الشيخ جلال الحنفي و جمعيته ومشكلة البغاء

الشيخ جلال الحنفي و جمعيته ومشكلة البغاء

أنوار ناصر حسن

في عام (1948) أشترك الحنفي مع الحاج محمد فؤاد الآلوسي والشيخ عبد الحق النقشبندي في تأسيس جمعية (الخدمات الدينية والأجتماعية). وقــــد ترأس الحنفي هذه الجمعية من عام (1948 – 1958). وهي جمعية وطنت نفسها على معالجة المشاكل الأجتماعية، ولها مجلة شهرية تنشر كل نشاطاتها.

أما مركزها العام فيقع في منطقة العيواضية متخذة من جامع الأمير عبد الآله مقرا ً لها وكان من بين أهدافها السعي لمكافحة المشاكل والعلل الأجتماعية وحث الحكومة على أتخاذ التدابير التي تشجع الزواج وتحمي النسل وتصون نظام الأسرة. والتعاون مع المؤسسات الحكومية والأهلية في سبيل أتخاذ تدابير الضمان الأجتماعي لصيانة العاملين من ويلات البطالة والمرض والشيخوخة.

ويـذكـر الحنفي سبب تأسيس هذه الجمعية فيقول في مذكراته " كنت ُ جالسا ً في أحد الباصات الكبيرة ذات يوم (في زمن الأربعينات) والأزدحام بالغ أشده وكان بين القوم حدث صغير يكلم زميلا ً له مراهقاً في أمور من الأدب المكشوف دون أن يجد هذا الحدث ولا زميله ما يدعو إلى الحياء من الكثرة التي كانت تصغي إلى كلامه غير المهذب وكان علي أن أفكر ثانية في هؤلاء الناس في الباص، وهم يؤلفون بكثرة أصنافهم مجتمعا ً قائما ً بنفسه، ما بالهم يرضون أن يتحداهم صبي صغير بمثل تلك الوقاحة المطلقة دون أن يجد بين الرجال من يتبرع بنصيحة صغيرة يدفع بها شخصية الصبي الصغير إلى السداد، لقد كان كل واحد من القوم يخاطب نفسه بأن شيئا ً من كل هذا لا يعنيه أصلا ً. أن هذه الجناية المزدوجة حفزتني إلى البحث في سلوك الأحداث ".

لذا قام الحنفي بعد تأسيس الجمعية بأجراء دراسات في هذا الموضوع متنقلا ً بين بغداد والبصرة وبيروت والكويت وكراجي وكتب نتيجة ذلك تقاريرا ً وابحاثا ً لا تزال مودعة في أضابير هذه الجمعية التي أغلقت عام (1958).ونظرا ً لتعذر الوقوف على أضابير وسجلات هذه الجمعية لذا من الصعب الأطلاع على تلك الأبحاث والتقارير ومن الصعب أيضا ً تقييمها وبيان الرأي بصددها... الا أنه كما يبدو قد كرر بعض الآراء والأفكار عن موضوع الأحداث وسلوكهم فضلا ًَ عن التشرد والبغاء في مقالات ومؤلفات أخرى سيرد ذكرها لاحقا ً.

أصدرت الجمعية كراسين كانا من تأليف الحنفي أيضا ً الأول أصدرته عام (1952) بعنوان (كيف عالجنا مشكلة البغاء) سمته الكتاب الأزرق، وقد ضم جهود الجمعية في سبيل معالجة مشكلة البغاء في العراق. والثاني عام (1953) بـعـنـوان (مشاكل أجتماعية لم تحل بعد) سمته الكتاب الأصفر ضم جهود الجمعية ومساعيها في سبيل معالجة مجموعة من المشاكل الأجتماعية من بينها التشرد والعزوبة والأسر الفقيرة.

أما بالنسبة للكراس الأول فتناول موضوع البغاء من خلال توضيح معنى البغاء وكيفية معالجته. والبغاء يعني نوعا ً من الرق والمتاجرة بالعرض وهو محرم في الأسلام وتنكره التقاليد الأجتماعية في كل أمة كما تنكره النظم الحديثة. وتحريمه في الأسلام لم يكن شيئاً غير مستند إلى حكمة، وحكمة تشريع التحريم هي الأضرار التي تنشأ عن البغاء بما ينشر من أمراض فتاكة وما يفسد من الأنساب ويفسد من الكرامة والشرف هذه الحكمة التي نزلت بسببها آية التحريم قبل أربعة عشر قرناً، أصبحت اليوم نفسها في القرن العشرين مــثــارأهتمام المجتمعات الحديثة بأنقاذ البشرية من هذه العاهة الأجتماعية.

وكان من رأي الحنفي في المعالجة أن لا تكافح هذه المشكلة الخطيرة بالطرق السطحية الشائعة التي يقتصر أصحابها على الدعوة إلى نقل المبغى من مكان إلى مكان آخر، أو مطاردة البغايا من منطقة إلى منطقة أخرى، أو ابداء السخط الشديد لشيوع هذا المنكر دون أن يكون ذلك مصحوبا ً بتفكير جدي في معالجة المشكلة معالجة جدية. لذا أتجهت الجمعية في مكافحتها للبغاء إلى طرق وأساليب من شأنها أن تضع الحل النهائي. لهذه المشكلة إذ قامت بدراسة عدد كبير من التقارير الرسمية وغير الرسمية التي وضعها بهذا الشان الخبراء والباحثون كما تتبعت ما نشر في الصحف من دراسات وآراء في هذا الصدد وأطلعت على مجموعة من الأنظمة واللوائح المتخذة لهذا الغرض بل أنها ألفت لجنة من بين أعضائها عهدت اليها القيام بمهام تحقيقية في داخل المبغى العام.

وقد عالجت موضوع البغاء على مراحل مختلفة بدأت بالأستفتاء عن علة احجام الشباب عن الزواج حيث وجدت ان له صلة كبيرة بذيوع البغاء في البلاد وكاد يجمع المستفتون منهم على أن البغاء من أهــم العلل التي تبعد الشباب عن الزواج، يضاف اليها غلاء المهور وبعض التقاليد والبدع التي لا يستطيع القيام بتكاليفها الشباب الذين يعيشون على موارد محدودة.

وقد تلت مرحلة الأستفتاء هذه طلبات إلى المراجع ذات الشأن طلبت منها الحد من التهتك في الفنادق والمحلات العامة ومنع الأحداث ولاسيما طلاب المدارس والناشئين من أرتياد دور اللهو والمواخير. ثم أنتقلت الجمعية إلى دور الحث على وضع تشريع لألغاء البغاء وقد وجهت رسالة إلى وزارة الشؤون الأجتماعية في هذا الشأن وقد أجابت الوزارة تقول " أنها سبق وأن وضعت لائحة لهذا الغرض ولكنها عندما طولبت بنسخة من اللائحة أجابت بما يدل على أنها لا تزال قيد الدرس". لذلك رأت الجمعية أن الفرصة مواتية لتقدم مقترحات لغرض وضعها في اللائحة المذكورة وقد وعدت الوزارة الجمعية بأخذ مقترحاتها بنظر الأعتبار.

ومما يجدر ذكره أن الجمعية حصلت على أحصاء رسمي من من مديرية الصحة العامة في بغداد عن الأمراض الناشئة عن البغاء بين سنتي (1949 – 1950) في جميع ألوية العراق ووقفت على القوانين المعمول بها في سوريا ومصر لمكافحة البغاء وأتصلت بجمعية الأتحاد النسائي في مصر في صدد التعاون معها في هــذا الشأن.

ولم تكتف الجمعية بهذه الجهود والأتصالات بل أنها عمدت إلى أساليب أخرى غير مسبوقة فقد دعت إلى مقرها بجامع الأمير عبد الآله في منطقة العيواضية عددا ً من المسؤولين لدعوات شرب الشاي مع أعضائها ودراسة هذا الموضوع بعيدا ً عن رسميات الدواوين الحكومية ومن بين الذين لبوا دعوة الجمعية السيد (سعد عمر) وزير الشؤون الأجتماعية في الثاني عشر من كانون الثاني 1950. والسيد (حسين جميل) وزيـــر العدلية في الرابع عشر مـــن كانون الثاني 1950. وماجد مصطفى وزير الشؤون الأجتماعية في الحادي والثلاثون من تشرين الثاني 1950. والسيد عبد الجبار فهمي مدير شرطة لواء بغداد في الثاني عشر من آيار 1951. والدكتور عبد الجبار الريزه لي مدير الخدمات الأجتماعية العام في الرابع من حزيران 1951.

في التاسع من كانون الأول 1950 أرسلت الجمعية كتابا ً إلى وزارة الشؤون الأجتماعية وضعت فيه مقترحات عدة لألغاء البغاء وأغلاق دوره. ونصت تلك المقترحات على ضرورة أضطلاع الدولة بمهمة تحسين المستوى الأقتصادي والمعاشي للسكان أي ان تكون الحكومة كفيلة بأعاشة من يفتقدون وسيلة العيش من النساء وتدريبهن على ما يؤمن لهن العيش الحر الشريف. وكذلك تحسين الـمـستوى الأجتماعي أي أن تسهل مشاريع الزواج وتشجع عليه. وأنشاء المحاجر الأصلاحية بعد ألغاء البغاء لأيواء جميع البغايا وإصدار عقوبات رادعة بحق كل من أكره فتاة على ممارسة البغاء أو أستعمل القوة في أنتهاكها.

وقد ردت وزارة الشؤون الأجتماعية بموجب كتابها الـمـرقـم (352) والمؤرخ في التاسع من كانون الثاني 1950 على مقترحات الجمعية بأنها ستأخذ بنظر الأعتبار المقترحات والتوصيات المقدمة بشأن الغاء البغاء عند وضع لائحة قانونية خاصة بها قدر الأمكان.

ومما تجدر الأشارة اليه أن دار البغاء العلنية الوحيدة ببغداد كانت تقع في محلة الميدان (وسط بغداد) ومدخلها الرئيس مفتوح الأبواب نهارا ً وليلا ً على أهم شارع في العاصمة وهو شارع الرشيد. ون هذه الحالة هي عكس ما هي عليه في المدن الكبرى المماثلة لبغداد من حيث الأهمية الأجتماعية إذ لا تجيز لأماكن البغاء العلنية فتح أبوابها على شوارعها الرئيسه بل تضعها في أماكن منزوية في شوارع ضئيلة الأهمية من الوجهتين الأجتماعية والمرورية وهذا الأمر مهم في نظرنا " لأن وجود المبغى العام في المكان الذي هو فيه ببغداد يكون ذا سمعة سيئة للمجتمع من جهة، كما ان شدة المرور للطبقات كافة في هذا الشارع أمر يجعل المبغى العام من حيث موقعه بمثابة الأغراء لـحديثي السن والمراهقين من الجنسين من جهة أخرى، سواء كانوا من طلاب المدارس أو من غيرها وما أسهل أثارة العواطف الجنسية في هؤلاء في هذا الدور من حياتهم. وبهذا فأن أنتشار البغاء في بلادنا هو من أكبر العيوب الدينية والأجتماعية وتعتقد الجمعية أن تشجيع الزواج من جملة الوسائل التي تقضي بها على البغاء ". ولكن على الرغم من الحملات المكثفة والبيانات والمواعظ والدعوات الدينية والأرشادية واللقاءات مع المسؤولين الحكوميين لمحاربة البغاء ومحاصرته بغية إلغائه...

عن رسالة: جلال الدين الحنفي وأثره الثقافي في المجتمع العراقي