في صحبة هلدرلين داخل كوخ هايدغر

في صحبة هلدرلين داخل كوخ هايدغر

علي حسين“

وسأبقى ابناً للأرض

للحب خلقت وللألم «

هلدرلين

من بين كل الزائرين للمكتبة التي كنت أعمل فيها، كان الشاعر الاردني الراحل خيري منصور – وكان يعمل آنذاك في مجلة الاقلام – يمثل بالنسبة لي دليلا حيويا للقراءة. قال لي يوماً ان بعض الكتب تصبح مثل الاصدقاء لا نستطيع الاستغناء عنها،

وان قوة هذه الصداقة تعتمد على اهمية الكتاب، فهناك صداقة تعيش حياة طويلة وأخرى لها حياة قصيرة، وفي مرات كثيرة كنت احاوره حول الكتب التي اقرأها. في ذلك الوقت كان خيري منصور ينشر سلسلة مقالات بعنوان “ تجارب في القراءة “ صدرت فيما بعد ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة، والتي كانت واحدة من اهم وابرز تجارب النشر في العراق، في واحدة من زياراته للمكتبة سألني عن كتاب بعنوان “ هلدرلين “ للمترجم والباحث المصري عبد الغفار مكاوي، والكتاب صادر ضمن سلسلة نوابغ الفكر الغربي، اخبرته بتوفر نسخ من الكتاب، وكنت انا مغرم بهذه السلسة اجمع كل ما يصدر عنها، ومن ضمنها كتاب هلدرين، لكنني لم اكن قد قرأته بعد، فاسم الشاعر كان غريبا بالنسبة لي، اعرف عنه معلومات قليلة، فهو شاعر اصيب بالجنون، ومات وهو يعيش عزلة اختارها لنفسه، هذه المعلومات حصلت عليها من قراءة المقدمة التي كتبها المترجم والكاتب المسرحي يسري خميس لمسرحية “ مارا صاد” تاليف بيتر فايس احد ابرز كتاب المسرح الالماني بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يخبرنا يسري خميس ان بيتر فايس كتب مسرحية بعنوان “ هلدرلين “ قدمت عام 1971 بمناسبة مرور 200 عام على ميلاد الشاعر الالماني، وفي المسرحية يجمع بيتر فايس بين هلدرلين وكارل ماركس وجيفارا، ونشاهد الشاعر الالماني وهو يتحدث عن المجتمع الذي يحلم فيه، وعن سبب اختياره العزلة عندما كان في السادسة والثلاثين من عمره ليؤكد فايس ان هلدرلين ليس هو المريض، وانما المريض هو العالم الذي عاش فيه وايضا العالم الذي نعيش فيه اليوم

كان بيتر فايس بالنسبة لي آنذاك واحدا من ابرز الملهمين منذ ان اكتشفته في منتصف السبعينيات، عندما وقعت بيدي مسرحيته “ مارا صاد “، بعدها اخذت ابحث عن كل ما ترجم له من اعمال مسرحية.. فهو الكاتب الملتزم بقضايا الناس، ماركسي الهوى لكنه ضد الاستبداد الستاليني، يعترف ان تطوره الفكري مر بمراحل متعددة، من التجريب الى السريالية، الى الشك والعبث، الى الموقف الماركسي.

لم يغادر ذهني حديث خيري منصور عن هلدرلين، وقررت البحث عن المسرحية التي كتبها بيتر فايس عنه، فوجدت فصولا منها منشورة في مجلة فكر وفن في عدد خصص للشاعر الالماني بمناسبة ذكرى ميلاده.

ما الذي اراد أن يقوله بيتر فايس الكاتب الماركسي عن شاعر عُرف بنزعته الفردية. يقول بيتر فايس عندما كنت في الثانية عشرة من عمري اقمت مدة نصف عام عند اقارب لي في مدينة “ توبينغين “ بجوار برج هلدرلين. وقد جال في مخيلته آنذاك شبح الشاعر المريض عقليا يقول فايس: ” قبل ان اعرف اشعاره بفترة طويلة. كان قد سجن نفسه في عزلة قاربت الاربعين عاما لا يحيا خلالها سوى في احلامه الخاصة “، فوجد ان حياته ومواقفه لا تختلف عن مارا احد قادة الثورة الفرنسية، والذي كان يحيا لاحلامه الخاصة به، مريض، معزول، لكنه ممتلئ بيوتيبيا يعيشها في خياله.. كتب فايس مسرحية هلدرلين بعد الانتهاء من مسرحية “تروتسكي في المنفى “، التي يطرح من خلالها الحلم بالثورة، فيما نجد في هلدرلين العجز عن تحقيق الثورة. يكتب فايس ان هلدرلين لم يتبق له “ سوى الانسحاب الى نفسه، لقد وقف وحده بوعيه الثوري مقابل عصر رجعي،وتحول عنه سائر اصدقائه مثل هيغل وشيلنغ وشيلر وتخلى عنه اساتذة الثقافة مثل غوته وفيتشه، وتكيفوا مع الوضع السائد. وبعد ان لقى تهكما وسخرية لم يبق له سوى السجن. فكان البرج الحل الافضل له “ - عصر بيتر فايس وأعماله مجلة الاداب الاجنبية 1996 -.

في المشهد الأخير من مسرحية هلدرلين يقول ماركس الشاب للشاعر المجنون: ثمة طريقان للتحضير لتغيير جذري، الاول تحليل دقيقي للوضع التاريخي المحدد، الثاني صياغة اعمق التجارب.

هل كان هلدرلين (فيلسوف ام شاعر؟)، هذا ما طرحته على خيري منصور بعد اسابيع كنت فيها قد انتهيت من كتاب عبد الغفار مكاوي، وقد وجدت ان مكاوي كان اثناء كتابته هذه الدراسة عن هلدرلين يعاني ايضا من “ خيبة الامل في الناس والحياة “، حتى انه قرر ان يتقمص روح الشاعر الحزينة. تحدثت مع خيري منصور عن هلدرلين وعن كتب اخرى يمكن ان تساعدني في معرفة شخصيته، فاخبرني ان هناك كتاب بعنوان “ الفلسفة والشعر “ للفيلسوف الالماني هايدغر ترجمة عثمان امين، يتضمن فصولا خاصة عن هلدرلين الذي كان هايدغر احد دراويشه ومن المغرمين بشعره. في ذلك الوقت لم اكن قد قرأت شيئا لهايدغر، وعلاقتي به تقتصر على مقال كنت قد قرأته في واحد من اجمل وامتع كتب عبد الغفار مكاوي بعنوان “ مدرسة الحكمة “ وضع له عنوان “ حذاء فان كوخ “ يقدم من خلاله مفهوم هايدغر للفنون.

في العام 1934 يبدا مارتن هايدغر اولى محاضراته عن هلدرلين، وهي المحاضرات التي جمعت فيما بعد بكتاب بعنوان “ ترنيمة هلدرلين “ صدر عام 1942 وفي هذه المحاضرات يطرح هايدغر سؤالاً: وما الحاجة الى الشعراء. وهذا السؤال مستمد من بيت شعر لهلدرلين يقول فيه: ” وما الحاجة الى الشعراء في هذا العصر البائس “. يتساءل هايدغر: ما الذي يميز هلدرلين عن كل شعراء الارض ويجعل منه التجسيد الاعلى لجوهر الشعر؟ فيجيب انه الصدق المطلق مع الذات، فهو الصدق الذي وصل به الى حافة الجنون.: ” لم يشأ هلدرلين ان يتورط مع الواقع او ان يساوم على حقيقته الداخلية. وفضل ان يفشل في الحياة على ان ينجح بشكل رخيص. بل ان جنون هلدرلين خلع على شعره هالة من السحر والجاذبية، فلأنه اصبح مجنونا، لأنه عاش على حافة الجنون حتى قبل ان يجن فعلا، فإنه استطاع ان يرى ما لا يرى بالعين المجردة، استطاع ان يلمح من ثقب الباب ذلك العالم الآخر الذي يستعصي علينا ونحن في حالة العقل والمنطق”. – هلدرلين وماهية الشعر ترجمة فؤاد كاملوهناك ترجمة عثمان امين الفلسفة والشعر.

في مقدمة كتابه يطرح هايدغر هذا السؤال: لماذا اخترنا هلدرلين؟ ألكي نبين جوهر الشعر؟. ثم يضيف: ” أما كان يجدر بنا ان نختار هوميروس او سوفوكليس، فيرجل او دانتي، شكسبير او غوته؟ وهل يعني إختيارنا هذا ان جوهر الشعر لم يتحقق في نتاج هؤلاء جميعهم “ – انشاد المنادي ترجمة بسام حجار -. ويقول هايدغر انه لم يختر هلدرلين لان اعماله تحقق الجوهر العام للشعر، بل لانه يرى فيه “ شاعر الشاعر “.. ويركز هايدغر على مفهوم هلدرلين للغة التي يرى فيها “ اخطر الملكات البشرية “، ولعل مراجعة لفلسفة هايدغر سنجد ان علاقته باللغة علاقة خاصة جدا، لدرجة انه يحرص على خلق الانطباع بانه قد اخرج افكاره الفلسفية، من اعماق اللغة نفسها. ويجد هايدغر ان هلدرلين عاش الشعر كتساؤل مفتوح وكملاذ يلجأ إليه إذا ما اظلمت الدنيا في وجهه. وهي في الحقيقة اظلمت كثيرا في وجهه حتى فقد عقله وهو في السابعة والثلاثين من عمره وعاش نصف حياته الثاني في متاهات الغياب.

لم يعش يوهان فردريش هلدرلين المولود في العشرين من آذار عام 1770، وهو العام الذي ولد فيه هيغل وقد ارتبط الاثنان بصداقة حميمة، كما عاش شاعر المانيا الشهير يوهان غوته مرفها تحيط به نخبة من صفوة القوم، وإنما عاش فقيرا ومريضا يؤمن ان مهمته في الحياة ان يظل يحمل لقب شاعر فقط، كل ما نعرفه عن طفولة هلدرلين أنه ولد في مدينة صغيرة اسمها “ لاوفن “ تابعة لِمحافظة باڤارِيا في عائلة متوسطة، الاب يعمل معلما في مدرسة الدير، ويدير في الوقت نفسه الاملاك التابعة للكنيسة، اما الام فكانت لا تفارق الصلاة وتتمنى ان يصبح ابنا قسا مثل والدها، لذا قررت ان يدخل ابنها مدرسة الدير، لكن الطفل سيصاب بعدة فواجع اولها وفاة ابيه بعد عامين من ولادته، وزواج امه من رجل آخر سيتوفى بعد خمس سنوات، هذه الطفولة التي يصفها ستيفان تسفايج بانها كانت موطنه الاول برغم ما تخللها من مآسي، ويقتبس تسفايج احدى رسائل هولدرلين التي يقول فيها: ” للأسف الشديد ! لقد أخاف العالم ذهني، منذ نعومة أظفاري، الشيء الذي جعلني أنطوي على نفسي” – بناة العالم ترجمة محمد جديد -. ويرى تسفايج ان ازمة هلدرلين تكمن في الصراع الذي عاشه بين طفولة هادئة، وواقع حياتي، قاسي ولهذا، وان اشعار هلدرلين تعبير دقيق عن مأساته الشخصية. في المعهد اللاهوتي الذي دخل اليه عندما كان في الثامنة عشر من عمرة سيتعرف الى الفيلسوفين هيغل وشيلنغ، وقد بدأت هذه الصداقة عام 1790 وانتهت عام 1793، لكن الرسائل بين الاصدقاء ظلت مستمرة تتميز بالاحترام والتقدير لهلدرين. وفي غرفة النوم التي جمعت العقول الكبيرة الثلاثة تم الحديث عن اهمية الفلسفة والشعر في استنهاض روح المانيا.. وكانت الصداقة بين هيغل وهلدرلين اشد عمقا من صداقته مع شيلنغ، ولم يكن السبب انهما من سن واحدة، بل يرجع الى التقدير الذي كان يحمله كل منهما الى الاخر،، لكن رغم انقطاع صلة شيلنغ بهلدرلين، إلا ان الفيلسوف الالماني لم يستطع ان ينسى صديقه الشاب فكتب الى هيغل عام 1795: ” هلدرلين انني اصفح عن مزاجه المتقلب الذي لم يجعله يفكر فينا ابدا “. تأثر الشبان الثلاثة بفلسفة فيتشه المثالية وكان هلدرلين اكثرهما ارتباطا باستاذه وقد كتب في رسالة الى شقيقه: ” فيتشه الآن روح بنا، واحمد الله انه كذلك، فلست اعرف رجلا سواه له ما له من الطاقة وعمق الفكر “. في المقابل كان الاصدقاء الثلاثة، يبحث كل منهم عن مملكة الله التي يجد الانسان فيها سعادته وسيراها كل منهم على طريقته الخاصة.. يكتب هلدرلين الى هيغل في واحدة من رسائله يذكره بمملكة الله التي يسود فيها الحب والتآخي، ويكتب هيغل الى شيلنغ قائلا: ” لتأتي مملكة الله، ولنعمل بايدينا على تحقيقها ولا ندعها تسترخي فارغة في حجرنا، ليبق العقل والحرية قدرنا وكلمة السر بيننا. ولتكن الكنيسة غير المنظورة هي النقطة التي نلتقي عندها “ – عبد الغفار مكاوي هلدرلين –.

في الجامعة راح هلدرلين يكتشف لأول مرة الفكر التنويري من خلال افكار لايبنتز، وفولتير، وكانط،، وجان جاك روسو.. في ذلك الوقت كان السؤال الكبير المطروح على مثقفي ألمانيا هو: كيف يمكن أن تخرج المانيا من الرؤية القديمة للعالم وتعتنق الرؤية العلمية والفلسفية للعالم؟ سوف يدفع هولدرلين ثمن هذا الخروج، عندما اصر على رفض العالم القديم المتفسخ،وشعر بالغربة تحاصره. تحت تاثير افكار فيشته يكتب هلدرلين قصيدته “ الى الالمان “والتي يتساءل فيها: هل نحيا من رقادنا عن قريب؟ كان شاغل هلدرلين هو معرفة وظيفته كشاعر، ولعل موقفه من الثورة الفرنسية واعجابه الشديد بكتابات جان جاك روسو جعلته يشعر بخيبة امل من ان هذه الثورة ليس لها صدى في بلاده المانيا. بدأ المرض يحاصره في فترة مبكرة من حياته، إلا ان المأساة الحقيقية في حياته كانت موت محبوبته “ زوزيت غونتارد “ التي تعرف عليها عندما كان يعمل مدرسا وقد اصيب على اثر سماعه خبر وفاتها بانهيار عصبي، وشخص الاطباء حالته بانها اضطرابات عقلية، عاش الستة والثلاثين عاما الاخيرة من حياته في حجرة صغيرة سميت “ صومعة هلدرلين “ في بيت احد النجارين، بعد ان فرضت عليه الوصابة، لم تعرف اهمية هلدرلين إلا بعد ان اشار اليها نيتشه باهتمام، لكنها حظيت باهتمام فلاسفة القرن العشرين الذين وجدوا في كتاباته تفكيراً فلسفياً يسلط الضوء على لغز الوجود وسر الكون، كان هلدرلين يؤمن بأن الشعر ليس عملا فردياً وانما فعل تاريخي مؤثر في العالم. فالشعر حامل رسالة الإنسان. والشاعرأعمق الناس نفاذاً إلى جواهر الحقائق.. في عام 1807 اعلن الاطباء يأسهم من حالة هلدرلين، وقالوا ان الشاعر لن يعيش اكثر من سنتين، لكنه سيعاندهم ويموت بعد ست وثلاثين عاما، في ليلة السابع من حزيران عام 1843. والى جانب سريره وجد صاحب البيت هذه الابيات التي كانت اخر ما خطته يده:

انا لاشيء، وحياتنا

ماعادت تحلو في عيني

عاش هايدغر معظم حياته في كوخه داخل الغابة السوداء حيث مارس عزلة هلدرلين وتأمله والبحث عن معنى الوجود، وفي الكوخ اعاد تأمل شاعره المفضل حيث ساعده هلدرلين على “إلقاء الوجود كاملاً في القرب الواسع لجوهر جميع الأشياء «.

استعيد هلدرلين في ذكرى رحيله، واستعيد معه بعض مغامراتي مع الكتب واتساءل دوما: هل القراءة سبب لأن تمتلئ حياتنا بالكتب، يكتب اندريه مالرو: ”ليس هناك كاتب دون مكتبة” في العام 1922 يكتب الشاعر الفرنسي أراغون: ”في كل ما أقرأ تقودني الغريزة بقوة شديدة الى البحث عن الكاتب وإيجاده وتفرسه.. وهذا ما حاولته مع هلدرلين اردت تفرس ملامحه فلم انجح، وظلت عبارته تطاردني: ” ان يكون المرء ذاته، هذه هي الحياة.. ولسنا غير حلم بها «