في حضرة ( طوب ابو خزامة )

في حضرة ( طوب ابو خزامة )

امين الريحاني

في السنة ١٦٢١ م فتح بغداد شاه فارس عباس الصفوي، وملك أربع سنوات، فخلفه الشاه صفي خان، ثم صفي الدين، وما تجاوز حكماهما الإاحد عشر سنة؛ ذلك أن سلطان العثمانيين مراد الرابع زحف بجيشه على بغداد ليطرد منها الفرس.

 

فحاصرها في تشرين الثاني ١٦٣٨ ودخلها ظافرًا في الشهر التالي، ثم أقام عليها واليًا من قبله، وعاد إلى الأستانة، تاركًا ببغداد للدفاع عنها المدافع التي غنمها من الشاه الصفوي، وتلك التي كانت معه، ومنها طوب أبو خزامة.

هذه هي رواية التاريخ، وليس فيها شيء من سيرة المدفع العجيب و الفضل في فتح بغداد. إنها لقصة عجيبة قد تجدها في مخطوطة من مخطوطات المدرسة المرجانية، وقد تظفر في أحد المقاهي بمن يستطيع من القصاصين أن يكمل التاريخ. وبينما كنت أسعى لهذا الغرض لقيت صديقي الدجيلي الشيخ كاظم، الناثر الناظم، فقصر عليَّ الطريق بأن جاءني في اليوم التالي بمجلة لغة العرب وفيها ما ابتغيته، مكتوب بقلمه، ومؤيد بوافر علمه.

اما إكليل المعجزات في تلك الملحمة العظمى فقد أحرزه الطوب أبو خزامة الذي أضحى بعد ذلك، في نظر العامة، وليٍّا من الأولياء. فهم يزورونه، ويتبركون به، ويعقدون الخرق بسلسلة الحديد التي تطوق قاعدته، وينذرون له النذور، ويسرجون الشموع حوله كل ليلة جمعة. أكرم به من وليٍّ! قلَّما يخيب طلب زواره، وأكثرهم من النساء.

فالمرأة العاقر والفتاة العاشقة، والعمشاء والعرجاء، وأم البنين المعلولين — كلهن يجئنه طالبات داعيات. الأم التي لا يعيش لها ولد تأتي إليه بالمولود في يومه السابع، وتُدخله في فوهته وتخرجه ثلاثًا لصحة المولود — على ما أظن — وشجاعته وطول عمره. والمرأة التي بعينها رمد تُدخل رأسها في فوهته وتخرجه ثلاثًا وتغسل شيئًا منه أو من السلاسل حوله بالماء، ثم تغسل بذاك الماء عينها، وتنذر النذور. ومما هو جدير بالذكر أن الناذرات لا يفين بنذورهن إلا إذا استُجيبت طلباتهن. وعلى الطوب أبو خزامة زبورٌ ورموزٌ لا يحسن تفسيرها غير المتضلعين بالعلم من الرواة.

قال الراوي الذي تلطف وكان دليلنا: ترى هذه البعجة في ظهره؟ قد توقف عن السير في يوم الحرب، فغضب عليه السلطان، فضربه ضربة بكفه بعجت ظهره. لماذا سُمي أبو خزامة؟ الجواب عندي. انظر إلى الفوهة تَر في داخلها صدعًا، هو مكان أنفه الذي كانت فيه الخزامة — أبو خزامة! ولما استعصى عليه السير نتله السلطان من خزامته فخرم أنفه. وهذا أثر الخرم باقٍ إلى اليوم. أما السمكات الأربع المنقوشة على ظهره فإن قصتها عجيبة. هي ترمز إلى ما كان من غضبه — غضب أبو خزامة — وسمو قصده، فعندما خرم السلطان أنفه، توقف عن الحرب — أبى القتال — صار من أنصار أهل السلام. ولشدة غضبه وتحقيق قصده في رفض الحرب وشجبها ألقى بنفسه في دجلة.

فخاض السلطان النهر لينقذه، فجره إلى البر، فرأى صورة السمكات منقوشة على ظهره لتشهد أنه رمى بنفسه في النهر فرارًا من السلطان ومن الحرب.

كل هذا من فضل الدليل وعلمه، إلا أنه نسي أن يشير إلى الكتابة المزبورة على المدفع، وكأن به — أي الدليل — يقول: فقهتُ ما صُنع برسم السلطان مراد خان » وهي أنه تلمح إليه. وإني أرد كيد المشككين بنحرهم. فهل ترى في الكتابة المزبورة، كما تقول، كلا. إذن، ما صُنع بالأستانة بل ؟« صُنع برسم السلطان مراد خان » غير ما قرأت؛ أي صنع ها هنا ببغداد بأمر مولانا عبد القادر، قدَّس لله سره، وبعونه تعالى.ويبلغ طول هذا المدفع أربعة أمتار ونصف متر وقطر فوهته نحو نصف متر مضطجع على مرقد من جذوع النخل في محلة الميدان في الصوب الشرقي من الآن بغداد أمام باب القلعة التي فيها اليوم وزارة الدفاع.

عن كتاب قلب العراق الامين الريحاني