حرية الصحافة في العراق قبل تأسيس الدولة العراقية.. طرائف ومؤاخذات

حرية الصحافة في العراق قبل تأسيس الدولة العراقية.. طرائف ومؤاخذات

رفائيل بطي

لم يكن في القطر العراقي في العهد العثماني قبل الدستور غير صحف رسمية حكومية ثلاث في بغداد والموصل والبصرة، وكانت الزوراء التي أسسها الوالي مدحت باشا في بغداد سنة ١٨٦٩، كما مر في المحاضرات السابقة، تتفوق على زميلتيها ليس من ناحية القدم فحسب،

بل في تاريخها الحافل؛ إذ إنها في عهد منشئها مدحت باشا أدت الواجب الصحافي رغمًا عن كونها صحيفة رسمية، فبحثت في أحوال الولاية وشئونها المختلفة بشيء من الحرية ملتزمة جادة الحق، فلما ذهب مؤسسها من هذه الديار بعد ثلاث سنوات تبدلت لهجتها، ولا سيما عندما شدد العهد الحميدي الخناق على الصحف وأخرس ألسنتها الناطقة وحطَّم أقلام الكتَّاب.

ومن الطريف أن نورد ونحن بصدد الصحافة في العراق بعض القيود التي كانت مفروضة في عهد السلطان عبد الحميد على صحف البلاد العثمانية ومنها العراق.

 

تعليمات إلى الصحف:

1. قبل كل شيء يجب تنوير الشعب عن صحة جلالة مولانا الملك الغالية، ثم البحث عن المحصولات الزراعية وعن تقدم التجارة والصناعة في المملكة.

2.محظور على الصحف نشر أي شيء لم يقترن بمصادقة صاحب الدولة وزير المعارف، عدا ما لا يرى دولته مانعًا من نشره من الوجهة الأخلاقية.

3.محظور على الصحف نشر أبحاث مطولة مهما كان نوعها، أدبية كانت أم فنية،بحيث لا يتسنى للصحيفة أو المجلة نشرها مرة واحدة، ولا يجوز مطلقًا استعمال كلمة أو غيرها من التعابير التي تدلُّ على أن للبحث صلة.لما كان ترك الفراغ أو وضع نقط متتابعة في المقال مما يسبب التشويش ويترك المجال لتقولات وفرضيات لا طائل تحتها، فلا نسمح باستعمال ذلك في المقال مطلقًا.

4. يجب أن لا يُعطى أي مجال للطعن في الشخصيات، وإذا أسندت تهمة السرقة أو الرشوة أو القتل إلى أحد الولاة أو إلى أحد المتصرفين، فينبغي كتمانها بسبب عدم إمكان إثبات صحة تلك التهم؛ لذلك ينبغي عدم إفساح المجال مطلقًا لنشر أمثال هذه الأمور في الصحف.

5. محظور على الصحف نشر ظلامة أي أو أية جماعة من الشعب تشير إلى سوء تصرفات موظفي الدولة، كما أنه محظور على الصحف الإشارة إلى أن شكاوى من هذا القبيل طرقت مسامع الذات الملكية المقدسة.

6. ممنوع على الصحف بصورة قطعية ذكر كلمة « أرمنستان» وما ماثلها من الكلمات الجغرافية والتاريخية.

7. بما أن شعبنا الصادق الآمن يجب أن لا يطلع على أي خبر يتعلق بمحاولات الاغتيال التي قد تقع ضد الملوك في البلاد الأجنبية، أو على أية مشاغبة أو مظاهرة يقوم بها المفسدون في تلك الممالك، فمن الضروري الحيلولة دون تسرب أمثال هذه الأخبار إلى الشعب بصورة مطلقة.

8. بما أن البحث عن هذه التعليمات أو التطرق إليها في الصحف يؤدي إلى أن يستغلها بعض الانتهازيين، فيجب منع نشر أي شيء يتعلق بها.

فلما انزاح ظلام الاستبداد وأشرقت شمس الحرية، وأعلن الدستور العثماني سنة١٩٠٨ استبشر الناس خيرًا وطفقوا ينشئون الصحف في عراقنا شأنهم شأن سائر البلاد العثمانية في ذلك الطور، ونعمت الصحافة العثمانية بحرية فترة من حياتها، وانطلقت الأقلام من عقالها، وأخذت تصول في ميادين النقد والبحث، ومعاجلة الموضوعات في جوفسيح، وتكتب ما يعنُّ للكاتب من الأفكار الإصلاحية والمطالب التي يرى فيها فائدة لبني قومه، مستظلٍّا بظل الدستور وقانون المطبوعات الصادر في ١٦ تموز سنة ١٣٣٦(رومية).

ولكن الحكومة العثمانية بعد برهة قصيرة لم تتحمل حتى في العهد الدستوري الصحف الحرة والجرأة التي بدت على أقلام الأدباء والكتاب، فأخذت تُعدِّل في هذا القانون، وشرَّعت لذلك خمسة قوانين معدلة أحكام القانون الأول، مما كان له ضجيج في بلاد السلطنة العثمانية، وقوبل بصخب شديد في البرلمان (مجلس المبعوثان) بالآستانة،وانبرى بعض النواب العراقيين ينددون بالتشديد على الصحف وخنق حريتها بهذا التشريع الجديد.

ومما قاله نائب البصرة سليمان فيضي في هذا الموقف:

تريد الحكومة أن تعامل أبناء الأمة الذين استنارت أذهانهم بالعلم والمعرفة بأشد مما تعامل به المجرمين والقتلة، إننا نقتل أذكى كتابنا ونخرس الأقلام ونسلب الناس حرية الكلام، ثم ندعي أننا نعيش في بلاد دستورية حرة، فما هذا المنطق؟ لماذا تشدد الحكومة هذا التشديد على أرباب الأقلام والمنورين منا، فإذا كانت الحكومة تريد من سن هذا القانون اتقاء القدح والذم في الصحف، فلماذا ترجح حقوق هؤلاء الناس على حقوق الآخرين، لتوضح لنا الأسباب التي حملتها على تقييد حرية الصحافة تقييدًا لا ينطبق على القواعد الدستورية. أود أن أسأل الحكومة ومقرر اللجنة الحقوقية، لماذا لا تشدد الحكومة هذا التشديد على المجرمين والقتلة بدل الكتَّاب القديرين وأرباب الأقلام الحرة.إن هذا القانون الذي يضيق الخناق على حرية النشر والصحافة يتعارض مع الدستور تعارضًا واضحًا، وإذا كان غرض الحكومة من تشريعه اتقاء القدح والانتقاد على صفحات الجرائد والمجلات، فمعنى ذلك أنها ترمي إلى إخماد الأذهان وتكسير الأقلام ومحو الحريات، ثم تتشدَّق بعد ذلك بحمايتها للدستور وتمسكها بروحه.

ومما قاله جميل صدقي الزهاوي نائب بغداد في مجلس المبعوثان العثماني في هذه الجلسة:

لقد أثبت تاريخ الأمم أنه كلما اشتد تضييق الخناق على أصحاب الأقلام والأفكار كلما كان الانفجار عظيمًا وسريعًا، وها نحن اليوم نشرع قانونًا يرمي إلى محاكمة الكتَّاب والمفكرين قبل محاكمة المجرمين واللصوص.

وقد كان لموقف النواب العراقيين وغيرهم من نواب البلاد العربية في مقاومة هذا القانون صداه البعيد في الصحافتين التركية والعربية في ذلك الوقت.

في عهد الاحتلال البريطاني

وبعد أن تقلَّص ظل الحكم العثماني واحتل الجيش البريطاني العراق، ثم تغيَّر الحكم العسكري البريطاني في العراق إلى حكم الرافدَين في خلال هذه المدة القصيرة معاملة فيها الكثير من التساهل، وإفساح المجال لإبداء الرأي على صفحاتها، مع أن الشعب الواعي لم يكن راضيًا عن تلك الحالة أيضًا، وكان يطالب بإطلاق حرية الصحافة وقدم المندوبون الخمسة عشر الذين قابلوا الحاكم الملكي العام »، كما جاء في بيان السر أرنولد ولسن في دائرته ببغداد يوم ٢ حزيران (يونيو) سنة ١٩٢٠ ؛ فقد سلموه مذكرة بمطالب الشعب من سلطة الاحتلال، تدور حول ثلاث مسائل جوهرية لا بأس من إيرادها بنصها؛ لتعرف مقدار شعور العراقيين بقيمة الحرية الصحافية ذلك اليوم:

١. الإسراع في تأليف مؤتمر يمثل الأمة العراقية ليعين مصيرها فيقرر شكل إدارتها في الداخل ونوع علاقاتها بالخارج.

٢. منح الحرية للمطبوعات ليتمكن الشعب من الإفصاح عن رغائبه وأفكاره.

٣. رفع الحواجز الموضوعة في طريق البريد والبرق بين أنحاء القُطر أولًا: وبينه وبين الأقطار المجاورة له والممالك الأخرى، ليتمكن الناس هنا من التفاهم مع بعضهم ومن الاطلاع على سير السياسة الراهنة في العالم.

ولم تَرَ سلطة الاحتلال بدٍّا تجاه هذا الإصرار من منح امتياز لجريدة (الاستقلال) أصدرها القائمون بالحركة الوطنية يومئذٍ وقد كتبت مقالات عنيفة، ندر أن ساعدت الحكومة بعد ذلك وفي سني الاستقلال على أن تجاريها صحفنا العراقية من حيث شدة اللهجة وصرامة الانتقاد.

فلما تألفت الحكومة المؤقتة وأسست الدولة العراقية اتخذ المبدأ العام الذي أقره بعد ذلك، وهو أن جميع القوانين العثمانية التي « قد نشرت قبل تاريخ ٥ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٩١٤ والقوانين التي نشرت، » في ذلك التاريخ أو بعده وبقيت مرعية في العراق إلى حين نشر تبقى نافذة فيه إلى أن تبدلها أو تلغيها السلطة التشريعية. وهكذا أخذت حكومة العراق تنفذ قانون المطبوعات العثماني المعدل على الصحافة العراقية، وفي هذا القانون تشديد ليس بالقليل كما ألمعنا آنفًا.

عن كتاب (الصحافة في العراق)