الدكتور عبد الجبار عبد الله..العالم الفيزيائي والمثقف الوطني عندما انتمى لجمعية الرابطة الثقافية سنة

الدكتور عبد الجبار عبد الله..العالم الفيزيائي والمثقف الوطني عندما انتمى لجمعية الرابطة الثقافية سنة

د. ستار نوري العبودي
ولدت فكرة تأسيس هذه الجمعية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية حين بدأت كفة دول الحلفاء تترجح على كافة دول المحور لاسيما بعد عام ١٩٤١ حين بدأ الهجوم الألماني النازي على الاتحاد السوفيتي (يوم ذاك)، واعتقد بعض الشباب من الذين انتموا إلى جمعية الرابطة فيما بعد ، ان ذلك الحدث يعد تحولا خطير في مجريات الحرب ، وعلقوا الآمال، على وجود الاتحاد السوفيتي في جبهة الحلفاء التي توقعوا انتصارها في الحرب سيساعد على انتصار الديمقراطية بمفهومها السياسي والاجتماعي في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية في بقاع عدة من العالم ومنها المنطقة العربية ،

 ولهذا اعتقدوا ان العرب سينالون حقوقهم وربما سيؤدي ذلك إلى نصرتهم والى فشل المشروع الصهيوني في فلسطين.

في تلك الأجواء السياسية الصعبة، فكر عبد الفتاح إبراهيم ; ابرز ألمثقفين الديموقراطين في العراق ولولب الحركة التي ستظهر فيما بعد بهذا الاسم، في تأسيس جمعية ثقافية تجمع شمل الديمقراطيين التقدميين في كتلة واحدة، ولعل ذلك سيكون نواة لحزب سياسي ديمقراطي اشتراكي راديكالي في ما بعد. ولهذا تقدم عبد الفتاح إبراهيم وصحبه بطلب إلى وزارة الداخلية في عهد وزارة نوري السعيد لتأليف (جمعية الرابطة الثقافية)، وقد وافقت وزارة الداخلية عنى الطلب٠ وبذلك أعلن عن تأسيس الجمعية في ٦ ٢ من شهر كانون الأول عام ١٩٤٣ في بغداد، وهي تتكون من عبد الفتاح إبراهيم، وخدوري خدوري ، وعبد الجبار عبد الله ، والمحامي مخلف العبيدي ، و جمال عمر نظمي ، وحازم نامق ، وجميل عبد الله و انتخب لإدارتها عبد الفتاح ، وجمال عمر نظمي سكرتيرا ، ومجيد عبد الله محاسبا، كما ضمت الجمعية عددا آخر من التقدميين والديمقراطيين من أمثال ناظم الزهاوي ، ومحمد توفيق حسين ، وفاضل حسين، وكامل قزانجي.
وبعد ذلك عمل الاستاذ عبد الفتاح أبراهيم على تأسيس نادي بغداد ليكون، ملتقى الديموقراطين التقدميين قبل ان يؤسس جمعية الرابطة الثقافية و للهدف ذاته٠ ثم عمل على إصدار مجلة (العصر الحديث) في عهد وزارة حكمت سليمان ،ظهر منها احد عشر عددا ، فصدر العدد الأول منها في الأول من ايار ١٩٣٧، بينما صدر ١لعدد الأخير في تشرين الأول في العام ذاته٠ كشفت المجلة في افتتاحية عددها الاول الهدف من تأسيسها بالقول انه يتولى تحرير هذه المجلة بعض شباب هذا البلد وقد صحت عزيمته على ان يجعل منها صحيفة للثقافة والبحث العلمي و غرضه تهيئة الأسباب الفكرية لمستقبل شعب يعيش في القرن العشرين ، بلد أنعمت عليه الطبيعة أعظم خيراتها٠ ومع ان التدقيق في أسماء أسرة تحرير المجلة او المساهمين فيها لا يكشف عن هوية عبد الجبار عبد الله بين افراد هذه المجموعة من الشباب ، لكننا سنكتشف بعد حين انها ذات المجموعة التي تنفس من خلالها عبد الجبار إطاره الفكري العام ، بعد تشكيلها لجمعية ثقافية كبيرة جديدة في العراق ، وبذات التوجهات- والآفاق ألفكرية، ألا وهي (جمعية الرابطة الثقافية ) عام ١٩٤٣.
أما أبرز أهداف الجمعية الجديدة ، فهي بث الثقافة والروح الديمقراطية وتشجيع النشاط العلمي والاجتماعي ، وكل ما يتيسر لها من الوسائل المشروعة كإصدار النشرات ونشر البحوث وأعمال التأليف والترجمة وإلقاء المحاضرات و إقامة الاجتماعات والتعاون مع المؤسسات التي لها علاقة بموضوع الرابطة٠ وحين جرى انتخاب هيئاتها الإدارية في كانون الثاني من عام ١٩٤٤، لم يكن عبد الجبار عبد الله عضوا في تلك الهيئة ، لكنه كان انشط أعضاء مجلتها الشهيرة والمهمة والتي مثلت ابرز اعمالها خلال تلك المرحلة حين شغل موقع سكرتير التحرير فيها منذ صدور العدد الاول لتلك المجلة في ١٦ مارت (آذار) في كانون الثاني ١٩٤٤. كان صاحبها عبد الفتاح ابر اهيم واعضاء هيئة تحريرها جمال عمر نظمي وخدوري خدوري ومحمد غناوي وعبد الجبار مخلف العبيدي فضلا عن عبد الجبار عبد الله سكرتير تحريرها ٠
أما عن انتماء عبد الجبار عبد الله لجمعية الرابطة الثقافية ودوره فيها ، فتظهر الأحداث ان انتقاله من البصرة إلى بغداد في أواخر عام ١٩٤٣ كان مناسبة لإعادة شبكة علاقاته الاجتماعية بزملاء دراسته السابقة في مرحلة الدراسة الاعدادية المركزية او في الجامعة الأمريكية في بيروت، لاسميا ان فكرة تأسيس رابطة ثقافية جديدة في بغداد، يوم ذاك، كانت قد ظهر ت بين خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت ، ولهذا فانه لم يتأخر في الانتماء إلى مثل هذه الجمعية التي روج لها زملاء كان قد تعرف إليهم من قبل وخبر توجهاتهم الفكرية الوطنية ، فكان من السباقين في الانتماء لها ومن الناشطين فيها، ولهذا .لم يكن من مصادفة ان يحتل هو ابرز موقع في مجلتها المهمة والمسؤول عن صفحاتها العلمية ٠ لقد ضمت هذه الجمعية عددا كبيرا من الشباب المثقف في العراق حيث بلغ عدد أعضائها في الأيام الأولى لتكوينها ستين عضوا في بغداد والموصل وبعقوبة والكوت ، وضمت بين أعضائها عددا من كبار المثقفين الذين لعبوا دورا فكريا وثقافيا متميزا قيما بعد ، نذكر منهم على سبيل المثال ، الدكتور فاضل حسين والأستاذ طه باقر و كوركيس عواد، فضلا عن مؤسسيها عبد الفتاح إبراهيم وعزيز شريف وحسين جميل وجواد هاشم وغيرهم٠ ولابد لمثل هذا الجمع ان يترك بصماته على كل عضو من أعضاء هذه الجمعية ومنهم عبد الجبار عبد الله. والحقيقة ان التأثير الثقافي للجمعية امتد الى خارج نطاقها بعد ان توسعت نشاطاتها ٠ فقد شكلت الجمعية بعد تأسيسها العديد من اللجان لممارسة نشاطاتها الثقافية، من خلال لجنة المحاضر ات و المناقشات ولجنة التأليف والترجمة والنشر وغيرها من اللجان الأخرى ٠ ولم تكتف الجمعية بذلك فقد أسست مكتبة خاصة بها من اجل بيع مجلة الرابطة ومنشوراتها من الرسائل والكتب ، ثم توسعت نشاطاتها لتأسيس شركة للطباعة بعد ان اشترت مطبعة حديثة سمتها مطبعة الرابطة وكان مقرها في منطقة الصرافية و (مطبعة دار الجماهير الحالية) والتي جرى استملاكها من قبل الدولة عام ١٩٦٨، بعد تعويض المساهمين السابقين ٠ ومع ذلك فان مجلتها التي شغل فيها عبد الجبار عبد الله موقعا مهما، كانت هي الأهم بين جميع نشاطاتها ، كما يؤكد ذلك أحد أعضائها.
لقد قام عبد الجبار عبد الله بدور متميز في إصدار تلك المجلة وكان يعمل بجد وصمت منذ صدور عددها الأول، وابتعد عن أضواء الشهرة رغم انه كان يكتب عدة مواضيع في المجلة، لاسيما تلك المواضيع التي استحوذت على اهتماماته العلمية كأخبار الفلك والرصد الجوي والفيزياء وغيرها من الموضوعات العلمية الأخرى ويبدو أن الأجواء ألثقافية العامة ألتي عاش في رحابها عبد الجبار عبد الله قد القت بظلالها هي الأخرى فجعلته يدلو بدلوه ايضا في بعض الموضوعات الفكرية والاجتماعية المهمة، ولهذا نجده يرد مثلا على احدى المقالات الفكرية التي كتبها الاستاذ عبد الفتاح ابراهيم ، وكانت بعنوان (الحرية والضرورة) والقراءة المتأنية لهذه المقالة، تؤشر لنا ملامح شخصية وطنية وفكرية مستقلة عن بعض الشخصيات الرئيسة في هذه الجمعية ٠ ولم يتوقف عبدالجبار عن هذه المقالة انما اردف ذلك بمقالة اخرى تحت عنوان (الحرية والضرورة في المجتمع)، وفي هذه المقالة ، يلمس القارئ بوضوح مدى تبلور الوعي الوطني والتوجهات الديمقراطية والاشتراكية لأفكار عبد الجبار عبد الله، والتي اتسمت برؤية خاصة في فهم الديمقراطية والمجتمع ، بحيث اختلفت بقدر او بآخر عن فهم الأستاذ عبد الفتاح إبراهيم ، وجماعة الأهالي التي اشتهرت بفكرة الشعبية المعروفة ٠ ومع هذا فان ذلك لا يعد خلافا جذريا بينه وبين جماعة الرابطة التي كان هو احد عناصرها الرئيسين لان سيرته اللاحقة تؤشر ذلك، فقد ظل وفيا لتلك الجماعة كما ظل؛ اهتمامه الرئيس منصبا على الجانب العلمي بالدرجة الأساس قياسا ببقية اهتماماته الثقافية والفكرية الأخرى ، ولهدا نراه يتوقف عن مثل هذه المماحكات الفكرية ، ويعود إلى مساره العلمي الأول ، فيكتب مقالة بعنوان: الفيزياء المثالية والمادية٠ ثم يتممها بمقالة أخرى بذات العنوان في العدد اللاحق، ورغم كثافة نشاطه العلمي والصحفي خلال هذه المرحلة، إلا ان أواخر العام ١٩٤٤ يشهد آخر نشاطاته في العراق وذلك بعد سفره في تشرين أول من العام المذكور إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته ألعليا هناك ولهذا كان العدد الثاني عشر من المجلة الخاصة بالرابطة هو آخر الأعداد التي حملت اسم عبد الجبار عبد الله كسكرتير للمجلة المذكورة فحل محله السيد خدوري خدوري سكرتيرا جديداً لها. ومع ذلك فقد نشرت له المجلة مقالة جديدة بعنوان (نشأة العلم) في بداية العام ١٩٤٥، يبدو انه تركها لدى هيأة التحرير في المجلة، ثم اردفها بمقالتين أخرتين، فكانت الأولى تحت عنوان (العلم والتطورات الاجتماعية) والثانية تتمة للموضوع٠ ويبدو لنا ان تلك الموضوعات كتبها قبل سفره إلى الولايات المتحدة ألأمريكية أو أرسلها عن طريق البريد ، وهو؛ الاحتمال ألأضعف في تقديرنا٠
عن: كتاب (الدكتور عبد الجبار عبد الله – سفير العراق العلمي – العالم الفيزيائي والمثقف الوطني)