صفحة مطوية لصورة نادرة و زيارة ملكية..عندما زار الملك فيصل الثاني خان مرجان

صفحة مطوية لصورة نادرة و زيارة ملكية..عندما زار الملك فيصل الثاني خان مرجان

رفعة عبد الرزاق محمد
هذه الصورة التاريخية المعبرة ، كثيرا ما سئلت عنها ، اذ كنت اعرف اغلب الظاهرين في الصورة ولم اعرف اثنين منهم حتى اسعفني الاستاذ الراحل سالم الالوسي في اجابة لسؤالي يوم الخامس من اذار 1983، ومن الطريف انه في عام 2010 التقى الكاتبة الاعلامية السيدة سعاد الجزائري وكنت حاضرا هذا اللقاء ، ولما صار الحديث عن ناجي الاصيل وخان مرجان وتجديده ،

 احضر الالوسي رحمه الله هذه الصورة وبدأ بذكر من في الصورة باديا ، لكنه نسي بعض الاسماء ، ربما بسبب الشيخوخة ، فاستدركت عليه وقلت له : انك قد ذكرت لي سنة 1983 ان هؤلاء فلان وفلان ، فاكد هذا واستحسن استدراكي .
الصورة التقطت يوم 13 كانون الاول 1945 لزيارة الملك فيصل الثاني لدار الآثار العربية في خان مرجان ، ويشاهد الملك والى يساره الامير رعد بن الامير زيد . وفي الوسط يشاهد الدكتور ناجي الاصيل مدير الاثار العام والى يمينه المستر سيتون لويد المستشار الفني بدائرة الاثار العامة ،فالدكتور مصطفى جواد والاستاذ داود ضياء مدير متحف دار الاثار العربية  ، وقد افادنا الاستاذ مؤيد البصام ان داود هذا هو والده . والى يساره العقيد عبد الوهاب عبد اللطيف مرافق الملك فيصل الثاني ، والاستاذ طه باقر امين المتحف العراقي والاستاذ سالم الالوسي الموظف في مديرية الثار العامة والمشرف على مجلة ( سومر) ..
 تذكرت بعد كتابة هذا التعليق ان نبذة عن هذه الزيارة الملكية كان قد كتبها لي الاستاذ الراحل سالم الالوسي من سنوات ، وقد عثرت عليها  بآخرة ، واقدم هنا فحواها ، ولعلها تحتجن فوائد تاريخية غائبة لمن يروم البحث عنها وغيرها .
 وفي البدء اقول ان الدكتور مصطفى جواد لم يكن يومذاك من موظفي دائرة الاثار العامة ، بل كان مدرسا في دار المعلمين العالية ، وانتدب لتعليم الملك فيصل الثاني مباديء اللغة وادابها ،  وقد ذكر انه طلب من دار المعلمين العالية ان ينقل الى مديرية الاثار لصعوبة الجمع بين التدريس في الدار وتعليم الملك الصغير فنقل الى وظيفة ملاحظ فني في مديرية الاثار العامة ، ولما راى سوء الادارة فيها ــ كما ذكرــ وبقاء راتبه المالي على حاله رجع الى دار المعلمين العالية وبقي فيها الى ان انشأت جامعة بغداد وسميت هذه الدار بكلية التربية .
 شارك الدكتور مصطفى جواد  في اعمال مديرية الاثار العامة في مجال البحث  والتحقيق التاريخي ، وكان من ابرز الكتاب في مجلة سومر التي تصدرها تلك المديرية ، وتمتاز كتاباته بالرصانة العلمية والنقدية . وله الفضل في حذف كلمة ( القديمة ) من اسم مديرية الاثار القديمة ، لكون الاثار تتصف بالقدم ، والاكتفاء بدائرة الاثار العامة .
زيارة الملك فيصل الثاني للآثار :
يذكر الاستاذ الالوسي : ان الدكتور مصطفى جواد كان خلال تعليمه الملك فيصل اللغة العربية والتاريخ ياتي له ببعض الامثلة والشواهد التاريخية ، وكان يرغبه في زيارة الاثار ، فاستجاب الملك لهذه الرغبة حيث قام بزيارة المتحف العراقي يوم 6 كانون الاول 1945 اعقبها بزيارة الى دائرة الاثار العربية في خان مرجان يوم 13 كانون الاول 1945 . وكان يرافقه الامير رعد نجل الامير زيد ورئيس المرافقين العقيد عبد الوهاب عبد اللطيف .
كان في استقبال الملك هيئة برئاسة الدكتور ناجي الاصيل مدير الآثار العام والاساتذة : طه باقر امين المتحف العراقي والمستر سيتون لويد المشاور الفني في مديرية الاثار العامة والدكتور مصطفى جواد الملاحظ الفني فيها والسيد داود ضياء المسؤول عن ادارة متحف الاثار العربية والسيد سالم الالوسي دليل المتحف . ويذكر الالوسي ان دخول الملك من باب دار الاثار العربية في خان مرجان في شارع السمؤال وهي باب مستحدثة ، فالباب الاصلية تقع في سوق الاقمشة بدلالة الكتاب التاريخية التي تعلو المدخل الاصلي .
تولى الدكتور ناجي الاصيل تقديم نبذة مختصرة عن الدول والسلالات التي حكمت العراق بعد سقوط الدولة العباسية . بعدها التفت الاصيل نحو الدكتور مصطفى جواد طالبا منه الكلام عن تاريخ الخان الذي تم تحويله بعد صيانته وترميمه الى متحف يضم الاثار العربية . فبدأ الدكتور جواد يتحدث عن العهد الجلائري وتشييد المدرسة المرجانية على يد امين الدين مرجان على عهد السلطان اويس الجلائري عام 758 هــ (1356 م) وتعرف اليوم بجامع مرجان ، اما هذه البناية التي تعرف بخان مرجان فهي من اوقاف المدرسة المرجانية وقد تم بناؤها عام 760هــ ( 1358م) ، وذكر له ادوارها التاريخية حتى سميت بالعهد العثماني الاخير بخان الاورتمة ( المسقوف ) . وكانت مديرية الاثار قد تسلمته من مديرية الاوقاف العامة واصلحته وجعلته دار للاثار العربية والاسلامية التي تضم مجموعة نفيسة من الاثار من بينها تلك التي اكتشفتها دائرة الاثار في كل من الكوفة وواسط وسامراء ..
يذكر الاستاذ الالوسي ان الذي جلب نظر الملك وابن عم ابيه جرة كبيرة ( حب للماء كبير) مزينة بالزخارف والنقوش البارزة الجميلة ، فالتفت نحو الدكتور مصطفى جواد مستفسرا ،فاجابه :
يا سيدي هذا نوع نفيس من الاواني الفخارية تتميز بالكتابة والنقوش الناتئة وهو ما يعرف عند مؤرخي الفنون الاسلامية بـ ( الباربوتين ) ، وكان يحلى هذا الاناء بيتان من الشعر بالخط النسخي الناتيء ، وانحنى الدكتور جواد متفحصا مدققا قارئا وبعد لحظات قال : ياسيدي هذا شعر يعبر عن حال هذا الحب وكيف استقر به المقام في بيت اهل الفضل والكرم بعد مكابدة :
انا حب للماء فيّ شفاء           
                                      ورواء للوارد الضــــمآن
نلت هذا عند الكرام بصبري   
                                 يوم القيت في لظى النيران
فضحك الملك والحاضرون واثنوا على براعة الدكتور جواد في قراءة النصوص .
وفي معرض الاثار المعدنية كالاواني والاباريق والكؤوس والصواني وغيرها ، اشار الدكتور جواد الى اثر معروض مصنوع من النحاس غريب الهيئة والشكل قائلا : هذه يا جلالة الملك اداة من ادوات العلم والادب تسمى ( المقلمة) وهي عبارة عن دواة او محبرة الصقت بجسم مستطيل لحفظ الاقلام ، وكانت هذه الاداة يحملها العلماء والشعراء والكتاب واصحاب الحاجات في حلهم وترحالهم يضعونها في احزمتهم عند الانتقال مشيا او ركوبا ..
كانت ايضاحات مصطفى جواد موضع اعجاب وتقدير الحاضرين المرافقين للملك . ولم يكتف الدكتور جواد بذلك فهمس قائلا للدكتور الاصيل : مولانا الاستاذ : اما كان الاحرى بالقائمين على شؤون المتاحف والاثار ان يطلقوا كلمة ( المأثرة ) على المتحف لانها المكان المخصص للاثار ؟ فرد عليه الدكتور الاصيل قائلا : ولكن كلمة المتحف ابلغ واجمل لانها مكان حفظ التحف . بعدها هرع الحضور لتوديع جلالة الملك.