خرجنا من بغداد، ثم عاد احدنا ومات الاخر. البرلمان سيرتنا الذاتية جميعا!. والان.. في المكان الذي كنا نصطبغ فيه بحمرة الشعر، يوجد دجاج محمر راكع على ركبتيه!. كلما مررت على جامع الحيدرخانة، وجدته ينظر باتجاه رفيق كفاحه السياسي، (البرلمان) يا الهي! مقهى البرلمان لم يعد الا اتجاها!. البرازيلية: مقهى الترانزيت! كان يجلس فيه حسين مردان، وعبدالملك نوري، وفؤاد التكرلي، ورشدي العامل (ثم انتقل اليه نزار عباس وتوأمه، انذاك، غازي الاحمدي)..

منقول من: غريزة المقهى وامبراطورية المقاهي الست (مجلة الأقلام).