مساهمات د. عبد الجبار عبد الله العلمية (1911-1969) د. برنارد هورويتز و د. جيمس اوبراين

مساهمات د. عبد الجبار عبد الله العلمية (1911-1969) د. برنارد هورويتز و د. جيمس اوبراين

ترجمة: عزيز سباهي
المساهمات العلمية للدكتور عبد الجبار عبد الله هي في حقل الأنواء الجوية الديناميكية وهو فرع من فروع علم الجو، ويهدف الى فهم وتفسير ما يجري بتطبيق قوانين الفيزياء. وقد استفاد دكتور عبد الله في ابحاثه فائدة جيدة من دراسته المبكرة للرياضيات في الجامعة الامريكية في بيروت ومن عمله التطبيقي في الانواء الجوية في مطار البصرة (العراق) ما بين 1937 و1941 وابحاثه المنشورة تظهر درايته بتقنيات الفيزياء الرياضية ومعرفته بالظواهر الطقسية التي كان يدرسها.

من ابحاثه العلمية الاولى اطروحة الدكتوراه (في جامعة ام اي تي) وقد عالجت نظرية الامواج الجوية والفت مناقشة شاملة لتزايد طاقة مثل هذه الامواج بواسطة سرعة مجموعتها. ثم وجه اهتمامه نحو مشكلة تكون الاعاصير الحلزونية المدارية وتحري التأثير الميكانيكي لاندفاع هواء بارد في تكرار الاعصار الحلزوني  وأظهر ان اندفاع هواء بارد ضد هواء اقل برودة يعطي الاخير مقدار من الطاقة مساويا لتلك الطاقة التي توجد في اعصار حلزوني نموذجي. وقارن نتائجه ببعض حالات الاعاصير الحلزونية الواقعية. والملاحظ انه حصل على مقاربات جيدة للجو الفعلي بنماذج رياضية مبسطة تبسيطاً عالياً. وهذا ما تميزت به كذلك اعماله اللاحقة. وافترض على الخصوص ان الجو يمكن اعتباره غير قابل للانضغاط. وان انخفاض الكثافة الجوية مع الارتفاع الى الاعلى يمكن ان يحاكى تماما بافتراض طبقات متجانسة من كثافات مختلفة. ان هذا العمل مهم، على وجه الخصوص، لأنه يدل على التطبيق الحقيقي لأسلوب الاعداد البيانية في اللوغاريتمات على قضايا الانواء الجوية. وفي بضع سنوات فقط حذت ابحاث عديدة حذو ما توصل اليه د. عبد الله. واستخدمت هذه الاداة الجبارة في حل معادلات تفاضلية جزئيا زائديه المقطع في معالجة القضايا الجوية.
في مجرى تحليله الرياضي لقضية الأعصار الحلزوني لاحظ د. عبد الله ان فعل الهواء البارد على الهواء الأقل برودة (اي الأدفأ) يحدث في الحدود العليا للهواء الأقل برودة ما يعرف في علم القوى المائية بـ "الموجة المنعزلة". وخمن ان مثل هذه الظواهر قد توجد في الجو ودرس تأثيراتها الجوية في بحثين من أبحاثه  . واستخلص من دراساته انها تتماثل والأعاصير المضادة*** المتنقلة الصغيرة التي شخصها فاويش وميلر في 1954 (نشرة جمعية الأنواء الجوية الأمريكية-العدد 35) بالارتباط مع تكون الأعصار القمعي واسمياها بـ "الفقاعات" وكانت هاتان الدراستان طليعة الحقل الخاص من العلوم الجوية الذي يعرف بـ " Mesometeorology ". والذي ازدهر، وغدا فرعا مهماً من علم الأنواء الجوية.
 وفيما كانت الموجات المنفردة او المنعزلة تدرس حتى ذلك الحين على السطح الحر لطبقة سائلة واحدة، رأى عبد الجبار عبد الله ان هذه الموجات المنفردة تحدث على السطح البيني الذي يفصل بين طبقتين سائلتين لكل منهما كثافة مختلفة، وان من الأفضل الى حد ما الاستعانة بنموذج مرن مقارب للجو الفعلي. وقد دلت دراسة هذه الموجات المنفردة البينية المقترحة انها يمكن ان تحدث، في ظروف معينة اضطراباً، بل وتسهم في تكوين الأعاصير القمعية – Tornedo.
في عام 1955 اجرى د. عبد الله دراسة تفصيلية  حول ديناميكيات الأعاصير القمعية المتطورة تماما على اساس نموذج رياضي بسيط يتألف من pure vortex ,pure sink بالمعنى الهايدروديناميكي. وكما اشار هو, فأن نموذج رياضيا كهذا قد بسط تبسيطا شديداً. اذ انه وضع جانباً تأثيرات الحركات العمودية والاحتكاك والحرارة الكامنة للتكاثف في المنطقة الخارجية للأعصار القمعي. ومع ذلك فقد نجح في حساب الضغوط المركزية الواطئة والسرعات العالية التي تتولد عنها الأثار المدمرة للأعاصير القمعية – Tornedos. وفي بحث آخر  اجراه بعد احد عشر عاما عاد الى مشكلة الأعصار القمعي وأظهر ان الابتعاث الصوتي للأعاصير القمعية الذي اشار اليه كثير من المراقبين ربما يرجع الى الذبابات الحرة لدوامة الأعصار القمعي شرط ان تكون الدوامة الصغيرة بما فيه الكفاية، وهو استنتاج يتفق مع التقارير التي افاد بها المراقبون والتي تقول بأن الأنغام الموسيقية لا تسمع الا بالارتباط مع الأعاصير القمعية ذات القطر الصغير بينما لا يسمع من الدوامات الواسعة سوى الضجيج.
استخدم د. عبد الله ايضا نماذج رياضية بسيطة مماثلة لدراسة القوى المحركة لاضطرابات جوية اوسع ونعني بها الأعاصير الحلزونية الدائرية. وكان قادر ان يبين كيف انه حتى في افتراضات مبسطة جدا، اي بأحلال الجو المضغوط في ثلاث طبقات افقية ذات كثافة ثابتة ولكن مختلفة، واغفال تأثيرات الاحتكاك وتأثيرات دوران الأرض على التحركات الجوية، يمكن حساب المنطقة الداخلية الهادئة او القريبة من الهدوء او ما يدعى بعين الأعصار على اسس هايدروديناميكية محضة. وفي ذات الوقت درس التذبذبات المحتملة التي تتركب او تطبق على الأعاصير الدائرية المتناسقة المصحوبة بالأمطار والرعود وأظهر ان هذه التذبذبات التي تزيد فتراتها على نصف قشرة دوران نواة الأعصار قد تؤدي الى تركيبة على شكل حزمة تطبق على الحركة الدائرية المتناسقة. ان هذه التركيبات المشابهة للحزم التي توجد في الأعاصير المصحوبة بالأمطار والرعود قد وثقت توثيقا جيداً بصور جديدة وحديثة لهذا النوع من الأعاصير من الأقمار الصناعية المخصصة للأنواء الجوية.
قضية اخرى كرس لها د. عبد الله مزيد من الوقت والفكر  هي ما يدعى بخطوط قفز الضغط. فطبقا للمشاهدة يتغير الضغط البارومتري عمليا دون انتظام على طول خطوط قفز الضغط التي ترافقها اضطرابات شديدة محلية في الطقس كما هي الحال مع الريح القاسية المصحوبة عادة بالمطر او الثلج. ان العمليات الهايدروديناميكية التي تحدث على هذه الخطوط، والأساليب الرياضية لدراستها هي مشابهة جدا لتلك العمليات التي استخدمها في دراسته للأعاصير القمعية وتلك المصحوبة بالأمطار والرعود.
ربما كان من الخصائص البارزة في البحث لدى عبد الجبار عبد الله انه كان قادرا في كثير من الأمثلة على توضيح العديد من الصفات الملاحظة في الظاهرة التي يحللها بنماذج رياضية مجردة تجريداً عالياً. كان يدرك، بالطبع، ادراكا جيداً انه بسبب هذه التبسيطات قد لا تفصح تخطيطاته عن كامل القصة، ولكن هذه التبسيطات من الجانب الأخر تشير في كل مثال الى تلك الأوجه الخاصة في الظاهرة الجوية التي ينبغي ان تأخذ عوامل اضافية في حسابها للتوصل الى تفسير كامل.
 من الأبحاث البارزة التي توضح قدرته على استنباط سلوك الجو من تخطيط رياضيا بسيط هو بحثه [26] فقد اقترح جواً منضغطا ذا طبقتين تكون فيه الطبقة السفلى ذات درجة حرارة تميل الى الانخفاض بشكل ثابت والعليا ثابتة الحرارة وفرضيته الرئيسية هي ان الطبقات المنتجة للغيم تنشا عن موجات جذب داخلية. يعطي نموذجه ثلاثة مستويات في الطبقية السفلى التي ربما يتكون الغيم فيها عن موجات الجذب الداخلي مقياس سرعتها المرحلية هي عشرة أمتار في الثانية. هذه المستويات تقع ضمن حدود خطوط الارتفاع المشاهدة للغيوم في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي. ووجد في ذات الوقت ان هناك مستويين في الطبقة العليا ذات الحرارة الثابتة توحي بأن موقع الغيوم ذات العروق اللؤلؤية هي في القسم الأسفل من الجزء الأعلى للغلاف الجوي وموقع الغيوم المضيئة الرقيقة **** قريب من المنطقة الانتقالية التي تقع بين طبقتي الميزوسفير والأكسوسفير من الغلاف الجوي (المترجم).
ان معظم العلماء الأمريكيين على دراية بمساهمته المهمة في علم الأنواء الجوية في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات في الأم آي تي اولا وفي جامعة نيويورك من بعد. وقد لا حظوا مساهماته الكثيرة في عام 1966 حين عاد الولايات المتحدة كعالم أقدم في برنامج الدراسات المتقدمة للمركز الوطني للأبحاث الجوية في بولدر كولورادو، ومن ثم كأستاذ للعلوم الجوية في جامعة ولاية نيويورك (الباني). ومع ذلك فأن كثيرين من علماء الولايات المتحدة لم يطلعوا على جهوده التعليمية المتفانية في وطنه الأم (العراق). فمنذ عام 1947 حتى عام 1962 وضع وترجم خمسة كتب للتدريس في الفيزياء، وعلم الأنواء الجوية باللغة العربية لكي تستخدم في بلاده، ومنذ 1959 حتى عام 1963 شغل منصب رئيس جامعة بغداد الفتية. وفي الفترات التي يزور فيها الولايات المتحدة الأمريكية كان زملاؤه يعرفون ان بغداد هي الوطن بالنسبة له, وحتى في الوصف الأخير الذي ادرجته عنه نشرة "رجال العلم" جاء ان بغداد هي وطنه مع مكت له في (المركز الوطني للبحث الجوي في بولدر كولورادو).
لقد فقد وطنه العراق بموته واحدا من أبرز علمائه، ان زملاءه الذين أسعدهم الحظ للتعرف عليه شخصيا كزملاء في المهنة وكأصدقاء سيذكرون ليس فقط لمساهمته في علم الأنواء الجوية وانما ايضا لخصاله الإنسانية الرفيعة.