هارولد بنتر عن الفنّ، الحقيقة، والسياسة

هارولد بنتر عن الفنّ، الحقيقة، والسياسة

في عام 1958 كتبت التالي: «ليس ثمة تمييزات فاصلة بين ما هو واقعيّ وما هو غير واقعيّ، ولا بين ما هو حقيقي وما هو زائف. إن أمراً ما ليس بالضرورة حقيقياً أو زائفاً، إذ يمكن أن يكون حقيقياً وزائفاً في آن».

 وأعتقد أنّ هذه التأكيدات ما تزال مقبولة اليوم، ويمكن بالفعل أن تنطبق على استكشاف الواقع من خلال الفنّ. وهكذا فإنني ككاتب أظلّ مقتنعاً بها، ولكني لا أستطيع ذلك بوصفي مواطناً. يتوجب عليّ، كمواطن، أن أسأل: ما الحقيقيّ؟ ما الزائف؟

وفي الدراما تكون الحقيقة مراوغة على الدوام. المرء لا يعثر عليها أبداً، لكن البحث عنها إلزاميّ. ومن الواضح أنّ البحث هو الذي يحرّك المحاولة. البحث مهمة المرء. ويحدث مراراً أن يتعثر واحدنا بالحقيقة في العتمة، وغالباً دون أن يدرك أنه فعل. لكنّ الحقيقة الفعلية هي أنه لا يوجد البتة شيء اسمه الحقيقة يمكن العثور عليه في الفنّ المسرحي. هذه الحقائق تتحدى بعضها البعض، وتنأى عن بعضها البعض، وتعكس بعضها البعض، وتهمل بعضها البعض، وتناوش بعضها البعض، وتتعامي عن بعضها البعض. وأنت تشعر بعض الأحيان أنك تقبض في يدك على حقيقة اللحظة، ثمّ تراها تنزلق من بين أصابعك وتضيع.

وغالباً ما يُطرح عليّ سؤال حول كيفية ولادة مسرحياتي، فلا أملك جواباً. كذلك لا أستطيع أبداً تلخيص مسرحياتي، ما خلا أن أقول إنّ هذا ما يجري فيها. هذا ما تقوله. هذا ما تفعله. ذلك لأنّ معظم المسرحيات يستولدها سطر هنا، أو كلمة أو صورة هناك. الكلمة المعطاة تعقبها الصورة عادة. وسأضرب مثالين في سطرين هبطا إلى رأسي من السماء، تتبعهما صورة، وأتبعها أنا.

المسرح السياسي يقدّم مجموعة مشكلات مختلفة تماماً. ينبغي تحاشي الوعظ أياً كان الثمن. الموضوعية ضرورية. ينبغي السماح للشخصيات بأن تتنفس هواءها الخاص. ولا يستطيع المؤلف حجزها أو حصرها لكي يشبع ذوقه الخاص أو مزاجه أو عصبيته. ينبغي أن يكون مؤهلاً لمقاربتها من زوايا مختلفة، من نطاق منظورات تامة وغير مكبوتة، وأن يأخذها على حين غرّة، بين حين وآخر ربما، ويمنحها مع ذلك حرّية أن تسلك الدرب الذي تشاء. هذا لا ينجح دائماً. فبالطبع، السخرية السياسية لا تلتزم بأيّ من هذه القواعد السلوكية، بل تفعل العكس في الواقع، وهذه تحديداً هي وظيفتها.

وأظن أنني، في مسرحيتي "حفلة عيد الميلاد"، سمحت لنطاق عريض من الخيارات أن يفعل فعله في غابة كثيفة من الإمكان، قبل التركيز ختاماً على فعل إخضاع.

"لغة الجبل" لا تزعم النطاق ذاته من العمليات. إنها تظلّ وحشية، قصيرة، وبشعة. لكن الجنود في المسرحية يستخرجون منها بعض المرح. فالمرء أحياناً ينسى أنّ من السهل انقلاب التعذيب إلى مصدر ملل. إنهم، لهذا، يحتاجون إلى ضحكة ما لكي تظل معنوياتهم عالية. وبالطبع، تأكد هذا في وقائع "أبو غريب" في بغداد. "لغة الجبل" تدوم 20 دقيقة فقط، لكنها يمكن أن تتواصل ساعة بعد ساعة، كرّة بعد كرّة، فيتكرر النسق ذاته مرّة بعد أخرى، دواليك، ساعة بعد ساعة.

"من الرماد إلى الرماد"، من جانب آخر، تبدو لي وكانها تجري تحت الماء. امرأة غريقة، يدها ممدودة من خلال الأمواج، تتهاوى بعيداً عن الأنظار، تتطلع إلى الآخرين، ولكنها لا تجد أحداً، لا فوق الماء ولا تحته، ولا تعثر إلا على ظلال، انعكاسات، وطفو. المرأة شخص ضائع في مشهدية غرق، امرأة عاجزة عن الفرار من القدر الذي بدا وكأنه ينتمي إلى الآخرين وحدهم.

ولكن حين يموت الآخرون، ينبغي أن تموت هي أيضاً.

اللغة السياسية، كما يستخدمها الساسة، لا تقتحم أياً من هذه المناطق لأنّ غالبية الساسة، وفق ما نملك من أدلة، لا يهتمون بالحقيقة بل بالسلطة وصيانة السلطة. ولصيانة تلك السلطة، من الجوهري أن يبقى البشر جاهلين عن الحقيقة، وأن يعيشوا وهم يجهلون الحقيقة، حتى حقيقة حيواتهم ذاتها. وما يحيط بنا، إذاً، هو تطريز هائل من الأكاذيب، نقتات عليها.

وكما يعرف كل فرد هنا، كان تبرير غزو العراق هو أن صدام حسين امتلك كتلة شديدة الخطورة من أسلحة الدمار الشامل، بعضها يمكن إطلاقه خلال 45 دقيقة، فيتسبب في دمار مريع. لقد أكدوا لنا أن هذا الزعم حقيقي. ولقد تبيّن أنه ليس الحقيقة. وقيل لنا إن العراق يقيم علاقة مع "القاعدة" ويشترك في المسؤولية عن فظائع 11 ايلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك. أكدوا لنا أن هذا الزعم حقيقي. تبيّن أنه ليس الحقيقة. وقيل لنا إن العراق يهدد أمن العالم. أكدوا لنا أن هذا الزعم حقيقي. تبيّن أنه ليس الحقيقة.

الحقيقة شيء مختلف كل الاختلاف. الحقيقة هي كيف تفهم الولايات المتحدة دورها في العالم وكيف تختار تجسيده (...) الولايات المتحدة ساندت، وفي كثير من الحالات استولدت، كل دكتاتورية عسكرية يمينية في العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. أنا أشير إلى إندونيسيا، اليونان، الأرغواي، البرازيل، باراغواي، هاييتي، تركيا، الفيليبين، غواتيمالا، السلفادور، وتشيلي بالطبع.

والأهوال التي أنزلتها الولايات المتحدة بتشيلي سنة 1973، لا يمكن محوها ولا يمكن غفرانها أبداً. مئات الآلاف من حالات الموت شهدتها هذه البلدان. هل جرت بالفعل؟ وهل جميعها حالات تُنسب إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟ الجواب هو نعم لقد جرت تلك الحالات، وهي تُنسب إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولكنك أنت لم تكن تعلم بها.

لم تحدث قط. لم يحدث أي شيء قط. حتى حين كانت تحدث، فإنها لم تكن تحدث. لم يكن الأمر موضع اكتراث. لم تكن له أهمية. لقد كانت جرائم الولايات المتحدة منهجية، ثابتة، خبيثة، لا ندامة فيها، ولكنّ قلة من الناس تحدثوا عنها. الفضل في ذلك يرجع إلى أمريكا. لقد مارست استغلالاً للسلطة يكاد يكون سريرياً على امتداد العالم، وكانت في الآن ذاته ترتدي قناع القوّة المدافعة عن الخير في العالم. وهذأ فعل في التنويم المغناطيسي لامع، شديد النجاح، وطريف أيضاً.

أقول لكم إن الولايات المتحدة هي، دون شك، الاستعراض الأكبر على الطريق. قد تكون وحشية، لامبالية، احتقارية، قاسية لا ترحم. ولكنها أيضاً ذكية جداً. إنها بائع جوّال يعتمد على نفسه، لكنّ البضاعة التي يبيعها هي حبّ الذات. إنها تجارة رابحة. إستمعوا إلى كلّ رؤساء أمريكا على التلفزة ينطقون عبارة "الشعب الأمريكي" كما في الجملة التالية: "أقول للشعب الأمريكي لقد حان الوقت للصلاة وحماية حقوق الشعب الأمريكي، وأطلب من الشعب الأمريكي أن يثق برئيسه في العمل الذي ينوي القيام به نيابة عن الشعب الأمريكي".

إنها حيلة براقة. اللغة تُستخدم عملياً لإبقاء العقل بعيداً. وعبارة "الشعب الأمريكي" توفّر حشيّة وثوق شهوانية حقاً. لا حاجة لك إلى التفكير. استلقِ على الحشية فقط. قد تخنق الحشية ذكاءك وملكة النقد عندك، ولكنها مريحة. هذا بالطبع لا ينطبق على 40 مليون أمريكي يعيشون تحت خطّ الفقر، وعلى مليونين من الرجال والنساء مسجونين في سجون هائلة شبيهة بالغولاغ، منتشرة على امتداد الولايات المتحدة.

أمريكا لم تعد تعبأ بالنزاع متوسط الشدة. وهي لم تعد ترى مبرراً لأن تكون كتومة أو حتى مخادعة. إنها تضع أوراقها على الطاولة دون خوف أو محاباة. إنها ببساطة لا تلقي بالاً إلى الأمم المتحدة، والقانون الدولي أو الإنشقاق النقدي، وتعتبرها غير ذات صلة. ولديها كذلك خروفهاالصغير المربوط خلفها، أي بريطانيا العظمى المنبطحة البليدة.

ما الذي أصاب حسّنا الأخلاقي؟ هل امتلكنا مثل هذا الحسّ في أيّ يوم؟ ما الذي تعنيه هذه الكلمات؟ هل تشير إلى مصطلح يندر استخدامه هذه الأيام: الضمير؟ الضمير الذي لا يكون مسؤولاً عن أفعالنا الشخصية فقط، بل عن مسؤوليتنا المشتركة إزاء أفعال الآخرين؟ هل مات هذا كله؟ أنظروا إلى خليج غوانتانامو. مئات الناس محتجزون هناك بلا تهمة، منذ أكثر من ثلاث سنوات، بلا تمثيل قانوني أو محاكمة، بمثابة موقوفين إلى الأبد بالمعنى الفني للكلمة. هذا الهيكل الخارج تماماً عن القانون يواصل البقاء في تحدّ صريح لمواثيق جنيف. وما يُسمى "المجتمع الدولي" لا يسكت عليه فحسب، بل يكاد يتناساه أيضاً. وهذه الإهانة الإجرامية ترتكبها دولة تعلن نفسها "زعيمة العالم الحرّ". هل نفكر في ساكني خليج غوانتانامو؟ ماذا تقول وسائل الإعلام عنهم؟ ما الذي قاله وزير الخارجية البريطاني؟ لا شيء. ماذا قال رئيس الوزراء؟ لا شيء. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة قالت: انتقاد سلوكنا في غوانتانامو يشكل فعلاً غير ودّي. إما أن تكونوا معنا أو ضدنا. وهكذا أغلق بلير فمه. 

غزو العراق كان فعل لصوصية، وإرهاب دولة فاضحاً، يكشف عن احتقار مطلق لمفهوم القانون الدولي. كان الغزو عملاً عسكرياً عشوائياً أوحت به سلسلة أكاذيب قائمة على أكاذيب، وتلاعب بوسائل الإعلام ثمّ بالجمهور تالياً. وهو فعل يسعى إلى توطيد الهيمنة الأمريكية العسكرية والاقتصادية على الشرق الأوسط، تحت قناع زائف هو التحرير، بعد افتضاح كل الذرائع الأخرى. تأكيد بديع لقوّة عسكرية مسؤولة عن مقتل وتشويه آلاف وآلاف الناس الأبرياء.

لقد جلبنا على الشعب العراقي صنوف التعذيب، والقنابل العنقودية، واليورانيوم المستنفد، وأفعال الجريمة العشوائية التي لا تحصى، والبؤس، والتدهور، والموت، ونطلق على هذا كلها

اسم "جلب الحرية والديمقراطية للشرق الأوسط".

كم من الناس ينبغي أن تقتل قبل أن تستحق صفة القاتل الشامل أو مجرم الحرب؟ مئة الف؟ أظن أن هذا الرقم يكفي ويزيد. ولهذا فإنّ من العدل تقديم بوش وبلير أمام محكمة جرائم الحرب الدولية. لكن بوش كان ذكياً، لأنه لم يصادق على بروتوكول المحكمة. وإذا وجد أي جندي، أو حتى سياسي، نفسه خلف القضبان فإن بوش سوف يرسل المارينز. ولكن بلير صادق على البروتوكول وهو لهذا متوفر للمحاكمة. وفي وسعنا ان نتبرع بعنوانه للمحكمة إذا شاءت: 10 شارع داوننغ، لندن.

الموت في هذا السياق عديم الصلة، مع ذلك. بوش وبلير، كلاهما، يضعان الموت في آخر اعتباراتهما. لقد قُتل 100,000 عراقي بفعل القنابل والصواريخ الأمريكية قبل أن يبدأ العصيان في العراق. هؤلاء الناس ليسوا في عداد الزمان. موتهم ليس في الحسبان. إنهم أصفار. إنهم حتى غير مسجلين في خانة الموتى. "نحن لا نقوم بإحصاء الأجساد"، قال الجنرال الأمريكي تومي فرانكس (...) الدم قذر. إنه يوسخ قميصك وربطة عنقك حين تلقي خطبة صادقة على شاشات التلفزة.

هنا مقطع من قصيدة بابلو نيرودا "إنني أشرح بضعة أشياء":

وذات صباح أخذ كل ما يحترق،

كل ما يُضرم في الدروب

يقفز على الأرض

يبتلع الكائنات البشرية

النار منذ اليوم

والبارود منذ اليوم

والدم منذ اليوم

قطاع طرق مسلحون بالطائرات والمرتزقة

قطاع طرق بخواتم في الأصابع ودوقات

قطاع طرق في ركابهم رهبان سود يبصقون التبريك

هبطوا من السماء لذبح الصغار

وسال دم الأطفال في الشوارع

دون جلبة، مثل دم الأطفال.

بنات آوى من طراز تحتقره بنات آوى

حجارة تعضها الأشواك الجافة وتبصقها

أفاع تمقتها الأفاعي.

وجهاً لوجه، معك، رأيت دماء إسبانيا

تعلو مثل طوفان

لتغرقك في موجة واحدة

من الكبرياء والخناجر.

يا جنرالات الغدر الخونة:

أنظروا بيتي الميت،

حدّقوا في إسبانيا الكسيرة:

من كل بيت يسيل المعدن الذائب

بدلاً من الزهور

ومن كل مَقْبس في إسبانيا

تنبثق إسبانيا

ومن كلّ طفل قتيل تطلع بندقية ذات عيون

ومن كلّ جريمة يولد الرصاص

الذي سيعثر ذات يوم

على عين الثور في قلوبكم.

ولسوف تسألون: لم لا يتحدث شعره

عن الأحلام وأوراق الشجر

والبراكين الكبرى في بلده الأمّ.

تعالوا وانظروا الدم في الشوارع.

تعالوا وانظروا

الدم في الشوارع.

تعالوا وانظروا الدم

في الشوارع.

(...) إن حياة الكاتب نشاط شديد الهشاشة، يكاد يبلغ درجة العري. وليس علينا أن ننتحب جراء هذا. الكاتب يحدد خياره ويلتزم به. ولكن من الصحيح أن يقول المرء إنه منفتح على كل الرياح، التي يكون بعضها قارساً حقاً. المرء في العراء على حسابه، متشبثاً بغصن. لا ملجأ لك، لا حماية، إلا إذا كذبت، وبالطبع فإنك في هذه الحالة تكون قد صنعت حمايتك بنفسك، ومن الممكن القول إنك بذلك صرت سياسياً.

مقاطع من الخطاب الذي القاه هارولد بنتر عن تسلمه جائزة نوبل ترجمة الاستاذ صبحي الحديدي

عن مجلة الكلمة