محلات النجف القديمة وذكريات محلة (البراق)

محلات النجف القديمة وذكريات محلة (البراق)

عبد الرزاق حرز الدين

كان في مدينة النجف الأشرف محلاّت صغيرة و كثيرة غير منتظمة و لا مضبوطة بحد، وشوارع و مرتفعات و حارات مشهورة بأحد ساكنيها من المعارف، أو إلى أثر تاريخي فيها.

و في اخريات العهد العثماني بالعراق قامت حكومة الأتراك بمشروع تنظيم هذه المحلاّت الصغيرة و حصرها في أربع محلاّت، فعيّنت حدودها، و ضبطت تعداد دورها، و جعلت لكلّ محلّة من هذه المحلاّت الأربع مختارا. كلّ ذلك لأجل إحصاء سكّان مدينة النجف الذي أجري سنة ١٢٨٢ هـ-١٨٦٥ م ليكون مقدّمة للتجنيد الإجباري الذي قامت بتنفيذه حكومة الأتراك سنة ١٢٨٦ هـ-١٨٦٩ م.

و المحلاّت الأربع‏هي: محلّة المشراق. محلّة العمارة. محلّة الحويش. محلّة البراق.

محلّة المشراق‏

هي أقدم محلاّت النجف الأشرف على الظاهر، حيث كان فيها دار عمران بن شاهين الخفاجي زعيم قبائل خفاجة في العراق و أمير البطيحة المتوفى فيها سنة ٣٦٩ هـ، و نقل جثمانه إلى النجف و اقبر فيه.قال شيخنا البحّاثة محمد حرز الدين: رأيت دكّة قبره في آخر سنة من القرن الثالث عشر الهجري، و يبدو أنّه دفن في سرداب داره الواقعة شمال الصحن الغروي الأقدس قرب باب الطوسي ببعد حدود المئة ذراع عنه. و تتألف محلّة المشراق من محلاّت صغيرة تميّزت بعضها عن الأخرى هجرت أسماؤها اليوم فلا تذكر، منها:

١-محلّة العلا :تنسب هذه المحلّة إلى العلا، و هو من مشاهير علماء النجف الأقدمين مقاربا لعصر شيخ الطائفة الطوسي قدّس سرّه. و بقي اسم المحلّة هذا إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري كما تحكيه بعض صكوك الدور في تلك المحلّة المؤرّخة سنة ١٢٤٦ هـ و سنة ١٢٧٥ هـ و ما بعدها، و هو تاريخ شراء دار السيّد محمد بن السيّد علي صعبر المزيداوي-جدّ السيّد الجليل محمود بن السيّد هاشم بن السيّد محمد-الدار الواقعة بمحلّة المشراق المسمّاة بمحلّة العلا.

٢-محلّة حمّام وهب‏

ورد ذكر محلّة حمام وهب في صكّ بيع دار العلوية بنت السيّد محمود بن السيّد إبراهيم الحكيم لأخيها السيّد أحمد، الدار الواقعة بمحلّة حمام وهب من محلاّت قصبة النجف الأشرف بتاريخ ٢٧ شوال سنة ١٢٤٣ هـ.

٣-جبل الديك‏

جبل الديك هو مرتفع نسبي واقع شمال مرقد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ينسب إلى رجل نجفي يعرف بالديك، و على هذا الجبل بيوت آل حسين النجم، و بعض بيوت مشايخ آل مظفر، و آل قسّام و غيرهم.

٤-محلّة عجرم‏

و هي من المحال الصغيرة المندكّة في محلّة المشراق، و عليه صكّ دار بعض النجفيين مؤرّخ سنة ١١٦٢ هـ.

٥-محلّة المصبغة

محلّة صغيرة كان فيها دار الخطيب الشهير المرحوم الشيخ محمد شريف، و في ذلك صكّ مؤرّخ سنة ١٢٤٩ هـ.

٦-محلّة الخيابان‏

موقعها اليوم غربي السوق الكبير في النجف، و فيها سوق المشراق و المدرسة السليميّة الدينية التي أسّسها المقداد السيوري، و في ذلك صكّ مؤرّخ سنة ١٢١٢ هـ .

محلّة العمارة

كانت تعرف بعمارة المؤمنين. موقعها من الحرم الشريف في شماله الغربي حتى جنوبه الغربي مرورا بالغرب. و كان اسم العمارة خاصّا بمحل مقبرة الشيخ صاحب الجواهر و ما قاربها، و ما بعد عن المقبرة كلّ له اسم خاص به، و اليوم هي أكبر محلاّت النجف الأشرف مساحة و نفوسا، و فيها يقيم جلّ العلماء و أهل الفضل و الأسر العلمية قديما و حديثا، و فيها مقابر الكثير من العلماء.

محلّة الحويش‏

هي إحدى محلاّت مدينة النجف الأشرف الأربعة. تقع في الجنوب إلى الجنوب الغربي لحرم أمير المؤمنين عليه السّلام، و يروى في سبب اشتهار هذه المحلّة بهذا الاسم، هو أنّ فرقة من عشيرة الجبور يعرفون بآل حويش وقعت بينهم و بين أعمامهم الجبور فتنة قتلوا فيها رجلا من بني عمّهم، فحكم عليهم العرف القبلي بالجلاء عن عشيرتهم و مسقط رؤوسهم، فجاؤا إلى النجف و بنوا أبنيتهم في هذا الموضع، و لم يكن يومئذ فيها عمارة، فاشتهر الموضع بهم و نسب إليهم.

محلّة البراق‏

من محلاّت النجف الأشرف المسوّرة هي محلّة البراق، تقع في الجنوب إلى الجنوب الشرقي للمرقد المطهر، و فيها محال و مواضع معلومة و مشهورة منها :

١-جبل النور

هو ربوة مرتفعة تقع إلى الجنوب الشرقي للمرقد المطّهر زاده اللّه شرفا، و قد تقدّم أنّها إحدى الذكوات البيض. و على طرف منه مسجد الشيخ الطريحي، و مقبرته في داره الكبيرة الشهيرة بالقرب منه.

٢-جبل الجمّالة

يقع بالقرب من جبل النور من جهة الشرق.

٣-بئر دعدوش‏

موقعها في الساحة التي شيدت عليها متوسطة الخورنق، المجاورة للشيلان الذي أشاده الحاج معين التجار ليكون دار ضيافة لزائري مرقد أمير المؤمنين عليه السّلام.

٤-حارة آل جلال‏

هي محل السوق المعروف اليوم بسوق المسابك، المتّصل بالسوق الكبير. و كان في هذه الحارة منازل الكعبيّين، و هم أسرة علمية شهيرة ظهرت في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر الهجري في النجف الأشرف. و اشتهر من هذه الأسرة الشيخ عبد الواحد بن محمد الكعبي المتوفى سنة ١١٥٠ هـ 

٥-محلّة سيلوه‏ 

و هي أيضا من المحلاّت الصغيرة الواقعة ضمن محلّة البراق اليوم، كما ورد ذلك في أحد الصكوك القديمة.

٦-محلّة آل طريح‏

المحلّة التي ضمّت دور آل الطريحي، و المحيطة بمقبرة رجال أسرتهم، و على رأسهم مؤسّس هذه الأسرة علاّمة عصره الشيخ فخر الدين بن محمد علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن طريح المتوفى سنة ١٠٨٧ هـ، و هي مشهورة حتى اليوم في محلّة البراق.

٧-محلّة أهل الصخير

الصخير هي جابية حولها بئر يستسقى منها بدلاء فيوضع في الجابية لشرب الحيوانات يوم كان ماء النجف في قنوات عميقة جدّا و عزيز الوجود.

٨-محلّة الزنجيل‏

هي اليوم بمحل السوق المعروف بعقد الحمير، و في هذه المحلّة صكّ دار مؤرّخ سنة ١٢٢٢ هـ، و فيها دار وقف لآل الجواهر مجاورة لدور آل شريف. و عرف أخيرا هذا الشارع بشارع التجّار.

و هناك شارع آخر يعرف أيضا بمحلّة الزنجيل و هو شارع البهّاش، و على ذلك صكّ دار آل الغطّاوي-سدنة الحرم العلوي الشريف-المؤرّخ سنة ١١٦٤ هـ، و يظهر أنّ كلّ ما أحاط بالصحن الشريف من شوارع تؤدّي إلى الدخول إليه من أبوابه كان يعرف بشارع الزنجيل، و السبب في ذلك أنّ في العهد القديم كان على كلّ شارع متصل بباب من أبواب الصحن الشريف سلسلة من حديد ذات حجم كبير و وزن ثقيل قاطعة للشارع، و كانت بارتفاع يسير عن الأرض، و تبعد عن كلّ باب من أبواب الصحن عدّة خطوات، فإذا أراد الزائر الدخول و الخروج من و إلى الصحن كان عليه العبور عليها. كانت هذه السلسلة تعرف في النجف بحدّ الأمان لأنّ كلّ من يجتازها و يقرب من الصحن الشريف يصبح آمنا و إن كان مقترفا جناية، فيكفّ عنه المجنى عليه بعد عبوره السلسلة.

و في عهدنا لم ندرك تلك السلسلة الثابتة فوق الأرض المعروفة بحدّ الأمان، و ما أدركناه سلسلة معلّقة على كلّ باب من أبواب الصحن الشريف علّقت من منتصفها في وسط جبهة الباب العليا، و في كلّ من عضادتي الباب ربط طرف منها، و كان الزائرون يدخلون من تحتها. و يروى أن وضع هذه السلاسل على أبواب الصحن بهذا الشكل هو رمز لتلك السلاسل التي كانت فوق الأرض بعد رفعها من مواضعها.و في سنة ١٣٦١ هـ قامت اللجنة المشرفة على تعمير الحرم المطهّر بصنع أبواب جديدة للصحن أفخم من الأولى، و لم يضعوا تلك السلاسل القديمة على الأبواب الجديدة، و وضعت في خزائن الأثريات للحرم المطهّر.

٩-محلّة العميد

و هي من المحلاّت الصغيرة، كما ورد في صكّ دار مؤرّخ سنة ١١٠٩ هـ، و فيها دار أوقفها محمد بن فارس. و يقال إنّ هذه المحلّة داخلة في محلّة البراق. 

أحياء النجف الجديدة

في عام ١٣٥٠ هـ-١٩٣١ م قامت حكومة النجف بأوّل بادرة لتوسعة مدينة النجف القديمة المسوّرة، ففتحت خمسة أبواب في سور المدينة القديمة من الجهة الجنوبية المواجهة لمحلّة البراق و محلّة الحويش. ثمّ أنشأت مقابل كلّ فتحة من السور شارع يتّجه نحو الجنوب تحتضنه دور جديدة سمّيت بمحلّة الأمير غازي، و بعد ذلك أطلق عليها اسم"الجديدة". ثمّ قامت السلطة الحاكمة بالتخطيط لإنشاء أحياء سكنية عديدة، نتيجة لازدياد نفوس مدينة النجف، و للهجرة الجديدة من مدن و قرى الفرات الجنوبية.

 

عن كتاب ( تاريخ النجف الاشرف )