المشاغب هارولد بنتر في ذكرى ميلاده الـ   90

المشاغب هارولد بنتر في ذكرى ميلاده الـ 90

علي حسين

لم تحتفل بريطانيا بالذكرى الـ " 90 " لولادة ابنها المسرحي الشهير هارولد بنتر الذي حصل على نوبل للآداب عام 2005 ، وكان سادس كاتب مسرحي يخطف الجائزة بعد برنادشو ويوجين أونيل ، وبيراندللو، وصمويل بيكت والساخر الإيطالي داريفو ، وأول كاتب مسرحي تقول عنه لجنة الجائزة إنها منحته نوبل للآداب : " لمسرحياته التي يكشف فيها عن الهاوية تحت واقع الحياة اليومية ويفرض الدخول إلى غرف القمع المغلقة" .

كان هارولد بنتر يسبب صداعاً في الرأس لبريطانيا ، لأنه كان دائم الحديث والإشارات عن فشل بريطانيا في مواجهة كوارث العالم ، وفي خطابه الخاص بجائزة نوبل قال :" اعتقد أن العالم ذاهب الى خسارته إن لم ننتبه الى ذلك، مثلما هو عليه، إنه عالم خطير جداً، وأظن أن بلادي لا تقوم بالشيء الكثير لتحسين شروطه " .. كورونا كانت حاضرة أيضاً في مشهد ذكرى ولادة بنتر بعد زيادة عدد الإصابات في الأسابيع الأخيرة مما جعل المسارح خاوية ، واستعيض عن الاحتفال المسرحي بإشارات قصيرة في بعض الصحف . كانت للرجل مواقف نقدية واضحة ضد أحداث كثيرة هزت العالم ، مثل التسلح والتعذيب والعنصرية والتدخل في حياة الشعوب ، ولم يوقفه مرض السرطان الذي كان يعاني منه في سنواته الاخيرة من أن يشن هجوماً على السياسات الخارجية لكل من أميركا وبريطانيا، حيث اتهم الولايات المتحدة بقتل الأبرياء في جميع أرجاء العالم باسم الديمقراطية، متسائلاً : "كم من الناس عليكم قتلهم كي تستحقوا وصف مجرمي حرب؟" ، وقال إن تبرير الحرب على العراق جاء بناء على جملة من الأكاذيب، مضيفاً: " لقد جلبنا التعذيب والقنابل العنقودية واليورانيوم المنضب وعمليات القتل التي لا تحصى، فضلاً عن الفوضى والإذلال والموت للعراقيين، وتعتقدون أن ذلك جلب الديمقراطية والحرية للشرق الأوسط؟"، كما وجه اتهاماً لأميركا بدعم كل جناح عسكري دكتاتوري في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

المسرحي والشاعر الذي كانت له مواقف صادمة لم يكن يتوقع أن يحصل على جائزة نوبل في يوم من الأيام ، مثلما لم يكن أحد من المهتمين بشؤون الجائزة يتصور أن نوبل ستذهب الى كاتب لم يرد اسمه على لائحة المرشحين ، إلا ان القائمين على الجائزة كان لهم رأياً آخر حيث وجدوا أن هارولد بينتر هو " أفضل من يمثل المسرح الحديث في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، و إنه يكشف في مسرحياته المتاهات الكامنة وراء كلام الحياة اليومية ويقتحم مواطن الظلم الخفية".. ولد صاحب المسرحية الشهيرة "الحارس " في حي فقير في إحدى ضواحي لندن ذات مساء من يوم 10 تشرين الأول عام 1930 ، أبوه يعمل خياطاً ، وكان يشتكي من الفقر وعدم تمكنه إعالة أسرته ، الابن كان يهوى اقتناء المجلات القديمة ، والجلوس أمام والده وهو يعمل ومراقبة أحوال الناس في الشارع والسوق والعيش مع الفقر ، سيضطر الى ترك المدرسة للمساعدة في الانفاق على العائلة ، وبين الحين والآخر يختلس الوقت ليمارس هوايته المفضلة القراءة في الخامسة عشرة من عمره بدأ بكتابة قصائد تفوح منها روائح الحياة الصعبة التي كان يعيشها ، عمل بواباً وسائقاً للأجرة ، وقد رفض أداء الخدمة العسكرية ، وكان رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية بداية مواقفه الرفضية اللاحقة: "كان من المحتمل أن اذهب إلى السجن، أخذت فرشاة أسناني معي إلى المحكمة، لكن القاضي كان لطيفاً ومتسامحاً وغرّمني ثلاثين جنيهاً، ربما سيطلبونني إلى الحرب المقبلة، لكنني لن أذهب".

بعد ذلك عام 1951 سيظهر على إحدى مسارح لندن الصغيرة وهو يؤدي شخصية استروف في مسرحية تشيخوف الشهيرة " الخال فانيا " ، استبدل اسمه باسم فني "اسم ديفيد بايرون " ، وجد في تشيخوف مبتغاه فهذا هو الكاتب الذي همه الوحيد تقديم صورة أمينة للعالم ، وقرر أن يتعلم من تشيخوف كيف أن الصمت يمكن أن يصبح أكثر تاثيراً على المسرح ونجده يردّد عبارة تشيخوف :" لست أدري لماذا يحدث كثير أن لايحسن التعبير عن السعادة أو الشقاء الكبيرين إلا بالصمت ، وإن العاشقين ليزدادان تفاهماً حين يصمتان " ، وهذا الصمت الذي كان يصبغ مسرحيات هارولد بنتر هو الذي أشار له بيان جائزة نوبل باعتبار مسرحياته ساهمت في في "اكتشاف الهوّة الشاهقة التي تختبئ وراء شتى أشكال الثرثرة"، وفي "اقتحام غرفة القمع الصمّاء" . عام 1957 وبينما كان في جولة مسرحية طلب منه المخرج أن يكتب مسرحية للفرقة ، عندها تذكر وصايا تشيخوف ، وبعد أربعة أيام أنتهى من كتابة مسرحية بعنوان " الحجرة " ، وهي عن شخصيات تعيش في مكان واحد ، لكنها جميعاً تحمل في أعماقها إحساساً مريراً بالوحدة التي يستحيل تجاوزها، حتى أن المخرج قال له ماهذه القسوة ، لكن المسرحيةالتي ستقدم عام 1958 ستكون بداية الظهور للكاتب المسرحي هارولد بنتر .استقبل النقاد المسرحية باهتمام وكتبت عنها الناقد الشهير ريتشار غيلمان إن هذه المسرحية تصور لنا عالماً يتهدده خطر مستبد ، لا شيء يبدو كما هو ، لقد اخترق عالماً جديداً من الكتابة للمسرح . عاش رعب النجاح فقرر التوقف عن الكتابة للمسرح والعودة لكتابة الشعر ، حاول أن يجرب حظه في الرواية فلم يجد ناشراً لها ، زوجته حفزته لكتابة عمل مسرحي ثاني فقدم للمسرح مسرحية " حفل عيد الميلاد " لكن المسرحية ستواجه هجوماً قاسياً من النقاد ، لتتوقف بعد أسبوع من العرض .. مَن هو ستانلي؟ ماذا يمثل كولدبيرغ ومكان؟ وما هي "المنظمة " الغامضة التي ينتميان إليها. ويخبرنا الإلحاح على هذه الأسئلة الكثير حول الحالة الثقافية السائدة في نهاية الخمسينيات والتي كانت تتوقع من الأعمال الفنية توفير أجوبة عقلانية على أسئلة محددة بوضوح وعلى حلول للمسائل الاجتماعية والفنية.

مسرحية " حفل عيد الميلاد" تدور أحداثها أيضا في غرفة ضيقة ، ولكن هذه المرة في فندق حيث يعيش بطل المسرحية " ستانلي" الذي تعطف عليه صاحبة الفندق وتعامله كابن لها ، وهو يعيش حياة هادئة ، لم يزره أحد منذ سنوات ، لكن سيفاجأ بزيارة ستكون غريبة ، فالزوار الذين دخلوا الفندق كانوا يبحثون عن غرفة للإيجار ، نكتشف إنهم يبحثون عنه شخصياً لأنهم يريدوا أن يقيموا له حفل ميلاد ، ورغم احتجاجه بأن اليوم ليسعيد ميلاده ، لكن الحفل الغريب يقام وتحدث فيه أشياء غريبة أشبه بالكابوس، الزوار يستجوبونه استجواباً مخيفاً ومضحكاً ، .وبعد ذلك يصطحبونه في سيارة سوداء وقد ارتدى الملابس الداكنة وفي يده نظارته التي تحطمت أثناء الحفل. وهكذا يستغل هارولد بنتر من جديد مكان " الغرفة " ليقدم لنا العلاقة بين عالم الفرد الخاص داخل الغرفة، والعالم المخيف خارجها الذي يأتي عنه الإرهاب والاستجواب، والذي يقضي على حريته وحياته.

في مسرحية الحارس يقدم هارولد بنتر أسلوباً جديداً في كتابة النص المسرحي ، كانت " الحارس " تدور في منزل قديم ، هناك نتعرف على ثلاث شخصيات ، الأول " ستون " الذي يعاني من أمراض نفسية ، يعيش في عزلة ، كان قبلها قد أدخل مستشفى الأمراض العصبية حيث تعرض الى صدمات كهربائية ، أما الشخص الثاني فهو شقيقه الأصغر " ميك " الذي يمتاز بأنه ذكي ويعرف كيف يتعامل مع الآخرين .. وهناك العجوز " ديفيز" الذي يصطحبه " مايك " بعد أن أنقذه من تطفل بعض رواد المقهى ، والعجوز يبدو في المسرحية 

إنسان غريب الأطوار، به صلف كريه وغرور وحب استطلاع وبالرغم من أنه بلا مأوى، إلاّ أنه يشعر بأهميته وبأنه أسمى من غيره، فهو يعلن أنه لا يمكن أن يسكن في بيت فيه ملونون. وينصب " ميك" فخاً لـ " ديفيز "، اذ يُوهمه بأنه يثق به وإنه يريد أن يجعله حارساً لهذا المنزل الذي يمتلكه.

وحينما يعرف "ديفيز" أن " ميك" هو الأقوى وهو صاحب المنزل وصاحب الأمر والنهي، يبدأ في التقرّب إليه وتملّقه، ويبدأ في الإقلال من شأن " ستون " واتهامه بأنه مجنون، والى جانب ذلك يحاول الإيقاع بين الأخ وأخيه معتقداً أنه بذلك يقوّي مركزه ويستطيع أن يحصل على غرفة لنفسه، ولكن الأخوين يطردانه بعد أن يكتشفا أمره. وهنا نرى صراع المتشرّد من أجل حجرة يعيش فيها وفشله في ذلك، وهو فشل يؤدي إليه ضعفه.

وقد ربط بعض النقاد بين طرد " ديفيز" من المنزل الذي كان يمكنه العيش فيه سعيداً، وبين طرد " آدم" من الجنة.. وتشير المسرحية الى وحدة الإنسان والى انعدام التفاهم أو اللغة المشتركة بين الناس، 

ألّف بنتر بعد ذلك أكثر من 30 مسرحية وكتب الكثير من السيناريوهات للسينما ، كان أشهرها سيناريو مسرحيته الخادم التي قدمت كفيلم سينمائي ، وتفرغ سنوات للإعداد رواية مارسيل بروست " البحث عن الزمن المفقود " للسينما ، لكن المشروع لم ير النور ، وكان قد حصد العديد من الجوائز عن سيناريوهات أفلامها أشهره فيلم " امراة الضابط الفرنسي " الذي اعده عن رواية جون فاولز، والذي أدت الشخصية الرئيسة فيه النجمة ميريل ستريب.