المحاولات الاولى لادخال السكك الحديد الى العراق

المحاولات الاولى لادخال السكك الحديد الى العراق

د . عماد عبد السلام رؤوف

يعد القرن التاسع عشر عصر السكك الحديدية في العالم، فقد شهد مطلع هذا القرن أول الاختراعات في مجال تطوير محاولات سابقة لإنشاء سكك من الحديد يمكن أن تسير عليها المركبات، بعد أن كانت تسير على الأرض مباشرة، وقد وفر هذا التطوير كثيراً من الوقت والأمان الذي كانت تلك المركبات تحتاج إليه في انتقالها بين المدن على طرق بدائية غير معبدة.

على أن المركبات نفسها ظلت قريبة مما كانت عليه من حيث أنها كانت تعتمد على قوة الخيل في سحبها على تلك السكك، بيد أن التطوير المستمرالذي شهدته سكك الحديد أدى بالتبعية إلى التفكير بتطوير المرجل البخاري الذي لم تكن قد مضت على اختراعه إلا عقود قليلة ليكون مصدر الطاقة الجديد الذي يحل محل طاقة الخيل السابقة. وبذلك بدأ عصر القطار البخاري إذ سار أول قطار من هذا النوع سنة 1825 لغرض نقل الأحمال، وخلال خمس سنوات أخرى جرى تطويره لنقل الركاب وتأخر دخول سكك الحديد الى الممتلكات العثمانية نحواً من نصف قرن في أقل تقدير.

وأول مشروع لإنشاء خط سكة حديد في الدولة العثمانية بدأ سنة 1909 حينما منح السلطان عبد الحميد الثاني إمتياز إنشاء سكك حديد الأناضول سنة1886لتكون تحت إشراف مجلس حكومي من )أركان السلطنة السنية (، وبعد ذلك بسنتين تم إنشاء أول سكة للحديد في فلسطين من يافا الى القدس لنقل الحجاج الأوربيين إليها، إلا أن دخول الدولة العثمانية الى عالم سكك الحديد أخذ خطوات أوسع حينما أمر السلطان بإنشاء سكة حديد تصل الى المدينة المنورة لتسهيل أداء الحجيج مناسك حجهم، وكان هذا مشروعاً كبيراً ومهماً استلزم أموالاَ ضخمة جاء جانبٌ غير يسير منها من خلال التبرعات التي انهالت عليه من العالم الإسلامي، واعتمد فيه على الإمكانات المحلية وحدها، وقد استغرق إنشاؤه ثمان سنوات من 1900 الى 1908 ونبَّه القيام بهذا المروع الى التوسع بإنشاء سكك حديد في أنحاء أخرى من الدولة، وكان السلطان عبد الحميد الثاني قد منح إحدى الشركات الألمانية إمتيازا لإنشاء سكة حديد تمتد من برلين إلى بغداد سنة 1899وإمتيازاً آخر لشركة بريطانية لمد السكة من البصرة الى الكويت.

دخلت أولى مشاريع سكك الحديد الى العراق حينما دعا والي بغداد المصلح مدحت باشا سنة 1869 الى تأسيس شركة أهلية يساهم فيها عدد من الموسرين، وكلهم من البغداديين لتقوم بإنشاء مشروع جديد لم تكن بغداد، بل العراق،تعرفه من قبل، يتمثل بمد سكة حديد بين الكرخ والكاظمية تسير عليه عربات للركاب، وعرف في يومها باسم الترامواي ، وكان هذا المشروع على تواضعه يمثل تجربة مهمة من أكثر من وجه، أولها أنها علمت العراقيين قيمة اختزال الوقت عن طريق تحسين طرق المواصلات، وثانيها أنها كانت التجربة الاولى في مجال الاستثمار عن طريق إنشاء شركات خاصة ذات نفع عام كالتي تولت إنشاء وادارة خط الترامواي المذكور، وذلك بعد صدور قانون التجارة البرية العثماني في 18 رمضان سنة 1286 (/ 21 أيلول 1886 م ( وثالثها أنها نجحت في الاستفادة من تجارب دول أخرى تقدمت في هذا المجال، وذلك في طريقة إدارة المشروع بتفاصيله العديدة، عرباته، محطاته، ومظهره، وتذاكره، وجُباته، وموظفيه، وغير ذلك. وزاد من أهمية المشروع جِدَّته المطلقة، إذ لم تعرف البلاد وسيلة برية للانتقال، حتى ذلك الوقت غير ركوب الدواب، بل حتى العربة التي تجرها الدواب لم تكن مستعملة - فيما يظهر- إلا في نطاق محدود، ولسبب غير واضح لنا الان ل لم يفكر القائمون على المشروع باستعمال الماكنة البخارية لجر مركبات الترامواي، مفضلين استعمال الخيل للقيام بهذه المهمة، هذا مع ان استعمال هذه الماكنة جرى في أنحاء أخرى من العالم قبل عدة عقود من السنين من هذا التاريخ، ونعتقد أن سبب ذلك يكمن في قِصَر المسافة التي أريد أن تقطعها تلك المركبات، والكلفة المرتفعة التي سيكلفها المشروع في حال استعمال طاقة البخار بديلا للطاقة الحيوانية. 

وعى أية حال أثبت المشروع- على عِلاته- كفاءته، وسَدِّه الحاجة الى خدماته بسرعة، والأهم أنه أثبت قدرته على تسديد كلفته، بل ودَرِّ ربحاً مشجعاً على المساهمين في تأسيسه، فأدى ذلك إلى التفكير بتأسيس مشاريع أخرى مشابهة في السنين اللاحقة. منها التفكير في مد سكة حديد من بغداد إلى راوة وتكريت بهدف أن تكون الأخرة عقدة اتصال بن ألوية الموصل وشهرزور )ومركزه كركوك( والسليمانية، وذلك لوقوع قصبة تكريت بمقام الرُّئة بالنسبة إلى هذه الأمكنة الثلاثة ، ثم تركت هذه الفكرة بسبب ارتفاع كلفة المروع وإمكانية الاستعاضة عنه بطرق نهرية، والربط بين النهرين بقناة أو نهر، ليكون وسيلة نقل بين هذه مدن هذا الإقليم وصولاً إلى حلب. وبالفعل فقد جرى توصيل دجلة بالفرات عن طريق شق قناة سميت الكنعانية ( ومهدت بعض المسافات لتكون طرقاً بديلة لذلك المشروع .

وصادف في ذلك العام، أن قصد الشاه ناصرالدين القاجاري بغداد، من أجل زيارة العتبات المقدسة، فاستقبل بحفاوة كبيرة، وشيد لإقامته قصر كبير في بستان واسع يقع خارج أسوار بغداد، سمي بالقصر الناصري حيث تقع مدينة الطب اليوم، وأقيمت الاحتفالات والاستعراضات العسكرية في ساحته لهذا الغرض، وقد انتهز مدحت باشا المناسبة، فعرض على ضيفه مشروعاً طموحاً يقضي بمد سكة حديد من خانقين على الحدود الى بغداد، ومنها الى كربلاء والنجف، ينفق على إنشائها من قيمة بيع بعض الموجودات النفيسة التي تحتفظ بها خزانة مرقد الامام علي في النجف الاشرف ولسبب غيرمعروف لم يلق هذا المشروع قبولا ومن ثم سرعان ما نسي المقترح كله ولم يعد موضوعاً لحديث،لا سيما بعد انتهاء مدة حكم مدحت باشا نفسه.

على أن فكرة المشروع لم تمت، فقد جرى إحياؤها بعد سنوات قليلة، ففي آخر سنة 1878أعلنت جريدة الزوراء عن فكرة يجري تداولها منذ مدة بين عدد من كبار التجار في بغداد لإنشاء سكة حديد تبدأ من بغداد وتصل إلى كربلاء، ومنها إلى النجف، وتمتد من الطرف الآخر إلى خانقين، وبذا يربط وسط العراق بشبكة من خطوط الحديد.

ومن الواضح أن من أهداف إنشاء هذه الشبكة كان تيسير زيارة الوافدين إلى العتبات المقدسة في مدينتي كربلاء والنجف، ونقل الجثامين لدفنها في النجف، سواء من إيران أو من بغداد والمدن الأخرى التي تمر بها تلك السكة بين بغداد وكربلاء، وبين الأخيرة وخانقين، ومن ناحية أخرى فأن من شأن هذه الشبكة الحديثة من الطرق أن تؤدي إلى تنشيط تجارة المحاصيل الزراعية التي تزرع في وسط العراق، لا سيما الحبوب، إلى بغداد وغيرها من المدن، بعد أن كان جانب من هذه المواد يتبع نقله من مناطق إنتاجه مباشرة.ومن المعقول أن تاريخ الفكرة يرقى إلى السنين التي أثبت فيها مروع سكة حديد ترامواي الكاظمية نجاحه، ونمو أرباحه، وبالتحديد سنة تمديد خط 1870 م أذ طرحت فكرة الترامواي من نفس بغداد إلى قصبة كربلاء وسرعان ما تحولت الفكرة الى مشروع من خلال تكوين شركة من كبار التجار في بغداد، تعمل على تأسيسه، وهؤلاء التجار هم:

.1 الحاج عبدالرحمن سليم الباجه جي

.2 الحاج أحمد سليم الباجه جي

.3 الحلج محمود سليم الباجه جي

.4 الحاج مصطفى كبة

.5 السيد حسن كبة

.6 السيد حسن السيد يحيى

.7 يوسف عزره قوجي

.8 مناحيم سلمان دانيال

وقد وافقت الحكومة العثمانية على طلبهم، وجرى توقيع الامتياز في 17 شعبان 1297 ه 1880 م،ووقعه من طرف الحكومة ناظر (وزير) النافعة(الأشغال) حسن فهمي أفندي، أما الطرف الثاني فجميع التجار التقدمين بالطلب .

وتمثل المفاوضات التي جرت بين لجنة إدارة المشروع والحكومة أنموذجاً للأسلوب البيروقراطي البطيء في مثل هكذا مشاريع، حتى انتهت المفاوضات بالتوقف التام، ولم تجدي المحاولات التالية لإحيائه،وحينما اتفقت الحكومة العثمانية مع الحكومة الألمانية على إنشاء خط حديد بين يخترق العراق طولا حتى يصل إلى البصرة جنوباً، وكان مقرراً ان يمر هذا الخط بكربلاء، توقف العمل قبل أن تمتد السكة الى جنوب العراق،وذلك بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى.

عن بحث ( مشروع سكة حديد كربلاء)

م . السبط