ليون تروتسكي .. “حياتي: محاولة في كتابة سيرة ذاتية”.

ليون تروتسكي .. “حياتي: محاولة في كتابة سيرة ذاتية”.

ارتبط اسم ليون تروتسكي بكافة المحطات الرئيسية للثورة في روسيا، سواء الثورة الأولى عام 1905 التي أجهزت عليها القيصرية بالقمع والاعتقال والنفي والإعدامات، أو ثورة العام 1917 التي انتصرت على القيصرية وظلَّت تنبض بالحياة طيلة سنوات حتى صعدت الستالينية على أنقاضها في منتصف العشرينيات.

منذ حياته السياسية المبكرة، ظلَّ المؤلف يدافع عن الثورة الاشتراكية، بالنضال السياسي والنظري والأدبي، كحلٍّ جذريٍّ وحيد لمعاناة عشرات الملايين من الفلاحين والعمال والمُهمَّشين الروس من الاستغلال والاضطهاد والقمع. أخذ يخوض في سجالاتٍ نظريةٍ وسياسية أولًا ضد الأفكار الإصلاحية التي دعت للمواءمة مع النظام القيصري، راعي الإقطاع والرأسمالية، وإدخال إصلاحات فيه لا إسقاطه، وثانيًا ضد أفكار وممارسات الإرهاب الفردي التي تستبدل نضال الجماهير ولا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى توطيد أركان النظام.
برز ليون تروتسكي في ثورة 1905 كقائدٍ ورئيسٍ مُنتَخَب لسوفييت مدينة بطرسبورج (عاصمة روسيا آنذاك)، ذلك المجلس الذي أسَّسه العمال من مندوبين اختاروهم بالانتخاب من مواقع العمل والأحياء كجهازٍ قيادي وتنظيمي للثورة. مُنِيَت هذه الثورة بالهزيمة إثر الضربات القاضية التي سدَّدَتها لها القيصرية، وبحلول منتصف العام 1907 بات من الواضح أن هذه الموجة من الثورة قد انتهت بالكامل. كان المؤلف وقتذاك في منفاه السيبيري، الذي تمكَّن من الهرب منه إلى أوروبا، ليواصل النضال بقلمٍ في يده؛ يكتب ويحرِّر ويصدر الصحف، ويسعى جاهدًا للحفاظ على تراث الثورة المهزومة واستخلاص خبراتها من أجل المستقبل، محاولًا أيضًا الاشتباك في المعارك الصغيرة التي أخذت في التصاعد شيئًا فشيئًا بعدما ابتلعت الجماهير مرار الهزيمة.
واصَلَ تروتسكي هذا النضال بدأبٍ وثبات من منفاه الأوروبي، بينما كانت النضالات في الداخل الروسي تتكثَّف في الأفق في مسارٍ يُنبِئ بثورةٍ على الأبواب (بالأخص في الفترة من 1912 إلى 1914)، إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى لتقطع هذا المسار وتُشوِّش الجماهير وتُلطِّخ الأجواء بصبغةٍ قومية سَمَحَت للقيصرية الروسية –كما لأغلب دول أوروبا- بتدشين حملاتٍ من القمع تكبت بها النضالات الجماهيرية.
انخرط المؤلف في النضالات المحلية للحلقات والأحزاب الثورية في أغلب البلدان التي مرَّ عليها. لكن المنفى لم يكن يعني أن المؤلف كان بعيدًا عن مُتناوَل القمع، إذ لاحقته الشرطة السرية القيصرية أينما كان، وأخذت في أكثر من بلدٍ تُحرِّض السلطات المحلية على معاقبته وطرده. ونتيجةً لذلك، كما نتيجةً لنشاطه الثوري بالطبع، حُكِم عليه غيابيًا بالسجن في ألمانيا عام 1915، وفي العام التالي طُرِدَ من فرنسا، فرَحَلَ إلى إسبانيا، التي طُرِدَ منها هي الأخرى في العام نفسه متجهًا إلى نيويورك حيث مَكَثَ هناك فترةً وجيزةً حتى تمكَّن من العودة إلى روسيا بعدما أطاحت الثورة بالقيصر ورجاله في فبراير 1917.
لدى عودته، قابَلَ المؤلف ترحيبًا واسعًا في أوساط الثوار، على خلفية سمعته كقائدٍ لسوفييت العاصمة في الثورة الأولى ونضاله المتواصل مذاك الحين، لكنه قوبِلَ أيضًا بتوجُّسٍ حذِر من الإصلاحيين الذين أرادوا توقيف الثورة عند حدِّ إسقاط القيصر دون استكمالها لتضرب الأسس الطبقية لكافة مظالم المجتمع الروسي. ولم تمض إلا بضعة أشهر حتى انتُخِبَ ثانيةً رئيسًا لنفس السوفييت الذي تشكَّل من جديد في 1917 استنادًا لخبرات الثورة الأولى، والذي احتذت به كافة المدن الروسية لتأسيس سوفييتاتها. قاد تروتسكي الثورة الروسية، دعايةً وتحريضًا، جنبًا إلى جنب مع لينين وغيرهما الكثيرين، حتى تمكَّنَت السوفييتات من الاستيلاء على السلطة بزعامة الحزب البلشفي في أكتوبر.
ترأس تروتسكي الوفد الروسي في مفاوضات بريست ليتوفسك، كمُفوَّضٍ للشؤون الخارجية، من أجل انسحاب روسيا من الحرب العالمية، كمطلبٍ شعبي نادت به الثورة. خاض في هذه المفاوضات بعضًا من أقوى السجالات وأشدِّها حدَّة ضد أباطرة وجنرالات ودبلوماسيي أكبر قوى أوروبا الإمبريالية، دفاعًا عن ثورة وعمال وفلاحي روسيا في تحقيق السلام. وبعدما وضعت الحرب العالمية أوزارها، بما تكبَّدَته روسيا من خسائر فائقة لأجل أن تنعم بالسلام، دعمت أوروبا جنرالات القيصر السابق بجيوشٍ كبرى (في ما عُرِفَ إجمالًا بالجيش الأبيض) لسحق السوفييتات في حربٍ أهلية استمرت من العام 1918 إلى 1921. وفي مواجهة الغزو الأجنبي، توجَّه المؤلف لبناء جيش الجمهورية السوفييتية.
لم تكن لدى تروتسكي خبرةٌ عسكرية تُذكَر إلا من خلال عمله كمراسلٍ صحفي أثناء الحرب العالمية. واجَهَته الكثير من المصاعب في التقنيات والتدريبات العسكرية اللازمة للعمال والفلاحين المُتطوِّعين في الجيش الأحمر الوليد. ومن أجل مواجهة جيوشٍ مركزيةٍ جرَّارة فائقة العسكرة، أدخَلَ تروتسكي انضباطًا صارمًا داخل الجيش في مراحل لاحقة من بنائه. لكن هذا الانضباط لم يكن مبنيًا قط على الولاء الأعمى أو الخوف من بطش القيادات أو المنطلقات الوطنية المجردة، بل على التماسك السياسي على قيم ومبادئ الثورة الاشتراكية والحماس الشعبي للدفاع عنها. أمضى تروتسكي السنوات الثلاث لهذه الحرب في ما عُرِفَ بـ”قطار الحرب”؛ يجول جبهات القتال جيئةً وذهابًا، ويلتقي الضباط والجنود في كلِّ كتيبةٍ؛ يخطب فيهم ويُحدِّثهم ويناقشهم. وفي القطار، يعقد الاجتماعات ويُجري الاتصالات ويكتب ويحرر ويصدر منشورات الجيش وصحيفته السياسية. يسرد المؤلف في هذا الكتاب عددًا كبيرًا من القصص التفصيلية لفِرَقٍ من الجنود أرعبهم القتال وزعزع عزيمتهم، لكنهم يتقدَّمون في صدارة القتال دفاعًا عن الثورة بعد نقاشه هو والضباط معهم. النقاش والإقناع والتماسك السياسي، كان هذا هو الأولوية الأولى في بناء الجيش الأحمر وسبيله في تحقيق الانتصار تحت قيادة تروتسكي.
في كافة مراحل حياته، تصدَّر تروتسكي الدفاع عن الثورة، ووَهَبَ لذلك عمره بأكمله منذ بدأ النضال السياسي في 1897 (كان في الثامنة عشر من عمره). كان ذلك دفاعًا سياسيًا عنها كخيارٍ لابد منه حتى في أقسى فترات الركود الجماهيري، ودفاعًا سجاليًا ضد خصومها وأولئك الذين ابتغوا تبديدها بمجرد أن بدأت، ودفاعًا عسكريًا حين تطلَّب الأمر ذلك خلال ثلاث سنواتٍ من الحرب الأهلية، وحتى دفاعًا تاريخيًا لم يتوان عنه بقية حياته في مواجهة تزييفات وافتراءات الستالينية.
من مقدمة كتاب « حياتي « ليون تروتسكي: “ – ترجمة أشرف عمر