مشاهدات أجنبية عن (ترامواي) الكاظمية

مشاهدات أجنبية عن (ترامواي) الكاظمية

فؤاد جميل

كثيرا ما تذكر الكاظمية في المراجع الغربية بعد هذا بمناسبة البحث في اصلاحات مدحت باشا في بغداد و ما حولها. فيقول ريتشارد كوك في كتابه‏ عن بغداد ان روحية الأصلاح المتوثبة التي كانت تتجلى في مدحت باشا قد كانت السبب في إدخال أحدث المبتدعات الى المدينة،

و هي فكرة أنشاء خط (الترامواي) فقد كانت شدة الازدحام في تنقل الزوار بين بغداد و الكاظمية قد جعلت تيسير وسائط نقل كافية شيئا أساسيا، فأنشأت الحكومة خط «ترامواي» يسحب بالخيول. و لم يكن المشروع ناجحا من الناحية المالية، و لذلك نقلت عهدته الى شركة محلية ظلت تديره الى يومنا هذا. و كان هذا الخط في عهد مدحت نفسه ينظر اليه باعتزاز و فخر و يعتبر من أحدث المشاريع في الشرق.

لكنه بقي منذ يومه ذاك محافظا على وضعه من دون ان يصيبه أي تحسن ففقد شهرته المذكورة و سمعته. و قد كانت فكرة كهربته تراود مخيلة الكثيرين بين حين و آخر لكنها لم يمكن ان تتبلور و توضع في موضع التطبيق.

اما لونكريك‏ فيشير الى ترامواي الكاظمية أشارة عابرة، في ضمن الأعمال و الأصلاحات التي تحققت في عهد الوالي المصلح مدحت باشا.

فهو يقول عنه أنه أكمل ما بدأ بتشييده نامق باشا من الأبنية العامة و أضاف اليها شيئا كثيرا. كما ان أصدار جريدة في أيامه و تأسيس المعامل العسكرية، و بناء مستشفى و دار للعجزه و ميتمة و عدة مدارس، و مدّ خط ترامواي الى الكاظمية كانت كلها، مع الروح التجددية التي دلت عليها، قد نورت بغداد و بعثت حياة التجدد و الأحياء فيها (انتهى قول لونكريك).

و الحقيقة ان ما اصاب الكاظمية من اصلاحات مدحت باشا لم يقتصر على مشروع الترامواي الذي انشي‏ء لتسهيل أمور الزوار. فقد أص

الجهاز الحكومي فيها أيضا بألغاء طريقة الالتزام و الأصول الاقطاعية في الحكم، و عين موظفين أداريين فيها يتناولون رواتبهم من خزينة الدولة، كما جعل الكاظمية قضاءا يديره قائمقام خاص بعد ان أضاف الى حدود البلدة الأدارية المقاطعات المجاورة. و حينما عزم ناصر الدين شاه القاجاري ملك أيران على زيارة الكاظمية و سائر العتبات المقدسة في العراق سنة 1870 قامت الحكومة بأدخال بعض التحسينات و الاصلاحات في طرق الكاظمية و مرافقها البارزة تمهيدا لهذه الزيارة السامية.

اما خط الترامواي الذي يشير اليه ريتشارد كوك و لو نكريك فقد مدت سكته الى مسافة سبع كيلومترات، و حينما وجدت الحكومة انه مشروع غير رابح يومذاك ماليا شجعت تشكيل شركة أهلية لأدارته تتكون ماليتها من ستة ألاف سهم بيعت معظمها بسرعة لأن مدحت تولى تشجيعها و تصريفها بنفسه، و كانت قيمة الحصة الواحدة مئتين و خمسين قرشا. و يقول المطلعون اليوم انه طلب الى الحاج عبد الهادي الاسترابادي، و هو من أبرز وجوه الكاظمية و تجارها في تلك الأيام، ان يبدأ بتشكيل هذه الشركة ففعل ذلك بالاشتراك مع علي چلبي و آخرين، على انه انسحب من الشركة بعد ذلك. و قد نجحت نجاحا غير يسير، حتى بلغت نسبة ارباحها 18 و 20‌%في بعض السنين. و استمرت في عملها هذا الى ما قبل سنوات حينما تضاءل شأنها و قلت أهميتها بشيوع استعمال السيارات الحديثة فانحلت.

و لأجل ان نعطي القارى‏ء الكريم فكرة واضحة عن هذا الترامواي، و كيفية سيره في تلك الأيام الخالية، نستشهد بما كتبته الرحالة الفرنسية المدام ديولافوا عنه حينما استقلت إحدى عرباته مع زوجها لزيارة الكاظمية سنة 1886. فهي تقول:

.. و في هذا اليوم ركبنا الترامواي ليوصلنا الى الكاظمية بفترة ربع ساعة

و عشرين دقيقة على أبعد احتمال، و لكنه لم يكد يقطع نصف الطريق حتى توقف عن السير و هبط السائق من العربة و رجا منا ان نترك الترامواي.

و سألت عن سبب هذا التوقف فقيل لي أن أرض منعطف الطريق الضيق الذي بلغناه قد خسفت، و اذا كان لا بد من ان يتابع الترامواي سيره فلا محالة أنه سيسقط.. و لقد وضعوا هنا عددا من الحمالين لدفع حافلة الترامواي و نقلها الى الجهة الأخرى بعد ان يتركها الركاب. و هذه العملية تتم في دقائق ثقيلة و بجهد جهيد يبذله اولئك المساكين.

و بعد ان عادت المدام ديولافوا من زيارتها للكاظمية بالترامواي نفسه نجدها تقول: و بعد مدة من الانتظار تحرك الترامواي ينهب الأرض نهبا، و لما كانت هذه آخر مرة يقود السائق فيها العربة في هذا اليوم أخذ يلهب ظهر الجياد بالسوط بقساوة و ضراوة ليزيد من سرعتها فيصل الى منزله في أقرب فرصة من دون ان يفكر بعواقب عمله المخطر لا سيما و الحافلة كانت مكتظة بالركاب الذين كانوا من طبقات مختلفة و أديان شتى، و كانوا كالسمك الطري الذي يوضع في الأناء لشيه، يرتفعون و يهبطون وفقا لسير الحافلة و اهتزازها.. و قد زاد السائق من الهاب ظهر الجياد بسوطه، و كانت سرعة الحافلة تزيد بنسبة ذلك، و لم يعمل على تخفيف السرعة حتى عند وصولنا الى الطرق و الأزقة الضيقة التي كانت حركة مرور الناس فيها على أشدها. و مررنا في أحد الأزقة الضيقة تلك بعدد من الحمير التي كانت تحمل السمك.. فذعرت الحمير من الترامواي و رمت أحمالها على الأرض و أخذ أصحابها يسبون و يلعنون السائق.. و الواقع ان ذلك كان مشهدا تمثيليا رائعا .

جريدة (البلد) 1965