مملكة القصيدة عند الشاعر الأب يوسف سعيد

مملكة القصيدة عند الشاعر الأب يوسف سعيد

حاتم الصكر

لم ألتقِ الرَّاحل العزيز الأب يوسف سعيد شخصاً لكنني عرفته نصَّاً.

كان اسمه يأتيني محفوفاً بالغرابةِ والدَّهشةِ: أب مقدَّس يلتفتُ إلى فتنتنا بالحداثةِ وعِراكنا حولَ التحديثِ والنثر في الشِّعر بل يصوغ نصوصا تفلت من شِباك التقليد الوزني لتعبر إلى الضفة التي نصطف فيها تحت لافتة التحديث العريضة ولكن الموحدة لنبضنا التوَّاق للتغيير في بنيةِ القصيدة التي تجمِّد دمها وتجعَّدت ملامحها ونالها من التقليد ما جعلها هدفاً للعزلة والانزواء خارج زمنها وإطار أو سياق عصرها الضاج بالتبدل والتغيير في مناحي الحياة المختلفة والفنون والآداب بالضرورة.

إذن كنتُ أتساءل ما الذي يأتي بخطى زائر سماوي إلى محنة دنيوية كالتي اضعنا عمرنا ووقتنا في تقليب أوجهها والمساهمة بتواضع في المنافحة عن الطرف المجدد فيها؟

كان لجيل الستينيات وشعراء كركوك - ولن أستخدم مصطلح جماعة لتحفظي عليه- يد واضحة الأثر في ذلك العراك - لا الحراك - فلفت انتباه الجميع هؤلاء القادمون من هناك حيث كركوك التي وصفها الأب يوسف بأنها مدينة ضاحكة بالنار والنور وأن هواءها معبأ بالقصيدة.. قدموا بثقافة أخرى مضافة لانغماسهم في لجَّة بغداد التي تمورُ بالجدلِ والتحوُّلِ ثقافياً متغلِّبةً على الواقع السياسي والاجتماعي ومتجاوزةً أزمنةَ التحجُّرِ والتفرقة.

وظهرت بصماتُهم في الشِّعر خاصةً والصحافة الثقافية والندوات لا سيما في مجلات: الشعر 69 والكلمة و شعر والآداب البيروتية والصفحات الثقافية في الصحف العراقية.

وكان الأب يوسف سعيد يظهر وسط ذلك المد الحداثي النشط بارزاً كمركزٍ للاصدقاءِ الشُّعراء والذين يمكن تبرير لقاء الأب بهم وفي رحاب الكنيسة بقوله هو نفسه في وصفهم (أنَّهم كرّسوا حياتهم تماماً للثقافةِ والشِّعر، يعيشون بزهدٍ، بلا طموحات مادّية أو وظيفية، وبقوا هكذا حتى الآن. ما يدهش هو أن هؤلاء جميعاً، حين التقيت بهم، كانوا في قلب الثقافة العالمية، يبحثون عن الجديد. واحدهم يحمل اكتشافه إلى الآخرين من دون أن يفصلهم أي انتماء ديني أو قومي أو سياسي) كما تدلنا عناوين كتبه الشعرية التي صدرت منذ الخمسينيات حتى العقود الأخيرة على منهجه الفكري، فهو - متمثلاً جبران خليل جبران - يرى ان الشاعر ليست مملكته في هذا العالم كما قال السيد المسيح عن نفسه ومن بعد يصبح الخيال فضاء الشاعر أو مملكته ويصير المنفى سفراً مستمراً كما يقول في عنوان ديوان له ظلَّ قريباً مني في أسفاري ومهاجري المتنوعه!

إنه (السفر داخل المنافي البعيدة) وفيه تتجلى طريقته الشعرية التي لا يمكن عدها ضمن شعرية قصيدة النثر لابتعاد قصائده عن إيقاعها ولغتها بل هو أقرب إلى الشعر الحر بالمعنى الإنجلو سكسوني أو الشعر المنثور في النظرية النقدية العربية.

شعر يستفيد من إيقاعات الخطابة ولغة الكتاب المقدس والصور المتجلية في خيال قريب للسوريالية التي ألهمت جبران ذلك الهيجان الصوري اللافت كتابة شعرية تقترب من موضوعها لتلامسه ثم تبتعد برهافة ورقّة وانتقاء لفظي وتركيبي تبرق بين ثناياه صور شديدة التاثير في المتلقي الذي يتابع نمو القصيدة فتأخذه لغتها بعيدا في طبقات القصيدة.

أطفر كخفش لأيائل في جزء من

وجهك السرمدي،

أتوقَّف، أراقب مواكب الآزال والآباد

أحتسي من خرير السواقي الخالدة

هذه المدرسة الشعرية المصطفة في الشعر المنثور او الحر باصطلاح جبرا ابراهيم جبرا ستفلح عبر نماذج الاب يوسف سعيد بإحياء الاسلوب الجبراني وأوليات أمين الريحاني في شعره المنثور وتجارب روفائيل بطي المبكرة في النصف الاول من العشرينيات.

وعبر هذا الوئام بين الروحي والشعري، بين الإشراقي واليومي، المعنى والشكل تجدد شعر الأب يوسف سعيد وكان ضمن رعيل الحداثيين حيث استقبلته مجلة شعر وهي في عنفوان دعوتها لقصيدة النثر وهجوم التقليديين على حركات التجديد الشعرية والثقافية عامة.

لقد ودع الأب يوسف سعيد عالمنا المكتظ بالألم واستقرَّ سفره بين المنافي البعيدة أو داخلها كما يصر أن يقول ليرسي بسلام روحه وطمأنينتها بينما تظل كلماته تملأ الأفئدة بيقين نموذجي عن إخاء الروحي والدنيوي، والشعري والقدسي.

بما يمكن وصفه بوعي مضاف لشخصية الراحل الفذ شاعراً وإنساناً.