لا يا سماحة السيد: هذه ثورةُ المقهورين، وليست مرتعَ القطعانِ والفاسدين!

لا يا سماحة السيد: هذه ثورةُ المقهورين، وليست مرتعَ القطعانِ والفاسدين!

 يكتبها متظاهر
لم يفقد المنتفضون حتى اللحظة، الثقة بكل من شارك في اعتصاماتهم، ومن بارك ثورتهم، ومن آزرهم، ومن تقاسم معهم الساحات لا منِّةً عليهم، بل إيماناً بقضية الشعب المتطلع لعراقٍ يكون وطناً لهم، لا باحةً خلفية للغرباء، ولا ساحةً للقطعان المنفلتة الأجيرة.

لا يا سماحة السيد، لم نحسبك نحن في ساحاتنا الحرة غريباً عنا، ولم نتوقع أن تكون مواقفك وأنت تتشارك معنا في خيم المقاومة الوطنية السلمية، وساحات الانعتاق من ربقة الفاسدين وأوباش القتلة "منّةً وإدعاءً"، ولا تلتبسنا الشكوك، ونحن نغض الطرف "تسامحاً" مع بعض ما كان يبدر من أنصارك، كما لو أنهم أوصياء علينا، وعلى ما نريد التعبير عنه، أو إعلانه وتنظيمه من شعاراتٍ ونداءاتٍ وفعالياتٍ فكريةٍ وثقافية. ولا ما نراه هوىً لنا، ننسج منه أحلامنا المُجهَضة وتشوّفاتنا التي حان آوان ولادتها، وانبعاثها من خرائب القتلة والفاسدين.
لا يا سماحة السيد، لم يحسبُكَ حتى من يواليك، شباناً اعتصموا كتفاً بكتف مع أخوتهم في الساحات، أنك تضعهم على مفترقٍ حائرين بين ولائهم لك وبين انتمائهم المخضب بالدماء لكل الساحات، وهم الذين كانوا يظنون أنك والإصلاح وثورته على طريق واحد. هل شاهدت "ولدك" الصدري الباكي على أطلال خيمة حرقها من أخذوا انسحابك ضوءاً أخضرَ للقمع، بينما صورتك تطرز صدره منادياً: "لأي سبب باعوا القضية".
ها قد جعلت بعض أتباعك، قبل غيرهم، يختارون الحرية على أن يخرجوا عليها، وهم الذين، كسائر العراقيين المنتفضين، قدموا قرابين الشهادة بالمئات على مذبح الساحات، بينما انشغلت، يا سماحة السيد، بمن شجعَ على شتمك، وهو الشامت بانسحابك، ولم يكن مبتغياً إصلاحاً، ولم تعنيه ساحة ولا ثورة!.
وفي الثورات، يا سماحة السيد، تلتقي الآراء وتتباين، بل وتتقاطع أحياناً، وتَتغيّم الرؤى بالرّيب، حين تلامس الشكوك الضمائر المثقلة بكمائن الأعداء، وما يبيّتونه من مكائد لطمس معالم الثورة والانحراف بها، ودق إسفين بين قواها طمعاً بإضعافها والنيل منها.
لم يكن المتظاهرون سماحة السيد، وهم يتفاعلون مع أنصارك، مرحبين بتواجدهم في ساحاتهم، تميزاً عن أحزاب السلطة، حتى وأنت مشاركٌ فيها، يُشككون في أنك ترى فيها فرصةً لركوب الموجة، وتصفية للحسابات، مع من ترى فيهم "كما يدعي" شركاؤك في العملية السياسية، وإن تقاطعت معهم في التوجهات المعلنة، والخيارات السياسية، خصوماً منافسين على الزعامة والاستئثار بالسلطة، بل وصياغة مفهومٍ لولاية الفقيه، كما يُشيعون.
الثورة، سماحة السيد ليست ميدانَ سباقٍ وركوب، بل ساحات استشهادٍ، وبسالة في السير بها حتى لحظة الانتصار. ولهذا كانوا يمنّون النفس، بان تجعل من أنصارك قدوةً في الإيثار، لا مرتعاً للاستئثار وتعيير ابطال الثورة: "أنهم لا شيء. وليس لساحاتهم أن تبقى، وثورتهم أن تتوقد إذا ما انسحب أنصارك منها"، كما خرج علينا "ابن التيار" حاكم الزاملي!. المنتفضون، يا سماحة السيد، يعون جيداً المقاصد الخبيثة التي تهدف إلى إبعاد واستعداء من يتقاسم معهم الانشداد الى سلامة الوطن ورفعته وكرامة أبنائه، على حساب من يتلفح زوراً برايته.
وقد ظللنا نحن أبناء الانبعاث من جيل الخيبة، المتمردين عليها، نتطلع منك أن ترد عليهم شخصياً، بل وتُقصيهم، للتقوّل عليك، وتحميلك ما لم يرد على لسانك، وأنت الذي كررت القول منذ انطلاق حركات الاحتجاج وتواصلها مع أول صيحاتها قبل سنوات، انها لحظة نهوضٍ وتوثب على انحطاط طبقة فاسدة، ومظالمها وافتضاح معدنها الرديء.
هل كنت انت من وصف الانتفاضة باعتبارها حركة جياعٍ، متمردين على الفساد والطغيان، مستقلين، وطنيين، لا ولاية لأي حزبٍ أو جهة سياسية، عليها.  ألم تتحسس، وإن لم تعلن بالقول، من المشككين باستقلالية الانتفاضة، ووطنية المشاركين فيها، تسفيهاً لمن اتهمهم "بالعمالة والتآمر"، وأكدت على أنهم جمهورٌ وطنيٌ، وأنت ترد على من أسماهم من خلف الحدود بـ"شيعة الإنكليز".
نحن المتظاهرين، سماحة السيد ابتلعتنا المرارة من بعض اتباعك، ومن تغريداتٍ تدعي أنك صاحبها، وهي تهددنا بانك ستتعاون مع الجهات الأمنية لقمع وتصفية انتفاضتنا، لأننا ناكروا جميلك ودعمك ومشاركتك.
أولا يعتريك الحزن والأسى، حين يريد البعض مساواتك مع من بقيت سنوات متواصلة تصفهم بالفاسدين والقتلة وقطعان الرذيلة. كيف تسكت عن تشويه رصيدك "الوطني" ودعوتك لـلـ"إصلاح" وتبنيك للمواطنة العابرة للطوائف والأعراق والأديان، وانضمامك الى الداعين لـ"الدولة المدنية"، لتصبح امتداداً للقتلة واللصوص، وتحويل تيارك الى شركاء للأجهزة الأمنية وللميليشيات الوقحة، وهم سواسية يختفون وراء الطرف الثالث؟.
يا سماحة السيد انها لم تكن سوى تساؤلات ترددت بين صفوف المنتفضين حول تسريباتٍ ممن يريدون أن تنحاز الى صفهم المشبوه، لا تتحمل سوى توضيحٍ منك بردها.
هي تساؤلات حول مدى مصداقية مشاركتك في اجتماع "قم" مع غرمائك من الميليشيات التابعة للغرباء، والآباء المؤسسين لشبه الدولة المنحطة التي زرعت الكراهية والخراب والفساد وقتل الوطنيين.
أنها استيضاحاتٌ حول حقيقة ما تشيعه قيادات الدولة العميقة من "الطرف الثالث" بأنك داعية حكمٍ لا إصلاح. أصحيحٌ أنك مستعدٌ للعودة الى الصف الشيعي من "شيعة الغرباء" الذين لا يؤمنون بالوطن، ولا يوالون من والاه، ويرون في التبعية مذهباً وخياراً؟.
ليس في هذه التساؤلات، إدانة أو تشهيرٌ، أو ما يرتقي الى الشبهة غير المقرونة بالدليل.
 أتدري يا سيد التيار، أن خصومك، وهم يرددون ما نسب إليك من تغريداتٍ مبطنة بالتهديد والوعيد، يسخرون منا؟، وهم يقولون: "هاكم، ها هو من راهنتم عليه، نصيراً للإصلاح والتغيير".
ونحن نقول لهم، نحن أبناء الثورة، صامدون، لن ننحني امام الأعاصير، ولسنا رؤوساً حان قطافها. خذوا العبرة من هذا الاستنفار، من شعب الثورة وهو يزحف في شوارع وميادين التحدي، وانتظروا مسيرة العراق، إذ يزحف من "الناصرية" أيقونة الثورة، وحاضنة شهدائها الأبرار.