محمد حديد والتاريخ المعاصر للعراق

محمد حديد والتاريخ المعاصر للعراق

علي مردي السوداني
محمد حديد والتاريخ المعاصر للعراق المحامي علي مردي السوداني في البدء لابد من الاشارة -ولو بايجاز- الى شكل مذكرات محمد حديد واسلوبها وتبويبها . فقد جاء تحت عنوان ( محمد حديد , مذكراتي و الصراع من اجل الديمقراطية في العراق )

لقد بوبت هذه المذكرات على شكل فصول بلغ عدد فصولها عشرين فصلاً . تقدم تلك الفصول تمهيدا بقلم نجل صاحب المذكرات فولاذ حديد ومقدمة بقلم المحقق لها نجدت فتحي صفوة ثم اعقب ذلك تسلسل للاحداث . واعقب هذه الفصول تسعة ملاحق ثم المصادر والمراجع وفهرسان واحد للاعلام والآخر للاماكن . وكتاب المذكرات من القطع الكبير وعدد صفحاته بلغت 576 صفحة . ولا يفوتني ان اذكر ان هناك اخطاء املائية كثيرة تخللت تلك الصفحات وهي لا تفوت القاريء العادي . وقبل ان اقرأ تلك المذكرات . قرأت عدة مذكرات لشخصيات عراقية وعربية ودولية . وفبل تناول تلك المذكرات , ما لها وما عليها أجد من المفيد ومن الضروري . قبل كل شيء الاشارة الى اولئك الاشخاص الذين لولاهم لما رأت تلك المذكرات النور . ومن ابرز هؤلاء نجلي صاحب المذكرات - هيثم وفولاذ- الى جانب رضا الظاهر ونجدت فتحي صفوة والآخرين من عراقيين وأجانب . فلولا هؤلاء لحرمنا من هذه المذكرات المهمة . لقد كان نجل السيد محمد حديد -فولاذ- على حق عندما اشار الى اهمية هذه المذكرات وصلتها الوثيقة بكل بحث تاريخي واكاديمي لتلك الفترة التي تناولتها تلك المذكرات . وتأثيرها على مستقبل العراق بتناولها للمرحلة المعاصرة من تاريخ العراق الحديث . وهي بخلاف الكثير من المذكرات التي اقتصر تناولها على جانب او فترة معينة من هذا التاريخ . فقد تناولت هذه المذكرات تاريخ العراق المعاصر برمته وهذه ميزة تميزت بها هذه المذكرات عن غيرها . ومن المعلوم ان اصحاب المذكرات جميعهم إلا ما ندر يتناولون التاريخ ليس كمؤرخين محترفين وانما كمفكرين هواة للتاريخ . فالمؤرخون المحترفون غالباً ما يتخذون من كتابة التاريخ مهنة اساسية لهم . اذا عدنا الى مذكرات محمد حديد وجدناه يحاول من خلال الاحداث التي تناولها ورجال تلك الاحداث ان يكون مقارباً ومتلمساً للموضوعية والصدق وقول الحقيقة حتى على نفسه . وقد حاول استهداف الانصاف والحياد والموضوعية في تناول الاحداث والرجال المعاصرين لها تفسيراً وشرحاً . وهي الى جانب ذلك اتصفت بالشمول . اذ تناول فيها معظم وغالبية الاحداث التي مر بها العراق بروح تكاد تكون محايدة وصادقة وبعيدة عن المغالاة والمبالغة . فهي بحق جديرة ان تكون تاريخاً معاصراً للعراق بخطوطه العامة والعريضة وباسلوب بعيد عن الحذلقة اللغوية وبعيد عن الادعاء الفارغ . لذلك يمكن القول انه - أي محمد حديد- بمذكراته انصف الاحداث التي عاصرها والرجال الذين شاركوا بها . والذي يقرأ هذه المذكرات لا يسعه الا ان يمتليء إعجاباً واحتراماً لهذا الرجل الثمين بكل المعايير . فهو بخلاف الشخصيات التي عاصرها وعمل معها او ضدها يمتاز بالصدق في اقواله وسلوكه في مهنتين - السياسة والتجارة- اللتان تعتبران من اقذر واصعب المهن وبخاصة السياسة . رغم ضرورتهما للافراد والمجتمعات . وصاحب المذكرات كان ديمقراطياً في القول والفعل في بلد يحارب الديمقراطية حتى العظم . واشتراكياً يريد ان يصل الى الاشتراكية عن طريق الديمقراطية وليس غيرها وقد ابتعد خلال حياته السياسية والشخصية عن العنف كوسيلة لتحقيق الاهداف السياسية . واستنكر العنف في حياته السياسية واعتبره وسيلة مدمرة . في وقت كانت معظم الاتجاهات السياسية انذاك تنحو منحى دموي بعيداً عن الاعتراف باي حق للاخر . ورغم ان الافكار الديمقراطية واساليب التسامح لم تجد لها ارضاَ ملائمة في العراق . الا ان الديمقراطيين العراقيين ومن البارزين منهم محمد حديد ورغم ضعفهم وقلتهم حاولوا بشجاعة وهمة واصرار ان يحرثوا في البحر في معاركهم مع اعداء الديمقراطية الوليدة . ولكن دون جدوى . واخيراً لابد من الاشارة ولو بايجاز الى ان هذه المذكرات قد ابرزت بانصاف ومن خلال سردها للاحداث والشخصيات , التقييم الذي قيمت به ثورة تموز وبيان ما لها وما عليها فقد ذكرت بشفافية الانجازات الهامة التي قامت بها تلك الثورة رغم عمرها القصير ومن ابرز تلك الانجازات قانون الاصلاح الزراعي والخروج من منطقة الاسترليني وحلف بغداد وقانون رقم 80 لسنة 1961 م الخاص بالسيطرة الوطنية على 99.5 ? من اراضي العراق التي كانت تحت تصرف شركات النفط الاحتكارية واطلاق حرية التنظيم النقابي للعمال والتنظيم المهني لاصحاب المهن . كالاطباء والمحامين والمهندسين وغيرهم ولكن الى جانب هذه المكاسب والايجابيات وبالضد منها ابرزت المذكرات بموضوعية سلبيات واخطاء الثورة وقيادتها ومن ابرزها واهمها تماص القيادة ومناوراتها بالالتزام بتقليص فترة الانتقال والبدء بارساء الحكم الدستوري البرلماني وحربها على الكورد وافتعال قضية الكويت . ولم يفوت صاحب المذكرات تشخيصه لدور الايدي الاجنبية التي كانت وراء انقلاب شباط الاسود والتآمر على العراق وثورته انذاك بشكل محموم . ولكن الاشادة بالاتجاه الديمقراطي في العراق وابراز الجوانب الايجابية في هذه المذكرات ينبغي ان لا ينسينا المثالب والاخطاء التي ارتكبت في هذه المذكرات , ولعل من ابرز المآخذ على تلك المذكرات رغم اهميتها تتلخص بعدة نقاط :- المأخذ الاول :ان المذكرات مرت مروراً سريعاً على الازمة العراقية وبخاصة جانبها السياسي وارجعت المذكرات تلك الازمات الى الاختلافات الدينية والعرقية المتأصلة في المجتمع العراقي وهذا التعليل جزء من الحقيقة وليس كلها ويمكن القول واتماماً لهذه الحقيقة ان هذه الاختلافات تعود بنا الى بداية تأسيس الدولة العراقية وحكوماتها المتعاقبة وكيفية هذا التأسيس . فالتأسيس للدولة العراقية بعد الحرب العالمية الاولى جاء تلبية لمصالح القوى الامبريالية الكولونيالية وخصوصاً بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية وغيرها وكان بعيداً عن رغبات اكثرية الشعب العراقي ونتيجة ضعف البرجوازية العراقية انذاك . فقد اعتمدت الامبريالية في حكم العراق بعد تكوينه على فئات بقايا الموظفين السابقين للدولة العثمانية وبقايا ضباطها ورؤساء العشائر في المنطقة الغربية وبعض رؤساء العشائر في الفرات الاوسط والجنوب وبعض باشاوات وبيكاوات الكورد , مهمشين بذلك الاكثرية من العرب والكورد , الامر الذي ادى الى بروز حكومات الاقلية المتحالفة مع الغرب الكولونيالي , وبذلك تحولت تلك الحكومات الى حكومات دكتاتورية عسكرية ذات طابع استبدادي . اما المأخذ الثاني على المذكرات انها لم تشر لا من قريب ولا من بعيد الى الاسباب التي كانت وراء سيطرة الحكم الدكتاتوري وتحوله الى حكم شمولي والتي تكمن بدرجة رئيسة واساسية في طبيعة الاستبداد الشرقي- الآسيوي - كما يسميه المفكرون الكلاسيكيون الاشتراكيون الذي ساد الكثير من البلدان الشرقية ولفترات طويلة . وهو الذي حال دون انتقالها وباسلوب طبيعي - كما حدث مثلاً في اوروبا- الى مرحلة الرأسمالية . ولم تدخل هذه البلدان -أي الشرقية- الى مرحلة الرأسمالية الا بعد احتلالها من قبل الرأسمالي الكولونيالي . والمأخذ الثالث والاخير على تلك المذكرات وبنفس الوقت على الاساليب والسلوك السياسي الذي اتبعته المعارضة العراقية في عملها السياسي وبخاصة في العهد الملكي والذي ادى مع اسباب اخرى لا مجال لذكرها هنا الى اضعاف النظام البرلماني الوليد والضعيف انذاك في العراق وهي اساليب المقاطعة للانتخابات البرلمانية ومقاطعة الكثير من اللجان التي يدعي اليها المعارضون فهذا الاسلوب - أي اسلوب المعارضة العراقية - بالمقاطعة ادى الى فسح المجال بشكل واسع للحكومة واعداء الديمقراطية لاضعافها ومن ثم القضاء عليها بسبب عدم وصول صوت المعارضة الى اوسع فئات الشعب وتعبئتها لصالح الديمقراطية.