إدغار موران.. في مديح الفكر العابر للحدود المعرفية

إدغار موران.. في مديح الفكر العابر للحدود المعرفية

ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

يُعرَفُ عن إدغار موران Edgar Morin ) المولود في الثامن من تموز 1921 ) بأنه الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي الذي ذاعت شهرته الأكاديمية بسبب عمله المتميز في المبحث المعرفي المسمّى التعقيد Complexity الذي يدعى نظرية الأنساق المعقّدة في الدوائر الأكاديمية الأكثر تخصصاً من الإطارات الفلسفية العامة ، وقد بات توصيف ( الفكر المعقّد (pensée complexe هو الخصيصة الأبرز التي تميّز فكر موران وعمله الممتد منذ أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية .

قدّم موران مساهمات مميزة في قطاعات معرفية متباينة مثل : دراسات الإعلام ، السياسة ، السوسيولوجيا ، الأنثروبولوجيا ، علم البيئة البشرية ، التعليم ، بيولوجيا المنظومات المعقّدة ، وقد سبق له أن تحصّل على درجات أكاديمية في كلّ من التأريخ والإقتصاد والقانون ؛ ومع أنه أقلّ شهرة في العالم الناطق بالإنكليزية بالمقارنة مع شهرته الذائعة في فضاء الثقافة الفرنسية لكنه يبقى شخصية معروفة على أوسع النطاقات الشعبية والأكاديمية في العالم وبخاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية . 

موران كاتب غزير الإنتاج ، وقد نشر عشرات الكتب خلال حياته الممتدّة ، وليس غريباً أن ينشر أحياناً ثلاثة كتب أو حتى أربعة وخمسة في السنة الواحدة . آخر كتب موران هو كتابه المعنون ( دعونا نغيّر المسارات : دروسٌ مستقاة من فايروس كورونا Changeons de voie. Les leçons du coronavirus ا) الذي نُشِر بالفرنسية في يونيو ( حزيران ) 2020 ، ومن المتوقع ترجمته إلى لغات عديدة . 

الآتي ترجمة لحوار مع إدغار موران أجراه معه الصحفي فرانسيس لاكونت Francis Lecompte . الحوار منشور باللغة الإنكليزية في الموقع الألكتروني للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ( CNRS News ) بتأريخ 1 تمّوز ( يوليو ) 2019 :

المترجمة

من كتابة نصوص الأغنيات الفرنسية إلى الوقائع المشتبكة للأحزاب السياسية والعولمة ومعضلات العلمانية ، إستطاع عالم الإجتماع – الفيلسوف إدغار موران توجيه قدرات عقله الإستقصائي الباحث نحو طائفة واسعة من الموضوعات ؛ لكن يبقى الأمر الأكثر إثارة فيه هو طريقته المميزة في التفكير والتي تجعل من أي شيء عنصراً في كلّ أكبر متقن الصياغة ؛ ومن أجل هذا كانت لنا هذه الحوارية مع أب " الفكر العابر للحدود المعرفية " الذي يوصف إختصاراً بِـ " الفكر المعقّد " . 

ألقى الزمن مفاعيله المؤثرة على إدغار موران حتى جعله يبدو بهيئة حكيم زماننا الذي سيبلغ المائة سنة عمّا قريب ؛ لكن يبقى إدغار موران ، وبأكثر ممّا فعل من قبلُ ، الانثروبولوجي الأبرز لمجتمعاتنا الحديثة . هو مؤلف سلسلة الصروح المعرفية المسمّاة ( المنهج La Méthode ) المكوّنة من كتب واظب موران على نشرها خلال ثلاثين عاماً ، ولم يتعب قطّ من توضيح الكيفية التي يصلح بها الفكر المعقد العابر للحدود المعرفية والمنبثق من كتاباته لأن يكون المقاربة الفضلى لفهم العالم بكلّ تمظهراته المتنوّعة . يشغل موران اليوم موقع زميل بحثي مميز في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي فضلاً عن كونه رئيساً فاعلاً للمجلس العلمي لمعهد العلوم والإتصالات ISCC ( Institut des Sciences de la Communication ) الذي يديره المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي بالمشاركة مع جامعة السوربون العريقة . 

إلتقيتُ موران في مكتبه الواقع في ضاحية صغيرة تقع إلى الجنوب الشرقي من العاصمة الفرنسية ( باريس ) ، وقد راح يروي لي حكايات - تخالطها جرعة ( أراها صحية منعشة ) من إنكار الذات – بشأن علاقته الطويلة مع عالم البحث العلمي . لستُ أنكرُ هنا دهشتي المشوبة بالحيرة في أحيان كثيرة وأنا أصغي لهذا المفكّر الذي إستطاع بمهارة فائقة ترويض مايبدو غامضاً وإضفاء قدر من الغموض المدهش عليه .

* عالم إجتماع ، فيلسوف ، أو " مفكّر " من غير إضافات ملحقة ..... 

كيف تحبّ أن توصف ؟

- إدغار موران : أعتَبَرُ في الغالب عالِم إجتماع ؛ لكنني في الحقيقة أفكّرُ وأعملُ في جوانب ثلاثة متداخلة تخصّ النوع البشري : الفرد / المجتمع / النوع البيولوجي . يمكن وصف عملي في حقيقة الأمر بأنه أنثروبولوجيا بالمعنى القديم للمصطلح ( أعني بتداخل كلّ أشكال المعرفة وتمحورها حول الإنسان ) . هذا الأمر قادني إلى إعتماد مقاربة تشبيكية بين المعارف Transdisciplinary وعابرة للحدود المعرفية المتداولة ، وقد أدركتُ هذا الأمر منذ أن كنتُ أعمل على كتابي المهم الأوّل ( الإنسان والموت ) الذي نُشِر عام 1951 . لم تكن المكتبة الوطنية الفرنسية في ذلك الوقت تحتوي أكثر من أربعة كتب تناقشُ هذا الموضوع ، وكانت كلها ذات صبغة دينية طاغية ؛ لكنني أدركتُ منذ ذلك الوقت أنّ فهم توجّهات عامّة البشر بشأن موضوعة الموت يتطلّبُ شيئاً أكبر من دراسة الدين فحسب بل نحتاجُ البيولوجيا والتأريخ ( بما فيه ماقبل التأريخ ) والحضارات والسايكولوجيا والتحليل النفسي ، أي بالمختصر : نحتاج عملياً كل العلوم الإنسانية مع عدم إغفال الأدب والشعر اللذين يمتلكان قدرة عميقة غير عادية في إستغوار طبيعة الموت ومفهومه . الحقّ أن أية معضلة إشكالية ذات دلالة عميقة في حياة الكائن البشري لايمكن تناولها بواسطة مبحث معرفي مفرد أحادي النظرة ؛ إذ الأمر يتطلّبُ دوماً قدراً من الفكر العابر للحدود المعرفية الراسخة .

* هل نبع عملك الفلسفي الأفخم المسمّى (المنهج La Méthode ) من هذه المقاربة العابرة للحدود المعرفية ؟

- إدغار موران : نعم بالتأكيد ؛ فهذا مبدأ جوهري بالنسبة لي ، ولطالما أبديتُ رغبة ملحّة في مغادرة المباحث والمفترضات التي تحدّدُ آفاق الموضوعات المبحوثة . إنّ أصغر الموضوعات البحثية ، ومهما بدت ضئيلة ، لايمكن فهمها بطريقة مناسبة إذا مادُرِست في نطاقها الخاص وسياقها حدّد كذلك ( بل ينبغي تناول الموضوع من زوايا معرفية أخرى ).

* هل هذا الفهم هو ماسعيتَ بلا هوادة في إعتماده ضمن مفهومك للفكر المعقد ( العابر للحدود المعرفية ) ؟

- إدغار موران : نعم ، هذا هو ماسعيتُ دوماً لإدراكه وتصوّره : النسيج المعقّد للمعرفة البشرية في حيثياته المشتركة الأصلية . سعيتُ دوماً للحفاظ على هذا الفهم المشترك الذي يجمع كلّ أشكال المعرفة البشرية لأنّ كلّ حقول المعرفة – بحسب تدقيقاتي الأساسية وملاحظاتي الممحّصة – إنما تعيش في شقق متجاورة منفصلة عن بعضها ( دعونا نعتمد هذا التشبيه العياني ) ؛ في حين أنها ينبغي أن تكون مرتبطة بطريقة بينية متداخلة . الموضوعة الأساسية التي ناقشتها في سلسلة كتبي المعنونة ( المنهج ) هي كون المعرفة موزّعة على حقول متباعدة عن بعضها بطريقة صارمة ؛ لكن لم يكن كافياً حينها – ببساطة – جعل هذه الحقول المعرفية تجتمع مع بعضها بطريقة كيفية ، والأمر الأكثر أهمية من هذا هو حاجتي حينها إلى إيجاد أدوات مفاهيمية تجعل تعشيق هذه الحقول المعرفية مع بعضها أمراً ممكناً. 

لكي أحقق هذا الأمر ، وبغية تحقيق فهم أفضل لمثل هذا النمط من التعقيد المفاهيمي العابر للحدود المعرفية توجّب عليّ تأسيس عدد من المبادئ بضمنها ماأدعوه المبدأ الحواري The Dialogical Principle ، الذي تُفهَمُ الوقائع بموجبه بأنها متكاملة ومتضادة في الوقت ذاته . قدّمتُ حينها ( أي في سلسلة كتبي " المنهج ") مثالاً مستقى من الثقافة الأوربية التي تشكّلت من التضاد المتكامل الناشئ من ثقافتين متنافستين : الثقافة اليهودية – المسيحية في مقابل الثقافة الرومانية – الإغريقية . تشكّلُ هاتان الثقافتان معاً كلاً واحداً معقّداً يوصفُ بالثقافة الأوربية والتي في إطارها تبقى هاتان الثقافتان ثنائية لايسعى أحد إعادة هيكلتها أو تعديلها . أدرسُ أيضاً ضمن مبحث ( التعقيد Complexity) العلاقة بين الكلّ والأجزاء : أؤكّدُ دوماً أنّ أي نظامٍ ليس مجموع أجزائه فحسب ( بل أكثر من هذا وبما يجعله يتميز نوعياً عن هذه الأجزاء ، المترجمة ) ؛ لأنّ التنظيم الجديد للكلّ ينتِجُ صفاتٍ لايمكن أن توجد في أجزائه . هذا الأمر صحيح في تنظيم الكائنات الحية : بالرغم من أنّ هذه الكائنات الحية تتكوّن بكاملها من عناصر جزيئية ذات طبيعة فيزيائية – كيميائية مميزة فإنّ خصائص هذه الكائنات الحية لانجدها لدى هذه العناصر الجزيئية ( مثل : التكاثر الذاتي ، الشفاء الذاتي ، الإدراك ، الإعتماد على البيئة ،،،،، ) . الكائنات الحية تعمدُ على البيئة لغرض الحصول على الطعام المناسب ومن ثمّ تحقيق الإستقلالية الذاتية ؛ لذا فإنّ الإعتماد على البيئة وتحقيق الإستقلالية الذاتية لايمكن فهمهما في الكائنات الحية بطريقة منفضلة عن بعضهما .

* لكنك مع هذا تقولُ أيضاً إنّ الكلّ يمكن أن يكون أقلّ من مجموع أجزائه . أليس هذا تناقضاً ؟ 

- إدغار موران : نعم يحصل هذا في بعض المنظومات وحيث يمكن للمنظومة أن تُبدي خصائص تعود للأجزاء المكوّنة لها . إذا ماسعينا لفهم التناقض الظاهري الكامن في عبارة ( الكلّ الذي يمكن أن يكون – في الوقت ذاته - أكثر أو أقلّ من مجموع أجزائه ) أراني ميالاً للإرتكان على موروث الفيلسوف الإغريقي ( هيراكليطس ) من القرن السادس قبل الميلاد : عندما تبلغ حالة تبدو متناقضة فلا يعني الأمر – بالضرورة – حصول خطأ ما بقدر مايعني بلوغك معضلة أساسية في الوجود البشري ؛ لذا أرى أنّ مثل هذه التناقضات يتوجبُ إدراكها وتعضيدها بدلاً من محاولة التحايل عليها وإطفاء جذوتها . كانت هذا الشكل من التناقض هو ماحصل في حالة الفيزياء الكمومية Quantum Physics مثلما يتوجب أن يحصل مع الفيزياء الفلكية Astrophysics عندما يتمّ إخبارُنا دوماً أنّ الكون نشأ من العدم Void . من الواضح ثمة تناقض جوهري في استخدام المصطلحات التوصيفية هنا.