الحالم بعرش العراق يموت منفياً في مصر

الحالم بعرش العراق يموت منفياً في مصر

د. هادي حسن عليوي
انه ياسين حلمي الهاشمي من مواليد بغداد 1882 فيما يشير التقرير البريطاني الى انه من اصل كركوكلي وربما تحدر من سلالة تركية سلجوقية كان والده مختار محلة البارودية ببغداد يستأجر بساتين محمد فاضل باشا الداغستاني ويستغلها لحسابه الخاص, اكمل ياسين الكلية العسكرية في اسطنبول ثم الاركان وشغل عدة مناصب في الجيش العثماني

 وكذلك في سوريا خلال حكم الملك فيصل الاول وبعد عودته الى العراق شغل عدة مناصب مدنية ثم اصبح وزير الاشغال والمواصلات في وزارة عبد المحسن السعدون عام 1922 ولما كان ياسين الهاشمي زعيم المعارضة النيابية فقد شكل حزب الشعب كحزب التقدم الذي يرأسه عبد المحسن السعدون .
وزارته الاولى :ـ
بعد استقالة حكومة جعفر العسكري في 2 اب 1924 التي اقتصرت على تصديق المعاهدة العراقية - البريطانية لعام 1922 كلف المعتمد البريطاني في بغداد السير بيرسي كوكس ياسين الهاشمي لرئاسة الوزارة كونه المعارض لها وعليه تنفيذها كما ان الملك فيصل الاول وجد في الهاشمي شخصية قوية يمكنه انتزاع حقوق العراق واجراء التعديلات المطلوبة في المعاهدة لقد ادخل ياسين في وزارته اربعة وزراء جدد لم يسبق ان استوزروا وهم : رشيد عالي الكيلاني والشيخ محمد رضا الشبيبي ومزاحم الباجه جي وابراهيم الحيدري . كما احتفظ لنفسه بوزارة الدفاع ايضا ولما انجز الهاشمي الانتخابات النيابية كان يطمح ان تكون الاغلبية فيه له لكن الملك ارادها لنوري السعيد وجعفر العسكري فلم يجد الهاشمي بدا من تقديم استقالته في 25حزيران عام 1925 والتي قبلها الملك .

حزب الاخاء الوطني :ـ
كان فوز رشيد عالي الكيلاني برئاسة المجلس النيابي قد اكسب حزب الشعب بعض القوة وحينما الف جعفر العسكري وزارته الثانية في 21 تشرين الثاني عام 1926 اشترك فيها ياسين الهاشمي ممثلا عن حزب الشعب . وجاء في تبرير هذا الاشتراك : ان العراق مقبل على مفاوضات جدية مع بريطانيا مما يستلزم جمع الجهود والكفاءات للوصول الى نتيجة ايجابية تخدم البلد .. غير ان هذا الاشتراك كان يعني طمس معالم الاختلاف بين الحزب الحاكم والحزب المعارض وكان ذلك بداية ازمة داخلية في الحزب زادها شدة انصراف الهاشمي عن الحزب وضعف تمسكه بالالتزمات الحزبية حتى ان اغلب اعضاء الحزب تسنموا وظائف عالية في الدولة وغيرهم ترك العضوية بعد ان فتر نشاطه المعارض كل ذلك ادى الى اغلال الحزب وتلاشيه .
وبقي ياسين وزيرا للمالية في وزارة جعفر العسكري ومن ثم في وزارة ناجي السويدي التي تشكلت في تشرين الثاني 1929 لكن ياسين استقال في اذار 1930 واعيد انتخابه لمجلس النواب في الانتخابات العامة لسنة 1930 وقاد المعارضة ضد حكومة نوري السعيد . حيث ينظم المعارضة البرلمانية وقام بتاسيس حزب الاخاء الوطني الذي اجازته وزارة الداخلية في 25 تشرين الثاني عام 1930 ويعتبر حزب ياسين الهاشمي وحزب الاخاء الوطني من اقوى الاحزاب السياسية في الثلاثينيات في العراق لتمتع ياسين الهاشمي وبعض قادته الاخرين بشخصية قوية . وقد تالفت الهيئة المؤسسة للحزب من رشيد عالي الكيلاني وناجي السويدي وياسين الهاشمي و علي جودت الايوبي وكامل الجادرجي وعبد الاله حافظ ومحمد زكي البصري ويوسف غنيمة ونوري السعيد وجعفر العسكري فلم يجد الهاشمي بدا من الاستقالة التي قبلها الملك في 25 حزيران 1925 .

وزارة الهاشمي الثانية :ـ
في السابع عشر من اذار 1935 شكل ياسين الهاشمي وزارته الثانية وكانت على النحو الاتي :ـ
1.ياسين الهاشمي –رئيسا للوزراء.
2.رشيد عالي الكيلاني –وزيرا للداخلية.
3.رؤوف البحراني –وزيرا للداخلية.
4.محمد زكي البصري –وزيرا للعدلية.
5.نوري السعيد –وزيرا للخارجية.
6.جعفر العسكري-وزيرا للدفاع.
7.محمد رضا الشبيبي-وزيرا للمعارف .
8.محمد امين زكي – وزيرا للاقتصاد والمواصلات .
وتمكنت هذه الوزارة من دعوة القبائل الى القاء السلاح والتعاون مع الحكومة كما حاول الهاشمي اصلاح الادارة فعندما تسلم الوزارة كانت البلاد تغلي غليان المرجل البخاري فقد تعطلت التجارة وفقدت الثقة واصيبت المرافق العامة باضرار جمة وكشر الضعف على مؤسسات الدولة عن انيابه وكان الجيش مايزال مرابطا في اطراف لواء الديوانية بعد القضاء على تمرد العشائر هناك فأراد الهاشمي ان يهدئ الخواطر فاوعز الى وزير الداخلية لاتخاذ الاجراءات الكفيلة لاصلاح الادارة .
وفعلا دعا الموظفين الى احترام القوانين وتجنب الفساد كما عمدت الوزارة الى سحب بعض الاداريين الذين اساءوا التصرف في وحداتهم الادارية وشوهوا سمعة الحكومة وان كان هؤلاء من انصارها ومؤيديها .
وبعد ان عطل الهاشمي الاحزاب اجتمع نواب المجلس الجديد في 1935 وقرروا تاليف هيئة نيابية تقوم مقام الاحزاب والتي تستند اليها الحكومة وانتخب ياسين رئيسا لهذه الهيئة .

مطامح ياسين بالعرش :ـ
منذ تولي غازي العرش لم يسمح للسلطة التنفيذية ان تغطي على صلاحياته الدستورية كما خيب امال بعض السياسيين الذين رأوا في حداثة سنه وقلة خبرته مايجعله اداة بايديهم, وهكذا وجد ياسين الهاشمي ونوري السعيد والسفارة انه لابد من الوقوف بوجه غازي فشكل نوري السعيد والسفارة البريطانية جبهة واستخدموا جعفر العسكري لشغل منصب رئيس الديوان الملكي للاشراف على غازي والتاثير عليه فيما استخدم ياسين الهاشمي حزب الاخاء الوطني واثارة العشائر للضغط على غازي واخذت السفارة البريطانية بتشجيع ياسين منافسا قويا له في توجهاته القومية في العراق .. وجاء زواج اخت الملك غازي الاميرة عزة من خادم في فندق يوناني في نهاية شهر ايار عام 1936 ليحكم ياسين قبضته على الملك مستغلا مسألة الزواج ابشع استغلال بدعم السفارة البريطانية ونوري السعيد لابعاد غازي عن العرش او جعله ملكا اسميا فقط من جانب اخر كان زواج اخت الملك صدمة كبيرة على الملك نفسه فأستغل ياسين تردي صحة الملك غازي النفسية لمحاولة جمع كل القوى السياسية والسفارة البريطانية الى جانبه لتكليف رئيس الوزراء بصلاحيات التاج الى ان يستعيد غازي صحته النفسية فوافق السفير البريطاني على ذلك, وهكذا استطاع ياسين ابعاد كل العناصر التي لاترغب بما كان يدور في نفس ياسين في محاولة لشل تحركها كليا, واخيرا اصدر ياسين قانون الاسرة الملكية رقم 75لسنة 1936 الذي يقيد حركة غازي بشكل تام .
تمكن ياسين من شل تصرفات غازي فبدأ خلال شهر حزيران 1936 انه لايستطيع ان يتصرف بابسط الاشياء دون ان يأخذ موافقة رئيس الوزراء وذلك بعد ان يفاتح رئيس الديوان الملكي بواسطة دائرة المرافقين وهكذا استطاع ياسين ان يحول الملك فعلا الى مجرد رمز .

استفاقة الملك واتجاه ياسين لاعلان الجمهورية :ـ
ان خضوع الملك لضوابط ياسين لم تستمر طويلا ففي اوائل تموز 1936 ظهرت بوادر محاولاته لاستعادة سلطته والظاهر ان التخلخل الذي ظهر داخل الوزارة قد ساعد الملك على استعادة شيء من نشاطه السياسي ففي 28تموز 1936 طلب الى الوزراة اعادة النظر في نظام تشريفات الدولة الذي كان قد اقره مجلس الوزراء وفي 9اب 1936 اعترض الملك على فصل مديرية الاثار القديمة عن مديرية التربية والتدريس .
من جانب اخر حاول الملك توسيع شقة الخلاف بين ياسين ورشيد عالي الكيلاني من جهة ونوري السعيد وجعفر العسكري ضد ياسين من جهة اخرى فاخذ يخبر ياسين بمشاغبات نوري وجعفر ضده اي ضد ياسين وبالفعل حاول ياسين اضعاف تكتل نوري و جعفر بتعيين جعفر سفيرا في انكلترا الا انه واجه معارضة نوري .
كما ان ازدياد شدة المعارضة للوزارة الهاشمية خلال الفترة التالية اعطى زخما اخر للملك على طريق استعادة سلطته للوزارة في اب 1936 بسبب استخدامها القسوة ضد العشائر وموافقتها على اتفاقية سكة الحديد مع بريطانيا من ناحية اخرى وكان لعودة جريدة صوت الاهالي باشراف حكمت سليمان وجعفر ابو التمن دور واضح في التركيز على انتقاد سياسة الحكومة مما دفع بالحكومة الى مداهمة مبنى الجريدة ومصادرتها في 12 اب 1936.
استغلت المعارضة ذلك العمل من ياسين فرفعت احتجاجا في نفس اليوم الى الملك موقعا من حكمت سليمان وجعفر ابو التمن وكامل الجادرجي كشفت فيه الاعمال المشينة التي قامت بها حكومة ياسين الهاشمي وطالبت الملك باصدار الادارة بوضع حد لها حماية للدستور . لم يشجع الملك الرجال الثلاثة على التمادي في معارضة الوزارة بل نصحهم باتباع الحكمة والحلم اعتمادا منه على وطنيتهم بان يعتصموا بالهدوء ريثما يحين الوقت المناسب لعمل اللازم .
بدأ الملك يهتم بانقاذ شعبيته بين الناس فاخذ يرعى جميع الاعمال الاجتماعية والخيرية وعندما علم بان في نية ياسين زيارة الشمال قرر هو الاخر القيام بجولة لزيارة شمال العراق حتى اصبحت مسألة سبقه ياسين في القيام بتلك الجولة شيئا يثير احتجاج الملك ويبعث على استيائه .

قانون التجنيد الاجباري :ـ
ادرك ياسين الهاشمي ان العراق بلد محاط بالاعداء وجيرانه في كثير من اجزائه فايران تطمع في السيطرة على شط العرب وجزء من المنطقة الجنوبية الشرقية بمحاذاة لواءي العمارة والكوت . وتركيا ماتزال تراودها الاحلام في اعادة منطقة الموصل والانكليز قد رسخوا اقدامهم وفرضوا حكمهم وامتيازاتهم بقوة الحرب والاقطاعيون ينازعون السلطة المركزية ويولون دون سيادة القانون وتنفيذ الاصلاحات الاجتماعية والعراق عموما بلد يمزقه الجهل والفقر والمرض فهو بحاجة الى تجديد واعمار ونهضة ثقافية واجتماعية واقتصادية تشمل كل المواطنين . وهو في الوقت نفسه بلد منقوص السيادة مشوه الاستقلال لان الانكليز يتدخلون في اموره ويتحكمون بمصائره بشكل مباشر وغير مباشر ويسرقون خيرات العراق وثرواته بحيل قانونية ومعاهدات ظالمة غير متكافئة . وكل حكومة في العراق لاتستطيع ان تحقق الاصلاح والتقدم ولاتستطيع ان تحافظ على وحدة العراق وسلامة كيانه وحدوده الا اذا كان لديها جيش قوي مسلح يصون كرامة البلاد ويحفظ امنها الداخلي ويصد عنها الاطماع والعدوان وبدافع من هذا الشعور والتفكير أصدرت الملكية في 2 ايار 1935 قانون الدفاع الوطني اولا وتخصيص مبالغ كبيرة لتنمية القوة الجوية وشراء دبابات واسلحة حديثة لتقوية صنوف الجيش الاخرى . لكن قرار التجنيد استقبل بالوجوم والقلق فالطبقة المثقفة الواعية ادركت مزاياه الكبيرة وعقدت عليه الامال الكبيرة في المستقبل القريب ،اما السياسيون المحترفون فقد وجدوا فيه الفرصة سانحة لاثارة الرأي العام وشيوخ العشائر ورجال الاقطاع على وزارة ياسين الهاشمي وقانون التجنيد الاجباري وصوروا لهؤلاء ان القانون سيخلق في البلاد جيشا قويا يقضي على سلطتهم وامتيازاتهم القبلية واذاعوا بين سكان المدن بانهم سيموتون جوعا وتعبا اذا التحقوا بالخدمة الالزامية . وثارت العشائر واستخدم ياسين القسوة ضدها وقد اصبح وضع الوزارة خطرا بعد ان مال محمد زكي رئيس مجلس النواب الى المعارضة وهكذا وجد ياسين بانه لابد ان يضع حدا لمشاكله عن طريق اعلان الجمهورية مستندا على اخيه طه الهاشمي رئيس اركان الجيش وبعض الرؤساء الاقطاعيين فاتصل بهم لتهيئة عشائرهم لتطويق بغداد ممهداً لإعلان الجمهورية ووعدهم بمناصب وامتيازات كبيرة .

انقلاب بكر صديقي :ـ
كان الاقطاعيون مجتمعين في قضاء كفري لمناقشة طريقة اسناد ياسين عندما فوجئوا بانقلاب بكر صدقي في 29تشرين الثاني عام 1936 وحاول بكر اعدام جميع الساسة من اقطاب وزارة ياسين الهاشمي لكن السفير البريطاني هدد حكمت سليمان رئيس الوزراء واجبره على الحفاظ على سلامة حياة اعضاء الوزارة الهاشمية وهكذا سافر ياسين ورشيد عالي الكيلاني الى سوريا فيما لجأ نوري السعيد الى السفارة المصرية التي نقلته الى مصر ولم يمض شهران على سفره توفي ياسين الهاشمي وفقد جميع طموحاته واطماعه في العرش ومات كمداً!!