الكتب المتبادلة بين وزير التموين محمد حديد ورئيس الوزراء نوري السعيد

الكتب المتبادلة بين وزير التموين محمد حديد ورئيس الوزراء نوري السعيد

من محمد حديد إلى نوري السعيد
بغداد في 26 كانون الأول 1946م.
حضرة صاحب الفخامة السيد نوري السعيد المحترم..
منذ ان ابتدأت المراحل الأولى للانتخابات النيابية في الايام الاخيرة، اخذت الاخبار تتوارد من اعضاء الحزب الوطني الديمقراطي في انحاء العراق حول التدخلات التي يقوم

بها رؤساء الوحدات الادارية، والموظفين هناك في هذه المراحل، كالايعاز الى المختارين بترشيح اشخاص معينين للجان التفتيش، والتدخل في انتخاب هذه اللجان. حتى بلغ الأمر ببعض رؤساء الوحدات الادارية الى الغاء تلك الانتخابات التي لم تأت نتائجها حسب رغباتهم واجراء انتخابات اخرى حققت تلك الرغبات.
لايخفى على فخامتكم ان هذه التدخلات قد جاءت مضافة الى التدخلات الخرى التي قام بها وزراء (الكتلة) ولايزالون يقومون بها، والتي كانت موضوع المذكرة الموجهة الى فخامتكم من قبل معالي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في اليوم الحادي والعشرين من هذا الشهر.
ولقد حصلت بسبب كل هذه التدخلات قناعة تامة لدى حزبنا، ولدى الرأي العام العراقي تؤكد ان الانتخابات لم تجر حرة، ولن تكون حرة اذا استمر سيرها على مجراه الراهن خلافاً لما تم الاتفاق عليه عند دخولي وزارتكم الحاضرة ممثلا للحزب الوطني الديمقراطي. والي جانب هذا فان هناك شطراً مهما من ذلك الاتفاق لم يتحقق بعد، فقد مضت خمسة اسابيع على تأليف الوزارة ولم يسمح بفتح فرع واحد من فروع الاحزاب، على حين انه كان من المنتظر ان يكون السماح للاحزاب بفتح فروعها اول الاعمال التي تقوم بها وزارتكم على نحو يؤمن تحقيق هذه الغاية نوا، نظراً لما لهذا الامر من اهمية في التنظيم السياسي، وفي اجراء انتخابات فرض فيها ان تكون حرة، ولكن الواقع هو ان الانتخابات قد بدأت ولم يسمح بفتح الفروع للاحزاب، ولا يعرف حتى الأن متى سيسمح بفتحها، ذلك بغض النظر عن العوامل والأسباب التي اعتقد انه كان من الممكن تجلبها.
ان اللجنة الادارية المركزية للحزب الوطني الديمقراطي قد اطلعت على جواب فخامتكم المؤرخ في اليوم الثالث والعشرين من هذا الشهر، وعلى المذكرة التي قدمهما معالي رئيس الحزب اليكم حول تدخلات وزراء (الكتلة) في الانتخابات، وحول فتح فروع الاحزاب فلم تجد في ذلك الجواب تطميناً لما تحرص عليه من تطبيق الاتفاق، الذي كان اساسا لاشتراك حزبنا في وزارتكم، ذلك لأن التدخلات الادارية في الانتخابات، واستمعال النفوذ الرسمي فيها، لم تكن يوماً من الأيام في بلاد مثل بلادنا قابلة للاثبات بالبيئات الفضائية، وانما المهم في هذا الشأن هو ان تمتنع الحكومة بجميع اعضائها والسلطات الادارية بجميع موظفيها عن التدخل في الانتخابات. اما اذا لم يتحقق هذا الامتناع ذاتياً من قبل الوزراء وقسراً من قبل الموظفين، فليس من الممكن ان تضمن حرية الانتخابات في بلد لم تجر بعد فيه انتخابات حرة، بتعليق ثبوت التدخل على الدليل والبرهان، وعلى مراسيم قضائية طويلة.
كما ان اللجنة الادارية المركزية قد وجدت بان السمح بفتح الفروع للاحزاب لا يزال (قيد النظر) لدى بعض المتصرفين، او (رهن التحقيق) من قبل الشرطة لدى بعضهم الاخر الأمر الذي كان من نتيجته تأخير فتح الفروع تأخراً لا مبرر له، في الوقت الذي تجري فيه عمليات الانتخابات على النحو الذي سبق ذكره.
لذلك كله فان اللجنة الادارية المركزية للحزب الوطني الديمقراطي بعد ان استعرضت هذه الاوضاع، لم تجد وزارتكم متجهة نحو تحقيق المهمة التي اخذتها على عاتقها، وفق الاتفاق لذي اشترك حزبنا على اساسه في الحكم فقررت الانسحاب من الوزارة. ولذلك اتقدم الى فخامتكم باستقالتي من منصب وزارة التموين، راجيا عرصها على صاحب السمو الملكي الوصي وولي العهد المعظم للتفضل بقبولها.
واود قبل الختام ان اعبر عن جزيل شكري لما لقيته من فخامتكم من لطف شخصي اثناء قيام بواجب كنت ارجو ان تسمح الظروف بانجازه.
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام
المخلص : محمد حديد


من نوري السعيد الى محمد حديد
بغداد في 27/12/1946 م
ديوان مجلس الوزراء
معالي السيد محمد حديد المحترم:
(إشارة الى كتابكم المؤرخ في 26 كانون الأول 1946م
يتضح لمعاليكم من البيانات التي ادليت بها في المؤتمر الصحفي، الذي انعقد في صبيحة يوم 26 كانون الول 1946م في ديوان مجلس الوزراء انني تطرقت بايضاح واسهاب الى النقطتين الواردتين بكتابكم المجاب عنه، وهما: اولا قضية التدخل في الانتخابات، وثانيا فتح فروع الاحزاب.
ففيما يتعلق بالنقطة الاولى، اود ان اذكر لكم باني لم اتلق سوى اربع شكاوى من مجموع 71 منطقة انتخابية، ولم يتأيد لدي حتى هذه اللحظة تدخل السلطات الادارية بشكل مخالف للقانون. وغير خاف على معاليكم ان المرجع القانوني للشكاوى هو الحاكم المعين لهذا الغرض وفق احكام القانون. وقد سبق لي كما تعلمون، ان رجوت معالي السيد كامل الجادرجي بكتابي المؤرخ في 23/12/1946م، ان يقم لي ممسكا بهذه التدخلات المزعومة باجراء التحقيقات اللازمة، واني اؤكد لكم مرة اخرى باني على استعداد لاستعمال صلاحيتي القانونية، فيما اذا ذكرتم لي وقائع معينة معززة بالادلة الثبوتية لهذا التدخل.
واما ما يتعلق بالنقطة الثاني، وهي فتح الفروع، فقد وصلتني حتى الآن اجوبة من احد عشر لواء تشير الى ان قسما من الفروع فتحت فعلا في بعض الالوية، والقسم الآخر سيتم فتحه في خلال الايام القليلة القادمة. اما الالوية الباقية فانه لم يتقدم احد من الاحزاب بطلب فتح فروع فيها.
هذا وقد اوضحت كذلك لمعالي السيد كامل الجادرجي بكتابي المنوه عنه اعلاه، باني لا اتردد مطلقا في اجراء التحقيقات اللازمة، ووضع الامور في نصابها، فيما اذا ظهر لي ان حزبا من الاحزاب تقدم بطلب لفتح الفروع، ولم يجب الى طلبه دون مبرر قانوني، فاذا كنتم قد قدمتم طلبا بفتح الفروع ولم يجب طلبكم، ارجو بيان ذلكلاقوم باجراء ما يلزم، اما ان تذكروا قضايا عامة دون تخصيص حوادث معينة، فان ذلك لايصح اعتباره دليلا يمكن الاسترشاد به.
هذا ما رأيت لزوما لايضاحه وامل ان ما جاء فيه مطمئنا لمعاليكم قد يكون سببا لتغيير رأيكم في الاستقالة.
اما اذا كانت هناك امور اخرى غير التي ذكرتموها وتجعلون منها سببا للاستقالة، دون ان تحيطوني علما بها، فاني نزولاً عند رغبتكم، سأرفع استقالتكم الى حضرة صاحب السمو المليك الوصي ولي العهد المعظم، على ان اؤكد لكم باني سابقى مثابراً على ما اعتزمت عليه من تنفيذ خطتي في حرية الانتخابات، ونزاهتها عن كل تدخل، بكل ما اوتيت من قوة وفسح المجال امام الاحزاب لفتح االفروع وعقد الاجتماعات واعطاء الصحافة حريتها الكاملة.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

المخلص: نوري السعيد
من محمد حديد الى نوري السعيد
بغداد في 28 كانون الاول سنة 1946م
حضرة صاحب الفخامة السيد نوري السعيد المحترم
جوابا على كتاب فخامتكم المؤرخ في 27/12/1946م
اود ان اعرض، بالاضافة الى ما بينت في كتابي الذي قدمته اليكم يوم امس الاول، انه لم يعد من الممكن ان تنجز الوزارة الحاضرة مهمتها الانتقالية لاجراء انتخابات حرة في جو تسوده الحريات الدستورية، كما جرى التفاهم عليه حين تأليفها، تلك المهمة التي ظهر ان مفهومها لم يدرك معناه التام من قبل بعض الوزراء، ومن قبل رجال الادارة، وليست هذه المشاكل التي تنشا في سير الانتخابات الراهنة، وفي قضية السماح لفتح الفروع، إلا نتيجة لعدم ادراك لهذا المفهوم، فلا يخفى على فخامتكم انه من المفروض ان يكون بين العناصر التي تؤلف هذه الوزارة الائتلافية اتفاق تام على اهدافها المحدودة، ولدى الحزب الذي امثله، ولدى الرأي العام، ان وزراء (الكتلة) لا يلتزمون بانجاز مهمة الوزارة الانتقالية وفق الاسس التي تم الاتفاق عليها، بل م يخالفون هذه الاسس، ويصرحون بان لهم شروطا غيرها لدخولهم في الوزارة ولا شك في ان هذا الاختلاف البين في سلوك الجهات التي تتألف منها الوزارة في الانتخابات، وفي موقفها من ضمان الحرية في هذه الانتخابات، قد ازال الاساس الذي يقوم الائتلاف عليه، وجعل من المتعذر التضامن بين وبين وزراء (الكتلة) في انجاز مهمة تختلف وجهة نظر كل منها اليها.
والى هذا الاختلاف ترجع، حسبما اعتقد، اهم الاسباب لعدم اتخاذ اجراءات صارمة ضد رجال الادارة، الذين يتدخلون في الانتخابات. ذلك التدخل الذي لايجوز ان يكون منعه معلقاً على ورود الشكاوى الرسمية والاجاراءات القضائية فحسب، فلو كان تقديم الشكاوى مقياسا لحرية الانتخابات، لما وجدنا شائبة في الانتخابات السابقة، مع انها كانت تجري على اساس التدخل في جميع مراحلها، ولم تقدم الشكاوى بشأنها ليأس الناس من ضمان هذه الطريقة لحقوقهم الانتخابية.
والظاهر ان فخامتكم لم تكونوا قانعين بكفاية الاجراءات القضائية لمنع رؤساء الوحدات الادارية من التدخل في الانتخابات، فصرحتم للصحفيين في 28/11/1946م انكم قد اصدرتم التعليمات الشفوية الى المتصرفين لعمل جميع ما هو مستطاع لضمان سير الانتخابات على اساس الخطة التي اعلنتموها، وان واجبات فخامتكم تنحصر في ان لاتسمحوا "لأي موظف اداري بان يستغل سلطته" في الانتخابات، ومما لا ريب فيه ان مخالفة تلك التعليمات، وتنفيذ تلك الواجبات، يستلزمات اتخاذ اجراءات ادارية سريعة، ولاسيما اذا اخذنا بعين الاعتبار ان هذه هي المحاولة الأولى لاجراء انتخابات حرة في العراق، خلافاً لما اعتاد عليه رؤساء الوحدات الادارية من التدخل فيها.
لذلك يؤسفني ان اخبر فخامتكم ان اللجنة الادارية المركزية للحزب الوطني الديمقراطي لم تجد سبباً لتغيير رأيها في استقالتي التي قدمتها اليكم يوم امس الاول، لانها لم تجد، نظراً لما عرضته آنفاً، الايضاحات التي تفضلتم بتبيانها في كتابكم المشار اليه كافية وحدها لتطمين الحزب بشأن انجاز مهمة الوزارة الحاضرة في اجراء انتخابات حرة، وفق الأسس التي تم الاتفاق عليها بين الحزب وبين فخامتكم.
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام
المخلص: محمد حديد

من نوري سعيد الى محمد حديد
30/12/1946م
معالي السيد محمد حديد المحترم
كنت قد تلقيت كتاب استقالتكم من منصب وزارة التموين للاسباب التي بسطتموها فيه، واني مع عدم تأييدي تلك الأسباب – كما اوضحته لمعاليكم في كتابي الموجه اليكم – فقد توسطت نزولا عند رغبتكم بتقديم استقالتكم الى المقام السامي، فاقترنت بالموافقة الكريمة، وها اني ارسل بطيه نسخة من الارادة الملكية المرقمة 854 لسنة 1946م الصادرة بذلك.
وبهذه المناسب اعرب لمعاليكم عن اسفي لحرماني من خدماتكم التي كنت اود ان تستمر توخيا لانجاز اهدافنا العليا التي ترمي الى خدمة هذه البلاد وتقبلوا احرامي..

المخلص: نوري السعيد