مئوية الأستاذ

مئوية الأستاذ

علي حسين

فنان جاهد بعزم من اجل تقديم تعريف مرئي لفلسفته الخاصة بالمسرح. ومن الصعب اعتبار الوسائل التي استخدمها في نشر هذه الفلسفة وسائل تقنية فقط، بل هي في المقام الأول وسائل معرفية وجمالية، وهو في كل هذا اثبت ان بإمكان الفنان سبر اغوار العلاقة بين الوسائل البصرية والمعرفية بالمسرح بدربة ودراية ووعي اجتماعي وفكري متميز.

فنان يمنح أعماله المسرحية تكوينات خاصة ربما تبدو غريبة أحياناً على عين المشاهد لكنها تحمل في داخلها مفاجأة تنطوي على مغامرة جديدة في المسرح. هو واحد من القلة الذين يراهنون على قدراتهم الإخراجية، لاطمئنانه من الخبرة التي يمتلكها ولذلك هو يعتقد بأن أية مسرحية كائناً من يكون كاتبها هي في متناول قدراته . وكان لرهانه سلسلة طويلة من الأعمال الناجحة مع طلبة المسرح،او مع فرقة المسرح الفني الحديث ومن بعدها الفرقة القومية للتمثيل.. ابراهيم جلال فنان يقف مؤرخو المسرح بخشوع أمام الحصيلة الفنية المزدحمة التي قدمها والتي ضمت أشهى الأفكار واغرب وجهات النظر صارعها فناناً بشغف على خشبة المسرح. 

ابراهيم جلال في اكثر من نصف قرن قضاها في البحث والمتابعة والنشاط على خشبة المسرح.. فنان بقدر ما يحرص على عملية الممازجة بين رؤاه الإبداعية وبين أفكار النص المسرحي فإنه يحرص في الوقت نفسه على ان يشد وتائر قلبه في أضلع خشبة المسرح العراقي.. هو ابن العراق المأخوذ بجماله. لم ينظر إلى المسرح كمفردة مجردة او حالة عابرة وإنما نظر إليه باعتباره جزءاً من عملية بناء هذا المجتمع. 

الاستاذ ونحن نتذكر مئويته ، ترغمنا هذه الذكرى على التأمل مليا في أعماله التي تكتسب تنوعها وخصوصيتها بشمولية الفنان واتساع نظرته وقدرته على الإفصاح عن دواخله الإنسانية بشاعرية متفردة ومتوقدة.يعود الأستاذ وهو ينظر بفخر الى أبنائه وتلامذته يملؤون خشبات المسرح وقاعات الدراسة ،ممنياً النفس بمسرح عراقي يرتقي الى مصاف المسارح العالمية.

تعرفت على الاستاذ عن قرب في عام 1979 ، كنت قبل هذا التاريخ احضر عروضه واسأله بعض الاسئلة ، لكنها كانت علاقة عابرة ، حتى جاء اليوم الذي طلبت فيه من الاستاذ ان اجري حوارا مطولا معه ، في ذلك الوقت كنت انشر حلقات عن مسرح يوسف العاني ، وخصصت احدى الحلقات عن مسرحية يوسف العاني الشهيرة انا امك ياشاكر التي اخرجها ابراهيم جلال وقدمها على المسرح عام 1958 .. في ذلك الوقت كان ابراهيم جلال احد ابرز اساتذة كلية الفنون الجميلة ، هناك حيث ترامت تخوم مملكته الابداعية ، وبتردد اقتربت من غرفة الاساتذة في الكلية ، ثم تقدمت بخطوات الى المكان الذي يجلس فيه الاستاذ وكان حينها يتسامر مع جعفر السعدي ، وما ان انتهى حديثه حتى كنت انوي ان اطرح عليه سؤال : من هو ابراهيم جلال ، لكنه ما ان راى حيرتني حتى قال بصوته المتميز :" اكعد بابا " ، ضحك الراحل الكبير بابا جعفر السعدي وهم يقول : " ابراهيم هذا علي مثل ابني " ، حالة الارتباك التي اصابتني جعلتني استبدل سؤالي بكلمات مرتبكة قلت فيها : أريد ان اجري حواراً معك ؟ قال لي اذا كان الحوار سريعا فافضل بعد ان انتهي من الدرس ، قلت له اريد حوارا موسعا على حلقات لانني انوي ان اكتب بحثا مطولا عن تجربتك المسرحية ,نظر الي وهو يبتسم ، ثم نهض وهو يقول :" نلتقي عندي في البيت اذن ؟ وحاول ان تاتي قبل الغداء حتى يغزر بك الطعام " ثم ذهب باتجاه قاعة الدرس .. كانت هذه الجملة بداية لعلاقة امتدت مع الاستاذ حتى الايام الاخيرة من حياته ، ومن خلال حواري الذي استمر لايام ونشرته منه حلقات في مجلة الثقافة مع دراسة موسعة عن ابراهيم جلال مخرجا تطورت هذه العلاقة وقد استطعت من خلالها ان أسجل الكثير من الملاحظات عن عمل ابراهيم جلال المسرحي المسرحي وان اجري معه اكثر من حوار، كان فيها ابراهيم جلال يصر على ان المسرح يكتسب مشروعيته وخلوده عندما يطرح للمناقشة القضايا الاجتماعية الرئيسية ، وذات يوم قال لي ساخرا : هناك كثير من النصوص , لكننا نعاني من ازمة نص مسرحي يضيء خشبة المسرح، ثم اكمل قائلا : على مدى تاريخ الدراما سقطت المئات من النصوص ، والسبب ان النصوص الخالدة وحدها هي التي ستبقى لانها ترتبط بالقضية الاجتماعية وبالالتزام الاجتماعي .

قلت له : هل استمديت هذه النظرة الى المسرح من خلال دراستك لمسرح بريشت وتقديمك ابرز عملين من اعماله " البيك والسايق " المعرقة عن بونتيلا وتابعه ماتي " و" دائرة الفحم البغدادية " المعدة عن دائرة الطباشير القوقازية .

قال لي : عندما اخرجت مسرحية " البيك والسايق " عام 1973 كان منطق التفسير الذي وجدته في النص يقوم على تجسيد فكرة " العدالة الاجتماعية " وما تضعه من التزامات على عاتق الطبقة الاجتماعية المتنفذة ، وقد كنت واعيا اشد الوعي بالمفهوم . وعندما قدمت " دائرة الفحم البغدادية " التي منعت في اول يوم من عرضها كنت قد ادرجتها ضمن مفهوم المسرح السياسي الذي يطرح قضايا تتعلق بالانتماء واحقية الانسان بما يملك على هذه الارض .

قلت له : هل تؤمن بالمخرج المؤلف؟ 

اجاب : انا احترم النص ،واحب ان يكون هذا النص متكاملا ، وخلال تجربتي مع عادل كاظم التي ابتدات بالطوفان واستمرت بعدها من خلال العديد من الاعمال المسرحية كنت اجلس معه جلسلا طويلة ، ننتهي فيها الى بعض الملاحظات التي تتحول الى تعديلات تتم من خلال تفاهم كامل بيني وبينه .

هل استطعت ان تقدم مسرح ملحمي عراقي؟ 

ــ ربما نعم وربما لا ، فالمسرح يرتبط بيئته ، وخلال علاقتي مع مسرح بريشت التي بدأت في الخمسينيات وكنت وقتها ادرس هذا المسرح لانال شهادة عليا فيه ، قبل سفري للدراسة في معهد المسرح في شيكاغو عام كنت اعرف مسرح بريشت من خلال احاديث يوسف العاني ومحاولته تقديم نصوص تقترب شكلا من المسرح الملحمي ، لكني خلال الدراسة كنت قد توغلت في مسرح بريشت ، ووجدت في هذا المسرح مشروع لتقديم مسرح عراقي يتناول القضايا المهمة ، وعندما فررت تقديم البيك والسايق امنت ان هذه اللحظة ستكون بداية لمرحلة جديدة من تاريخ المسرح العراقي والعربي ايضا ، مرحلة تتسم بالعودة الموضوعية للفكر والفن 

* سالت ابراهيم جلال ذات يوم : هل يمن ان تقول لي باختصار من هو ابراهيم جلال ؟

- نظر الي وهو يبتسم ليقول : يذكرني هذا السؤال بقصيدة شهيرة لبرتولد بريخت يقول فيها : 

- انا برتولد بريشت اهيم على وجهي في مدن الاسفلت. 

- منذ زمن ، وآمل ألا اسمح للخيبة ان تطفيء ومضة سيجاري .

فانا ايضا ابراهيم جلال اهيم في دروب المسرح آمل ان ألا اسمح للخيبة ان تطفيء توهج المسرح في داخلي .

تحية للاستاذ في ذكرى مئويته بعد ان عاش حياة مضيئة بالحب والفن والابداع .