ماسينيون والألوسيين في بغداد سنة 1907

ماسينيون والألوسيين في بغداد سنة 1907

د . صباح الناصري

حـصـل لـويـس مـاسـيـنـيـون عـام 1906 عـلى شـهـادة في “الـلـغـة الـعـربـيـة الـفـصـحى والـعـامـيـة” مـن مـدرسـة الـلـغـات الـشّـرقـيـة في بـاريـس. وقـد عـيّـن في نـفـس الـعـام، وكـان في الـثّـالـثـة والـعـشـريـن مـن عـمـره، عـضـواً في الـمـعـهـد الـفـرنـسي لـلآثـار الـشّـرقـيـة في الـقـاهـرة (IFAO- Institut français d’archéologie oriental).

 

واكـتـشـف في ربـيـع عـام 1907 الـمـتـصـوّف الـبـغـدادي الـحـسـيـن بـن مـنـصـور الـحـلّاج، الّـذي انـجـذب إلـيـه حـتّى شـغـل عـلـيـه لـبّـه.

وعـهـدت إلـيـه وزارة الـتّـربـيـة الـفـرنـسـيـة في خـريـف ذلـك الـعـام بـرئـاسـة بـعـثـة أثـريـة إلى الـعـراق. وحـصـلـت لـه وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة عـلى فـرمـان مـن الـبـاب الـعـالي يـسـمـح لـه بـالـقـيـام بـهـا، فـقـد كـانـت بـغـداد ومـا حـولـهـا ولايـة عـثـمـانـيـة.

ويـبـدو أنّـه لـم يـطـلـب الـقـيـام بـهـذه الـمـهـمّـة، وأنّ الـصّـدفـة هي الّـتي أتـاحـت لـه أن يـذهـب إلى بـغـداد لـيـقـتـرب مـن قـبـر الـحـلّاج. وكـان هـدف الـبـعـثـة، كـمـا سـبـق أن ذكـرنـا، دراسـة مـواقـع الآثـار الإسـلامـيـة في بـغـداد ومـا حـولـهـا ونـصـوص الـكـتـابـات الـمـنـقـوشـة عـلـيـهـا، أي الـقـيـام بـمـسـح طـوبـوغـرافي وتـاريـخي لـبـغـداد ولـمـواقـع أخـرى في الـعـراق.

ولأنّ مـاسـيـنـيـون لـم يـكـن مـخـتـصّـاً بـقـراءة الـكـتـابـات والـنّـقـوش، فـقـد طـلـب لإعـداد مـهـمـتـه، مـسـاعـدة مـاكـس فـان بـيـرشـم Max Van Berchem الّـذي كـان مـن أهـمّ الـمـخـتـصّـيـن في هـذا الـمـيـدان. وبـدأ مـعـه مـراسـلـة دامـت فـتـرة طـويـلـة. وقـد سـاعـده بـعـد انـتـهـاء مـهـمـتـه عـلى قـراءة الـنّـصـوص وتـرجـمـتـهـا.

غـادر لـويـس مـاســيـنـيـون مـيـنـاء مـرسـيـلـيـا، في جـنـوب فـرنـسـا، عـلى مـتـن بـاخـرة في تـشـريـن الـثّـاني 1907. ومـرّ بـعـد أسـبـوع بـبـورسـعـيـد، ثـمّ وصـل إلى الـبـصـرة في 8 كـانـون الأوّل، وإلى بـغـداد في يـوم 19 مـن ذلـك الـشّـهـر.

وقـد قـرر مـنـذ بـدايـة إقـامـتـه في بـغـداد أن “يـنـغـمـس في الـلـغـة الـعـربـيـة في أرض عـربـيـة”. أي أن يـبـتـعـد مـا أمـكـنـه عـن الأوربـيـيـن فـيـهـا. وقـد كـتـب في مـقـدمـة تـقـريـره الّـذي أرسـلـه بـعـد ذلـك إلى بـاريـس عـام 1910، أنّ الـبـدء بـبـحـوثـه تـطـلّـبـت أوّلاً إعـداد “قـاعـدة عـمـلـيـات” في بـغـداد يـنـطـلـق مـنـهـا إلى أنـحـاء الـمـديـنـة وإلى خـارجـهـا. كـمـا تـطـلّـبـت تـوثـيـق عـلاقـاتـه بـطـائـفـة الـعـلـمـاء والـمـتـعـلّـمـيـن.

وعـنـدمـا عـرف أنّ آل الآلـوسي كـانـوا مـن أهـمّ بـيـوت الـعـلـم والـتّـقـوى في بـغـداد، قـرر أن يـذهـب لـمـقـابـلـتـهـم.

وكـتـب بـعـد ذلـك عـن الآلـوسـيـيَـن في مـقـال عـنـوانـه “الأسـاتـذة الّـذيـن قـادوني في حـيـاتي” : “أدركـت أنـني لـن أتـوصـل إلى شئ وحـدي، فالأجـنـبي هـنـا عـادة عـدو، فـهـو إمّـا جـاسـوس أو تـاجـر يـحـاول أن يـربـح أكـثـر مـا يـسـتـطـيـعـه. ولـم يـكـن لي أمـل في الـتّـقـرّب مـن الـمـسـلـمـيـن. ولـهـذا ذهـبـت عـنـدهـم […] واسـتـجـرت بـهـم، فـأجـاروني، لأنّ هـنـاك شئ في حـيـاة الـنّـاس وفي أخـلاقـهـم اسـمـه “الـضّـيـافـة”.

وقـد اسـتـقـبـلـه الـشّـيـخ مـحـمـود شـكـري الألـوسي وابـن عـمّـه الـحـاج عـلي عـلاء الـدّيـن الآلـوسي بـشئ مـن الـحـذر والإحـتـيـاط في الـبـدايـة، وسـألاه عـن أسـبـاب مـجـيـئـه إلى بـغـداد قـبـل أن يـثـقـا بـه ويـفـتـحـا لـه أبـوابـهـمـا.

وكـان الـشّـيـخ مـحـمـود شـكـري بـن عـبـد الله بـهـاء عـالـمـاً مـهـيـبـاً في الـرّابـعـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـره، يـلـقي دروسـه في جـامـع الـحـيـدرخـانـة ،أمّـا عـلي عـلاء الـدّيـن بـن نـعـمـان خـيـر الـدّيـن، الّـذي تـولى قـضـاء بـغـداد ويـدرّس في الـمـدرسـة الـمـرجـانـيـة، فـقـد كـان في الـسّـابـعـة والأربـعـيـن مـن عـمـره . قـد ذكـر مـاسـيـنـيـون بـعـد ذلـك عـدّة مـرّات كـيـف غـمـره الـحـاج عـلي الآلـوسي بـحـنـوّه “الأبـوي” : “الـضّـيـافـة diyafa أوالـدّخـلـة dakhalla عـنـدي شئ مـقـدّس. وأدركـت أنّ هـذا الـرّجـل يـضـفي عـلـيـهـا مـعـنىً يـتـجـاوز الأبـويـة، مـعـنىً روحـيـاً. وقـد تـقـبّـلـني كـمـا كـنـت […] وكـنـت قـد أتـيـت لأحـطّ عـلى سـطـح داره مـثـل طـائـر غـريـب جـاء مـن بـعـيـد. ولـم يـحـاول أن يـدجـنـني. وفي ذلـك الـوقـت الّـذي لـم أجـد مـكـانـاً غـيـره أشـرب فـيـه مـا هـو أشـدّ صـفـاءً [مـمـا عـنـده]، سـقـاني الـعـقـيـدة الإسـلامـيـة كـمـا كـان يـفـهـمـهـا في كـلّ نـقـاء قـلـبـه”.

وقـد أجّـر لـه الآلـوسـيـان داراُ في مـنـطـقـة الـحـيـدرخـانـة في يـوم 7 كـانـون الـثّـاني 1908، لـ “يـنـغـمـس في الـلـغـة الـعـربـيـة في أرض عـربـيـة”، كـمـا كـان قـد قـرر أن يـفـعـلـه مـنـذ وصـولـه إلى بـغـداد. وقـد سـكـنـهـا مـدّة إقـامـتـه في بـغـداد الّـتي دامـت حـوالي سـتّـة أشـهـر.

وقـد ارتـدى مـاسـيـنـيـون الـزّي الـبـغـدادي، وحـضـر دروس الـشّـيـخـيـن الآلـوسـيـيـن في جـامـع الـحـيـدرخـانـة وفي الـمـدرسـة الـمـرجـانـيـة في أشـهـر شـتـاء ذلـك الـعـام. وكـان مـن أهـدافـه، كـمـا ذكـره هـو نـفـسـه : “فـهـم الإسـلام مـن الـداخـل لـلـوصـول إلى انـفـتـاح ذهـني”.

وسـاعـده الآلـوسـيـان عـلى الـقـيـام بـمـهـمـات بـعـثـتـه الـعـلـمـيـة، عـنـدمـا كـرّس أغـلـب أوقـاتـه في أشـهـر كـانـون الـثّـاني وشـبـاط وآذار مـن عـام 1908 لـلـقـيـام بـمـسـح طـوبـوغـرافي تـاريـخي في مـديـنوقـد ذكـر لـويـس مـاسـيـنـيـون في كـلامـه عـن الـمـدرسـة الـمـرجـانـيـة :

“حـصـل الـمـدرّس نـعـمـان الآلـوسي قـبـل 35 سـنـة مـن الـحـكـومـة الـتّـركـيـة عـلى سـمـاح بـتـرمـيـم الـمـدرسـة الـمـرجـانـيـة، وهي الّـتي مـدّتـه بـالـمـبـالـغ الـضّـروريـة لـذلـك ولـيـلـقي بـدروسـه فـيـهـا. ومـا زال ابـنـه الـحـاج عـلي يـدرّس فـيـهـا لـمـجـمـوعـة مـن الـطّـلّاب”، “ومـكـتـبـتـهـا تـسـتـحـق الـذّكـر، وفـيـهـا مـخـطـوطـة فـهـارس كـتـبـت بـيـد نـعـمـان الآلـوسي لـلـكـتـب الّـتي تـحـتـويـهـا” :ـة بـغـداد. فـلـولاهـمـا لـمـا تـوصّـل إلى الإطّـلاع عـلى بـعـض الـوثـائـق الـقـديـمـة وعـلى الـكـثـيـر مـن الـمـخـطـوطـات الّـتي تـخـصّ الأوقـاف. وقـد قـدّمـه الـحـاج عـلي الآلـوسي لأصـحـاب الـعـقـارات الّـذيـن زوّدوه بـمـعـلـومـات عـنـهـا. وهـكـذا اسـتـطـاع دراسـة الأوقـاف الـمـرتـبـطـة بـجـامـع الـمـرجـانـيـة.

كـمـا كـتـب أنّـه اعـتـمـد في نـسـخ أعـداد مـن الـنّـقـوش والـكـتـابـات الّـتي نـشـرهـا في نـتـائـج بـعـثـتـه الـعـلـمـيـة عـلى مـا كـان قـد نـسـخـه قـبـلـه الـشّـيـخ نـعـمـان الآلـوسي، ومـا وضـعـه مـنـهـا الـشّـيـخ مـحـمـود شـكـري الآلـوسي في “كـتـاب أخـبـار بـغـداد ومـا جـاورهـا مـن الـبـلاد” .كـمـا اسـتـطـاع بـفـضـل الآلـوسـيـيَـن الـتـقـاط صـور فـوتـوغـرافـيـة لـهـا.

ورغـم قـلّـة مـيـلـهـمـا لـلـتّـصـوّف، فـقـد سـاعـده الآلـوسـيـان عـلى إيـجـاد عـدد مـن الـنّـصـوص الـمـكـتـوبـة عـن الـمـتـصـوّف الـبـغـدادي الـحـسـيـن بـن مـنـصـور الـحـلّاج في مـكـتـبـات بـغـداد. وكـتـب مـاسـيـنـيـون عـن الـحـاج عـلي عـلاء الـدّيـن أنّـه : “هـو الّـذي سـاعـدني عـلى إيـجـاد كـلّ الـنّـصـوص الـمـكـتـوبـة عـن الـحـلّاج، ولـولاه لـمـا وجـدتـهـا” .وأريـاه مـخـطـوطـة مـن الـقـرن الـسّـابـع عـشـر كـانـت في الـمـكـتـبـة الـمـرجـانـيـة عـن مـتـصـوّفي بـغـداد، وسـاعـداه عـلى قـراءتـهـا. ووجـدا لـه فـيـهـا مـكـان قـبـر الـحـلّاج. وقـد الـتـقـط لـلـقـبـر صـورة نـشـرهـا في نـهـايـة الـجـزء الـثّـاني مـن نـتـائـج الـبـعـثـة، وكـتـب أن الـجـامـع الّـذي نـراه عـلى الـيـسـار، خـلـف الـضّـريـح هـو جـامـع الـشّـيـخ مـعـروف.

وذكـر أنّـه تـنـاقـش مـع الـشّـيـخـيـن الآلـوسـيـيَـن طـويـلاً عـن الـحـلّاج ومـعـتـقـداتـه.وقـد حـضّـر لـويـس مـاسـيـنـيـون بـعـد ذلـك أطـروحـة عـن الـحـلّاج في جـامـعـة الـسّـوربـون نـال عـنـهـا شـهـادة الـدّكـتـوراه عـام 1922. ونـادراً مـا قـرأت عـن مـسـاعـدة الآلـوسـيـيَـن لـه في جـمـع مـصـادرهـا الـرّئـيـسـيـة. وأكـرر هـنـا أنّـه لـولاهـمـا لـمـا اسـتـطـاع حـتّى أن يـبـدأ بـتـحـضـيـرهـا.

وقـد قـام مـاسـيـنـيـون والآلـوسـيـان بـأبـحـاث مـشـتـركـة، مـثـل الـدّراسـة الّـتي قـامـوا بـهـا ثـلاثـتـهـم عـن الـلـغـة الـعـامـيـة الـبـغـداديـة، والّـتي نـتـج عـنـهـا تـحـقـيـقـهـم لـ “رسـالـة الأمـثـال الـبـغـداديـة الّـتي تـجـري بـيـن الـعـامـة لـلـقـاضي أبي الـحـسـيـن عـلي بـن الـفـضـل الـمـؤيـدي الـطّـالـقـاني، جـمـعـهـا في سـنـة 421 هـجـريـة”.

تـرك لـويـس مـاسـيـنـيـون بـغـداد في 22 آذار 1908 لاسـتـطـلاع قـصـر الأخـيـضـر. وقـد أعـدّ لـه قـنـصـل فـرنـسـا في بـغـداد قـافـلـة كـامـلـة بـخـيـولـهـا وخـدمـهـا. وبـدأ بـتـفـحّـص الـقـصـر في 31 آذار. ويـبـدو أنّ رجـالاً مـن عـشـيـرة أعـراب هـاجـمـوه ومـصـاحـبـيـه.

وكـتـب في الـتّـقـريـر الّـذي أرسـلـه في 3 تـشـريـن الأوّل 1908 إلى بـاريـس : “وبـدأت في 1 أيّـار اضـطـرابـات في مـنـطـقـة واسـط. وأجـبـرت عـلى الإنـسـحـاب نـحـو بـغـداد الّـتي وصـلـتـهـا في الـخـامـس مـن أيّـار والـتـزمـت الـفـراش بـعـد أن أصـبـت بـالـمـلاريـا” ،وعـنـدمـا بـلـغ بـغـداد في 5 أيّـار نـقـل إلى مـسـتـشـفى لـيـعـالـج فـيـهـا مـن حـمى شـديـدة ومـن هـذيـان كـان يـعـاني مـنـهـمـا. وبـقي فـيـهـا إلى يـوم 23 أيّـار. وقـد تـدهـورت حـالـتـه الـصّـحـيّـة إلى حـدّ أنّ الـجـمـيـع كـانـوا يـعـتـقـدون أنّـه كـان يـلـفـظ أنـفـاسـه الأخـيـرة. وبـقي الآلـوسـيـان قـرب فـراشـه في مـسـاء الـسّـابـع مـن أيّـار 1908، وقـضـيـا الـلـيـل بـجـانـبـه يـقـرآن سـورة “يـس”. وعـاد إلى مـاسـيـنـيـون وعـيـه في آخـر هـزيـع مـن الـلـيـل. وبـلـغـه صـوتـاهـمـا فـأدرك مـدى الـعـمـق الـرّوحي لـضـيـافـتـهـمـا، وتـأثّـر تـأثـراً عـمـيـقـاً مـن دعـاء هـذيـن الـمـسـلـمـيـن لـه وهـو الـمـسـيـحي الـغـريـب. وأحـسّ بـأنّ الـنّـصّ الـقـرآني لـن يـبـعـده عـنـهـمـا بـل يـقـرّب مـن مـؤمـنـيـن تـخـتـلـف أديـانـهـمـا.

وقـد طـلـبـت مـنـه وزارة الـخـارجـيـة الـفـرنـسـيـة بـعـد وصـول تـقـريـره عـن تـدهـور حـالـتـه الـصّـحـيّـة أن يـنـهي مـهـمـتـه في بـغـداد ويـعـود إلى بـاريـس.وغـادر لـويـس مـاسـيـنـيـون بـغـداد في 4 حـزيـران مـتـجـهـاً إلى بـيـروت بـصـحـبـة الأب أنـسـتـاس مـاري الـكـرمـلي الّـذي كـان قـد تـعـرّف عـلـيـه في بـغـداد، وبـصـحـبـة الـطّـبـيـب الـدّكـتـور إسـكـنـدريـان. ومـن بـيـروت سـافـر مـاسـيـنـيـون والأب الـكـرمـلي عـن طـريـق الـبـحـر إلى مـرسـيـلـيـا، في جـنـوب فـرنـسـا.

عن ( بـيـن دجـلـة والـفـرات مـدونـة الـدّكـتـور صـبـاح الـنّـاصـري )