من أسرار الثورة العراقية الكبرى عام 1920 الإجتماع الذي ألهب نار الثورة..

من أسرار الثورة العراقية الكبرى عام 1920 الإجتماع الذي ألهب نار الثورة..

رفعة عبد الرزاق محمد

قال عنه السيد هادي مكوطر، أحد زعماء ثورة 1920: ان ثمن السيد محمد الباقر كان يساوي مئات المدافع والرشاشات فهو الوحيد الذي استطاع ان يلهب الحماس في الحجر الاصم. ولعل اهم من فصّل موقفه في الثورة هو السيد محمد علي كمال الدين فيما كتبه عن الثورة ورجالها.

وتناول شعره الثوري من كتب عن شعر الثورة واشاد به غير أن مقالة مستقلة عن حياته ودوره في الثورة لم نفع عليها على الرغم من خطورة الدور وأهميته. وسنقف في هذه المقالة السريعة على شيء من سيرته.

وهو السيد محمد بن باقر بن ناصر عزام الحسيني ولد في الحلة محلة الطاق احدى محلات الحلة العريقة سنة 1894 ودخل كتاتيبها ثم درس بعض العلوم الدينية والعربية على يد عمه. وكان من رجال الدين المعروفين في مدينته وهو السيد حمود الناصر. كما درس بعض الشيء على يد الشيخ عبد الكريم الماشطة الوجه الحلي المعروف. ومنذ وقت مبكر بدت عليه علامات حب الادب.

وفي أوائل الاحتلال البريطاني سنة 1917 عين معلما ً في مدرسة الحلة الابتدائية. واخذ فيها يبث في نفوس طلابه الروح الوطنية ونبذ الاحتلال الاجنبي وأنتهى الامر بسجنه من قبل سلطة الاحتلال ثلاثة اشهر. زادت من ايمانه بموقفه الرافض للاحتلال. وسافر بعدها الى مدينة النجف لاكمال دراسته الدينية فوجدها تعج بالنشاط السياسي المناويء للاحتلال. وكان امرا ً طبيعيا ً ان يدخل العمل السياسي والاتصال بزعماء الحركة الوطنية فيها.

وحدث ان زار اهله في الحلة فوجد أثناء الزيارة اجتماعا ً وطنيا ً في جامع الحلة فشارك فيه ملقيا ً خطبة حماسية جريئة اهلته لدخول السجن ثانية وللمدة نفسها التي سجن بها سابقا ً. غير انه استطاع هذه المرة الهرب من سجنه. عاد الى النجف في اجتماع وطني كبير في مسجد الهندي بألقاء خطبة ثورية وقصيدة وطنية مطلعها:

ياشعب كيف حمى علاك يرام

وبنوك َ بعد العز ٍّ كيف يضام

ومنها:

هـــــم يطلبون على العراق وصاية ً

عجبا ً فهــــــــل ابناؤه أيتام

وقد أثارت هذه الابيات حماس الحاضرين واستعادوها مرات عديدة. وبعد هذا الاجتماع شعر السيد محمد باقر الحلي ان السلطة له بالمرصاد فآثر الهرب الى منطقة المشخاب والتجأ لدى السيد علوان الياسري الشخصية الوطنية والعشائرية الكبيرة الذي رحب به وكرمه واسكنه في منطقة تدعى (ام رغلة) ففتح فيها مدرسة لتعليم ابنائها وكان من سرور السيد علوان الياسري ان سجل فيها ابنه عبد الحميد الياسري.

ويبدو ان صلته بالحركة الوطنية في النجف لم تنقطع ويذكر السيد محمد علي كمال الدين في مذكراته ان الحلي كان مندوبا ً عن المكتب الوطني النجفي في منطقة المشخاب وفي اثناء وجوده في كنف السيد علوان الياسري بدأت مقدمات الثورة العراقية سنة 1920 وسنذكر موقفه بعد قليل.

وبعد القضاء على الثورة وانتهاء حركاتها العسكرية هرب الكثيرون ممن اشتركوا في الثورة من زعماء وادباء وعلماء دين فكان محمد باقر من جملة من هرب الى (المحمرة) غير انه ما لبث ان عاد الى البصرة متخفيا ً بأسم مستعار وعمل في التعليم. وبعد صدور العفو العام عن المشتركين بالثورة غادر البصرة الى بغداد وعين معلما ً في المدرسة الجعفرية الاهلية والتحق في الوقت نفسه بمدرسة الحقوق وتخرج فيها عام 1925.

الاجتماع الخطير واندلاع الثورة

ذكر عدد من مؤرخي الثورة العراقية عام 1920 انه بعد ان القت السلطة المحتلة القبض على السيد محمد رضا نجل المرجع الديني الكبير الميرزا الشيرازي بدأ نشاط زعماء منطقة الشامية بعقد مؤتمرات المذاكرة ول الموقف من السلطة. فأجتمع الزعماء يوم 25 حزيران 1920 عند الشيخ عبد الواحد الحاج سكر وهم السيد علوان الياسري والسيد هادي زوين وغيرهما.

وكان السيد محمد باقر الحلي آتيا ً من كربلاء فارا ً من وجه السلطة بعد القاء القبض على ابن الشيرازي فارسله (مكتب الثورة) في النجف الى الشامية لتحريض زعمائها فاجتمع بهم في مجلس الحاج سكر المذكور. وحدثهم عن الموقف وقرأ لهم جريدة كانت معه. فاذا بالشيخ علي المزعل رئيس عشيرة الغزالات يقاطعه: ياحضرة السيد محمد الباقر انت تقرا لنا حوادث الاجانب واخبارهم واعمالهم ونحن نريد الان بدورنا ان يقرا الاجانب حوادثنا واخبارنا. فقطع الحلي قراءته وانبرى السيد علوان الياسري قائلا ً: ان الكأس قد امتلأ ولا بد ان ينسكب ماؤه.

وعقب هذا الاجتماع كثرت المراسلات بين زعماء العشائر من المسّيب الى الرميثة فعقدوا مؤتمرا كبيرا ً في مضيف الشيخ الحاج رايح العطية ضّم جميع رؤساء عشيرة الخزاعل (اسماؤهم مذكورة في كتب تاريخ الثورة. كما حضر الكابتن (هوبكنز) ممثلا ً عن الحكومة. وقد طلب منهم الحضور الى منطقة ابو صخر. فرفض الجميع وقالوا: انهم لا يأمنون على انفسهم بعد اعتقال ابن الشيرازي. وطلبوا من ممثل الحكومة المحتلة تبيليغ الحاكم السياسي ان يجتمع بهم اذا شاء في المشخاب.

وبعد يومين او ثلاثة اجتمع الرؤساء لدى عبد الكاظم الحاج سكر. وحضر الاجتماع الحاكم السياسي للشامية والنجف وحاكم ابو صخر. وحدث ما لم يكن في الحسبان، فما ان التأم المجلس حتى صعد السيد محمد باقر الحلي المنبر المنصوب في المضيف بدون استئذان. وانشد قصيدته الشهيرة ومنها.

بني يعرب لا تأمنوا للعدا مكرا

خذوا حذركم منهم فقد أخذوا الحذرا

يريدون منكم بالوعود مكيدة

ويبغون ان حانت بكم فرصة غدرا

فلا يخدعنكم لينهم وتذكروا اضاليلهم

في الهند والكذب في مصرا

يخوض عباب البحر من الدرا

ويلق ضلال الليل من عشق الزهرا

ومن مات دون الحق ةالحق واضح

اذا لم ينل فخرا ً فقد ربح العذرا

ثم خاطب الشاعر زعماء الخزاعل: يا زعماء الخزاعل ان قبيلتكم كانت تسمى خزاعة وقد دخلت في بيعة النبي الكريم وكان الحلف بين النبي وقريش الا يؤذوا من حالفهما وحين تعرضت خزاعة لأذى قريش قال النبي: لا ينصرني ربي ان لم أنصر خزاعة. فجيش جيوشه على مكة حتى تم له فتحها.. وانتم يا زعماء الخزاعل انتصر لكم النبي وغضب لا جلكم. فمتى تنتصرون له؟ اما آن لكم ان تنصروا محمدا؟..

وعندما استثارت حمّية الحاضرين ونهضوا يهزجون بالهوسات بحضور ممثلي السلطة المحتلة الذين اسرعوا الى ترك المكان.

ويقول محمد علي كمال الدين ان قصيدة محمد الباقر الحلي وخطبته الرائعة هي الشرارة التي اندلعت منها تيران الثورة مان لموقفه الحماسي الجسور دوي ّ هائل في البلاد ولا سيما لدى القبائل التي أخذت تتحدث عن قصيدته خطابه. وقد جعلها الزعماء من بداية الثورة في الشامية.

ومن الطريف ذكره هنا ان محمد باقر الحلي لم يكن مدعوا الى ذلك الاجتماع الخطير وانما دس ّ نفسه دسّا ً على غير رغبة المجتمعين من الرؤساء فعندما شعر انه سوف يحرم من حضور الاجتماع تظاهر امام تلميذه السيد عبد الحميد الياسري نجل السيد علوان الياسري لانه يحسن اللغة الانكليزية ثم انشد له نشيدا ادعى انه بالانكليزية وفسره بقوله ان الانكليز يدعون انهم سادة البر والبحر وانهم نزلوا من السماء ولا يمكن لأمة استعبدوها ان تتخلص من براثنهم. وصور الباقر الحلي النشيد بشكل مؤثر فابكى تلميذه. وعند ذلك عرض عليه ان في امكانه المشاركة في تخليص البلاد من الانكليز بان يرجو اباه ان يحضر هو واستاذه اجتماع الزعماء فتوسل عبد الحميد الى ابيه باكيا ً فرضخ السيد علوان الياسري لتوسلات ابنه واخذه مع استاذه الى الاجتماع.