في خمسينيات القرن الماضي..كيف تمكنت الحكومة العراقية من القضاء على (الملاريا)؟

في خمسينيات القرن الماضي..كيف تمكنت الحكومة العراقية من القضاء على (الملاريا)؟

د. حيدر حميد رشيد
كان لمرض الملاريا الصدارة في قائمة الأمراض المتوطنة الوبائية في العراق طوال العهد الملكي وما بعده ، ولم تكن تخلو أية نشرة صحية صادرة عن وزارة الصحة من ذكر للملاريا ، ونجد الشيء نفسه في تقارير المسؤولين الإداريين على مختلف المستويات ، فلقد ورد في تقرير خاص رفعه المفتش الإداري شامل اليعقوبي في مطلع عام 1953 ،

 عقب زيارته التفتيشية للمؤسسات الصحية في مركز لواء السليمانية، إحصائية تبين عدد الأمراض المسجلة في سجلات المستشفى الرئيس في المدينة ، وهي كالآتي : السعال الديكي 24 إصابة ، الحصبة : إصابتان ، الخناق : 9 إصابات ، الرمد والتراخوما : 767 إصابة ، الملاريا : 1724 إصابة .
وعلى الرغم من وجود الملاريا طوال السنة ، إلا أن لها خاصية الانتشار المفاجئ في أوقات معينة من السنة إذا توفرت الظروف الملائمة لها. وقد بلغت نسبته نحو (50.4%) من مجموع الأمراض السارية في العراق في العهد الملكي، وكان هذا المرض هو المسؤول بصورة مباشرة وغير مباشرة عن موت نحو خمسين ألف شخص سنوياً ، ذلك أنه شكل احد الأسباب الرئيسة في تناقص الولادات لتسببه في حالات العقم، والإجهاض الكثيرة، وهو أكبر عامل في ارتفاع نسبة الموت للأطفال التي تصل إلى نحو (20%) في بعض المناطق ، وترتفع إلى (30%) في المناطق التي يكثر فيها الإصابة بهذا المرض الفتاك.
تكمن خطورة مرض الملاريا كونه يؤدي إلى اختلاطات قاتلة ، مثل ملاريا الدماغ ، الملاريا الخبيثة ، وفقر الدم المزمن القاتل وتضخم الطحال والكبد وغيرها من الاختلاطات التي تؤدي إلى الموت، لذا ليس بغريب أن تعد الملاريا أحد الأسباب الرئيسة في تناقض السكان في العراق ، وكان معوقاً رئيساً أمام تقدمه الاقتصادي والاجتماعي حينذاك  . ان السبب الرئيس لعدم إمكانية القضاء على مرض الملاريا في العراق طوال العهد الملكي يكمن ، دون شك في حقيقة أن أعمال المكافحة تتطلب ، عادة ، نفقات طائلة تنوء بها ميزانية الدولة ، كما أنها تحتاج إلى ابحاث علمية دقيقة ، وملاك طبي كبير ومؤهل ، يتمكن من الوصول إلى المناطق الريفية في أعماق الأهوار وإلى أعالي الجبال .وفي الواقع لم تتقاعس السلطات الصحية في تلك المرحلة من اتخاذ الإجراءات الضرورية للسيطرة على هذا المرض إذ كانت هذه السلطات في ذلك العهد تبذل جهوداً غير قليلة لاحتواء الملاريا ، ولاسيما في مضمار أعمال المكافحة ، إذ شهدت السنوات الأخيرة من العهد الملكي توسعاً كبيراً ومتصاعداً في أعمال مكافحة الملاريا قامت بها    " مديرية معهد الأمراض المتوطنة " ، " شعبة الملاريا " بوساطة فرقها الصحية المتخصصة والمزودة بالتجهيزات واللوازم الحديثة والمتطورة التي كانت تتطلبها أعمال المكافحة في المناطق الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية ) ، وبإسناد ودعم من خبراء وأخصائي منظمة الصحة العالمية . وقد شملت أعمال المكافحة جميع ألوية العراق وعلى مدار السنة.
ان الطرائق التي كانت تتبعها مديرية معهد الأمراض المتوطنة كل عام في أعمال المكافحة ، تتمثل عادة بالقيام بإجراء مسح شامل في عموم البلاد لتحديد مناطق وجود وانتشار البعوض المسبب لمرض الملاريا ، وتعيين أنواعه ، ودراسة البيئة التي تعيش فيها يرقات بعوض " الأنوفلس " بأنواعه ، وتتطلب أعمال المسح كذلك إجراء فحوص كيمياوية على مياه المستنقعات والبرك التي يستوطن فيها البعوض لمعرفة مقدار الـ (P. H) ، وقاعدية الماء ومجموعة الأملاح الذائبة فيه ، ومقدار الكلوريدات والكبريتات وبيان تأثيرها على يرقات البعوض. وبعدها تقوم الفرق الصحية في المناطق الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية ) بعمليات الرش للشوارع والمحلات في المدن ، بمادة الـ(دي . دي . تي) أو "الكامكسين" ، وكانت عمليات الرش تتم بواسطة ماكنة "التيفا" أو "المايكروسول" ، وترش المستنقعات الصغيرة والبرك وتجمعات المياه بالنفط الأسود، وردم الاخاديد لمنع تجمع المياه فيها ، فضلاً عن قيام المختصين بتحديد أماكن معينة لوضع سمك الكامبوجيا الذي يتغذى على يرقات البعوض.
اما المستنقعات الكبيرة ، فكان يتم التعامل معها بردمها ، أو رشها بمادة النفط الأسود ، واستعمال ماكنة " التيفا " أيضاً التي ترسل ضباباً نفطياً كثيفاً حاوياً على قاتل للحشرات كالدي . دي . تي للقضاء على أمكان تفريخ البعوض. وأدخلت منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي وسائل جديدة أكثر فاعلية تمثلت باستخدام الطائرات في عمليات الرش الجوي للقضاء على البعوض والحشرات الأخرى ، وكان لهذه الوسيلة نتائج إيجابية تركت انطباعات طيبة لدى القائمين بأعمال مكافحة الملاريا في العراق
وضاعفت " مديرية الأمراض المتوطنة " جهودها باتخاذ إجراءات وتدابير إضافية عند تعرض البلاد إلى كارثة الفيضانات ، لأن أعمال مكافحة البعوض الاعتيادية تصبح غير كافية لوحدها للسيطرة على تكاثره، فعلى سبيل المثال ، قامت " مديرية الأمراض المتوطنة " باتخاذ الإجراءات والتدابير الإضافية في المناطق التي أصابها فيضان عام 1954 الذي ضرب البلاد وأغرق الكثير من مدنها ومناطقها . وطبقت مديرية معهد الأمراض المتوطنة الإجراءات والتدابير نفسها في مدينة بغداد وقد حالت تلك الإجراءات التدابير انتشار وافدة الملاريا، وأشار تقرير رسمي صادر عن وزارة الصحة إلى هذا الأمر على النحو الآتي : " لقد توسعت أعمال مديرية معهد الأمراض المتوطنة هذا العام بالنسبة للأعوام المنصرمة بالنظر لما اصاب العراق من فيضان عظيم ، إلا أن قيام هذه المديرية بمكافحة نمو اليرقات برش المبيدات وقتل البعوض بصورة مستمرة حال دون حدوث وافدة ملاريا ".
اتخذت أعمال مكافحة الملاريا في العراق مساراً جديداً بعد عقد الاتفاقيات بين الحكومة العراقية و " منظمة الصحة العالمية " ودخولها حيز التنفيذ ، فأصبحت بعدها أعمال مكافحة الملاريا تسير على وفق خطط علمية ومدروسة ، استخدمت أفضل الوسائل والطرق المتبعة عالمياً وهو ما كانت تفتقده الإدارة الصحية إلى حد بعيد في عملها ، ففي صيف عام 1952 وصلت إلى العراق أولى الفرق الصحية الدولية المتخصصة في أعمال مكافحة الملاريا ، تطبيقاً لأحكام الاتفاقية التكميلية المعقودة بين الحكومة العراقية "ومنظمة الصحة العالمية" ، كما سبق ذكرها، واتخذت من مدينة السليمانية مقراً لها ، واختارت وادي تانجرو الموبوءة بالملاريا منطقة لأعمالها .
وفي العراق شجعت النجاحات الملموسة التي تحققت في أعمال مكافحة الملاريا، ولاسيما بين عامي 1955 و 1956 ، وزارة الصحة أن تتبنى مشروع استئصال الملاريا ، إذ حددت بداية العام 1957 موعداً للشروع بتنفيذه.وفي بداية عام 1957 دخل مشروع استئصال الملاريا في العراق حيز التنفيذ ، وكان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في طريق طويل لاستئصال شأفة الملاريا نهائياً من العراق ، وقد وصفت نشرة صحية صادرة عن وزارة الصحة لحظات بدء المشروع بأنها " بداية تطبيق مرحلة الهجوم الشامل على جميع المناطق الموبوءة في أنحاء العراق من أجل التخلص من المرض بصورة نهائية " .
وقد أدت أعمال ابادة الملاريا في عامها الأولى إلى حماية نحو ( 3837582) مليون نسمة في العراق يعيشون في (14300) قرية بصورة مباشرة ، كما أدت إلى حماية (864564) الف نسمة بصورة غير مباشرة من الإصابة بالملاريا، وحققت الحملة انخفاضاً كبيراً في عدد إصابات الملاريا ، فانخفضت من (217834) إصابة عام 1956 إلى (107204) إصابة عام 1957.
عن: رسالة (االأوضاع الصحية في العراق 1945- 1958 دراسة تاريخية)