محمد حديد: عهد عبد الكريم قاسم افضل العهود التي عاشها العراق

محمد حديد: عهد عبد الكريم قاسم افضل العهود التي عاشها العراق

ومن هنا كان بعض الباحثين المساهمين في تقييم عهده على حق لدى تبيان ان بعض النواقص التي ظهرت لا بد ان تعزى الى بعض محاولات معالجة الصرات الداخلية، فضلا عن مواجهة المؤامرات، والدعاية الاعلامية والفكرية المضادة مما اشاع مناخاً عرقل، بحدود معينة،

المساعي البناءة للتطوير الداخلي. وقد ساهم ذلك المناخ، مع عوامل اخرى، في احباط جهود البعض في الضغط على عبد الكريم قاسم لإقامة حكومة دستورية. غير انه سيبقى التساؤل بلا جواب عما اذا كان قاسم يختلف ام لا عن اكثرية الضباط العسكريين الذين يمتسكون بالسلطة السياسية الفعلية بعد ان يتسلموها، ولا يبدون استعداداً للتنازل عنها.
ادت الاختلافات العقيدية بين الاحزاب الى تفجير الاوضاع بطريقة هددت استقرار البلاد، ولم يكن عبد الكريم قاسم حاسما كفاية لايقاف تلك الصراعات او ايجاد مخرج للازمة السياسية. فما قام به تجاه الاحزاب من خلال "اجازة" عدد منه لم يكن امراً مجدياً، ذلك ان الاحزاب التي تستبعد عن الحكم ولا تلتقي في مناقشات اجهزته المنتجة، لايمكن ان تكون فعالة.
ومع ذلك كانت هناك سمة هامة من سمات نظام عبد الكريم قاسم جرى اغفالها احيانا. فبالرغم من ان النظام لم يكن ديموقراطياً (اذ كانت القوانين والانظمة تشرع بمراسيم تصدر من مجلس الوزراء فقط)، فقد كانت هناك حرية في النقاش والتعبير في تلك الفترة اكثر مما كانت عليه في الفترات اللاحقة. فالانتقادات الموجهة الى النظام كانت مقبولة. ولم يكن عبد الكريم قاسم يلجأ الى اجراءات قمعية إلا عندما يشكك في من يتآمرون ضده مباشرة. وفي عهده فسح مجال معين للتعبير عن وجهات النظر المتباينة في الصحف التي كانت تتسم، في تلك الفترة، بتوجهات سياسية متباينة، ولم تكن القيود التي فرضت على بعض الصحف، في اوقات معينة، قيوداً واسعة. وفي اطار هذه الحرية النسبية نشرت وقائع محكمة الشعب التي تضمنت افادات بعض المتهمين واقوال بعض الشهود، ممن تحدث العديد منهم بحرية.
ومن ناحية اخرى، لايمكن تقييم عهد عبد الكريم قاسم من دون ان نأخذ بالحسبان الظروف الخارجية التي واجهها، والتي شكلت على الدوام تهديداً للاستقرار الداخلي ومصدراً للانقسامات الداخلية. على ان هذه الانقسامات متأصلة في التركيبة السكانية، نتيجة التباينات العرقية في الشمال، والانقسامات الطائفية في الوسط والجنوب، والتي تجسد الفروق الاجتماعية والطبقية، وكذلك الدينية، وكلها نابعة من جذور تاريخية جعلت من بناء دولة حديثة مهمة صعبة معقدة جداً. وكانت الضغوط الخارجية تستغل نقاط الضعف هذه في المجتمع العراقي.
لقد قامت كل القوى المعادية للتطور في فترة عبد الكريم قاسم، بمحاولات لعرقلة ذلك التطور، وكان من الطبيعي ان تواجه اية حكومة، مهما كانت طبيعتها، صعوبات كبيرة في تلك الفترة. غير انه بالرغم من بعض نواقص نظامه ظل الرأي العام العراقي يعتبره اكثر قبولاً من الانظمة اللاحقة له.
واعتقد جازماً ان التغيير الوزاري الذي كان عبد الكريم قاسم ينوي القيام به في أواخر عام 1962، لو اقترن بتغيير في النظام السياسي (بدءاً بسن دستور دائم واجراء انتخابات نيابية حرة) تلقى قبولا اكثر وتعاونا اكبر، ومن ثم لتفادي الانقلاب الذي اطاحه.
مع ذلك، لا بد من الاجابة عن التساؤلات المتعلقة اولا بقيام ثورة 14 تموز، وثانيا بالتطورات التي حدثت منذ قيام الثورة. فبعد ان مرّت الاحداث التي تلت عهد عبد الكريم قاسم، كانت هناك تساؤلات كثيرة عمّا اذا كان قيام ثورة 14 تموز في مصلحة العراق. وكثيراً ما وجّه إليّ سؤال عمّا اذا كنا على صواب في العمل على انجاز الثورة.
ويتلخص جوابي في ان ثورة 14 تموز كانت حتمية برغم مما وقع، ذلك ان حلف بغداد اصبح، في عهد نوري السعيد الأخير، هو الموجّه للسياسة العراقية العامة، وبسببه الغيت اجازات جميع الاحزاب، وعطلت صحفها، والصحف الاخرى غير الحزبية التي كانت تنتقد الحكومة. وحددت حرية الاجتماع والتظاهر، واخذت هذه المظاهر تقمع بشدة. وبات النظام البرلماني شكلياً حينما الغي المجلس الذي كان قد انتخب سنة 1954، ونجح فيه عدد قليل من النواب الحزبيين الذين دخلوا معركة الانتخابات باسم الجبهة الوطنية، وعدد مماثل من المعروفين بمعارضتهم للحكومة.
فغضب نوري السعيد من نتائج تلك الانتخابات وذهب للاقامة في باريس مقاطعاً المؤسسة الحاكمة، فذهب الوصي عبد الإله لمصالحته والتفاهم معه، فاشترط لعودته حل ذلك المجلس، مع انه قد عقد اجتماعه ذلك قبل شهر واحد. واجريت انتخابات حديدة قاطعتها الاحزاب وغيرها من المستقلين بسبب التدخلات المتوقعة فيها، فلم يفز إلا مرشحو الحكومة بالتزكية، وبالاسلوب الذي سارت عليه الحكومة منذ قيام الدولة العراقية. وابطل التقليد الذي كان يسمح بنجاح عدد ضئيل من النواب المعارضين فاصبح المجلس النيابي شكليا لا مهمة له سوى المصادقة، بلا مناقشة او اعتراض او تطرق للسياسة العامة، على قرارات الحكومة. يضاف الى ذلك استمرار تردي الاوضاع المعيشية، وتذمر الشعب من الاوضاع القائمة السياسية والاقتصادية القائمة. وفي ظل هذه الازمة فقدت اية وسيلة للتغيير، لاسميا بعد اتساع سيطرة النفوذ الاجنبي باتجاه تأمين مصالحه على حساب مصلحة الشعب، في وقت قامت فيه جبهة الاتحاد الوطني بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وجاءت الجبهة نتيجة لتردي الاوضاع عامة، ولموقف الحكومة العراقية المهادن لذلك العدوان بصورة خاصة، وقمع التظاهرات التي اندلعت لاستنكاره.
وكانت هناك اتصالات، كما ذكر سابقاً، بين الجبهة وتنظيم الضباط الاحرار الذي شكل قبل قيام جبهة الاتحاد الوطني نتيجة التذمر في صفوف الضباط وضباط الصف والجنود. وقد وصل الوضع الى حد النضج للقيام بعمل حاسم عندما تسنح الفرصة. ووجد قادة الضباط الاحرار، في ارسال لواء من الجيش الى الاردن لدعمه في الصراع الذي كان قائما بين الحركة القومية ومعارضيها في لبنان خصوصاً، وكذلك في الاردن، فرصة سانحة لتنفيذ خطتهم في اطاحة النظام القائم في ذلك الوقت، ولأن الجيش العراقي كان مستاء من استخدامه في مهمات عسكرية لمصلحة القوى الاستعمارية التي كانت تعدد حرية البلاد العربية.
ومعروف ان ثورة 14 تموز (يوليو) لو لم تقم، ونظراً للتذمر السائد في المجتمع، لكانت السلطة تولت القيام بانقلاب وقائي صوري ضد نوري السعيد والمؤسسة القائمة مع الاحتفاظ بالنظام الملكي. ولو وقع ذلك الانقلاب، وحال دون التغيير الاساسي المطلوب من ثورة حقيقية، لاستمرت السيطرة الاجنبية مع ما يرافقها من اغتصاب لحقوق البلاد وبقاء الاوضاع الدخلية على حالها تقريباً.
واذا كانت تطورات الامور، في العهد الجمهوري، لم تجر بحسب توقعات الاوساط المدنية والعسكرية، فان ذلك يعزى الى عوامل وتعقيدات داخلية وعربية واجنبية، اشرنا، في فصول سابقة، الى بعض جوانبها، ولا نجد مجالا للاسهاب في بحث تفاصيلها، خصوصاً ان مصادر مختلفة اشارت الى تلك العوامل والتعقيدات.
وفي التاريخ تعرضت الثورات التحريرية، من الثورة الفرنسية وما بعدها، الى مثل هذه النكسات التي عرقلت سيرها، ولكنها عادت، في النهاية، وحققت ما كانت تصبو اليه الشعوب من الحرية والرفاه.
والجدير ذكره ان ما كتب، الى الآن، عن تلك التطورات لم يكن كلّه حياديا ومتسما بالموضوعية، اما لدوافع ذاتية، واما بتوجيه من السللطة لتحريف التاريخ لمصلحتها، ولكن لابد من ان يقوم مؤرخون جادون، عبر بحث اكاديمي علمي، بتدوين تاريخ هذه الفترة المهمة.
ومما لاجدال فيه ان ثورة 14 تموز (يوليو) حققت، برغم الصعوبات والتعقيدات التي جابهتها، الكثير من المنجزات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهو ما يحدثنا عن تفاصيله سابقاً، ولكننا نعيد، في سياق هذا الحديث، ذكر ما هو رئيسي منها:
- التحرر من حلف بغداد الذي كان مسيطراً على سياسة البلاد العامة.
- الخروج من المنطقة الاسترلينية واستقلال العملة العراقية، واستقلال السيطرة على الشؤون النقدية في العراق من قبل وزارة المال والبنك المركزي.
- تشريع القانون رقم 80 الذي استعاد وحرر 99.% في المئة من الاراضي التي كانت مشمولة بامتيازات شركات النفط الاجنبية الاحتكارية المجحفة والغاصبة لحقوق العراق.
- تشريع قانون الجمعيات لتنظيم الاحزاب والجمعيات السياسية، واطلاق الحرية النسبية للصحافة.
- سن قانون الاصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية وتوزيع الاراضي على الفلاحين، فضلا عن إقامة الجمعيات الفلاحية.
- الغاء قانون العشائر وتعميم القانون المدني والجزئي على جميع القضايا.
- توسيع المؤسسات والخدمات الصحية كالمستشفيات والمستوصفات.
- الاعتراف بحقوق المرأة بحيث جرى للمرة الاولى تعيين وزيرة بشخص الدكتورة نزيهة الدليمي، واطلاق حرية التنظيم النسائي، واعطاء المرأة حقوقا اكبر في الشؤون الزوجية. وقد لاقى القانون معارضة من القوى الرجعية، ولا سيما من علماء الدين، بسبب المساواة بين المرأة والرجل في الارص، وقد ادعوا انها مخالفة لنصوص القرآن، ولهذه الاسباب لم يدم ذلك القانون طويلا بل عدلت فقراته الاصلاحية حينما تولت الحكم عناصر رجعية بعد اطاحة حكم قاسم.
- تشجيع العمل على ممارسة حقوقهم النقابية والمهنية، فضلا عن تشجيع الطلبة والشباب على اقامة اتحاداتهم ومنظماتهم.
- تشجيع المهنيين كالاطباء والمهندسيين والمعلمين والمحامين.. الخ على اقامة منظماتهم وممارسة حقوقهم، وتخصيص قطع اراض مجانية لتشييد مقار لمنظماتهم.
- تحسين احوال الموظفين المدنيين والعسكريين، لا سيما ضباط الصف والجنود، بزيادة رواتبهم، وتحسين القوانين الخاصة بخدمتهم
- القيام بتشييد مجمّعات سكنية للعمال بدل مجمعات الصرائف وتحويل المجمعات السكنية الجديدة الى مدن مثل الثورة والشعلة. بدعم من المصارف المختصة.
- تخصيص اراض للمهنيين لبناء مساكن لهم من خلال الجمعيات، وقد ظهرت احياء المهندسين والمعلمين والاطباء والمحامين في بغداد وغيرها من محافظات البلاد. كذلك قامت الجمعيات التعاونية لموظفي الدولة الآخرين في مجال القضاء والبلديات.. الخ ببناء مساكن للمنتسبين اليها.
- تأسيس وزارة للتخطيط ومجلس للتخطيط الذي اصبح، وان حل محل مجلس الاعمار، مؤسسة حكومية تتولى القيام بالمشاريع العمرانية بصورة مستقلة وسليمة، خلافا لما كان عليه مجلس الاعمار الذي كان تحت النفوذ الاجنبي.
- اختفاء الطائفية والتعصب الديني والقومي، وافساح المجال لكل المواطنين على اختلاف الطوائف والمذاهب والاديان والقوميات، بالدخول الى المدارس والكليات والوظائف، والحصول على مختلف فرص التعليم والعمل.
- تشجيع الصناعة الوطنية وحمايتها، وزيادة الاستثمارات العمرانية، والنشاط التجاري، ومنح اجازات الاستيراد لأكبر عدد من التجار، فضلا عن المقاولات، من دون تمييز في الفرص.
- واهم من ذلك كلّه، في اعتقادي، قيام الثورة بتحطيم الحواجز التي كانت قائمة في زمن المؤسسة السياسية السابقة امام جميع طبقات الشعب بدون تمييز، وتحقيق التمتع بالفرص المتكافئة في جميع مراحل التعليم والتوظيف والوصول الى المراتب العليا سواء في الدولة او في الاعمال الحرة.
واود، في معرض تقييمي لعهد عبد الكريم قاسم، الاشارة مجدداً الى انني لم التقه وجها لوجه إلا بعد يوم من قيام ثورة 14 تموز (يوليو)، برغم اتصالاتنا العديدة بالواسطة بشأن الاعداد للثورة.
وبعد لقائي معه يوم 15 تموز (يوليو) 1958 في جلسة مجلس الوزراء، وفي جلسات اخرى بعد ذلك، وحينما كانت التساؤلات تتكاثر حول من يقود الثورة من القائدين العسكريين اللذين دخلا بغداد يوم 14 تموز، أهو عبد الكريم قاسم ام عبد السلام عارف، تكوّنت لديّ القناعة التامة بأن عبد الكريم قاسم هو الأصلح لقيادة الثورة، نظراً لما وجدت لديه من ميول نحو الديمقراطية، والحياد في التعامل وتجنب الضغائن في العلاقات مع الاشخاص، والاعتدال والاتزان في الآراء والمناقشات، والابتعاد عن التهور في الاحاديث والمواقف التي كانت تطرح حول شتى المواضيع المهمة في ذلك الحين.
وقد ذكرت سابقاً انني عبرت عن قناعتي هذه لبعض الزملاء والاصدقاء ممن سبق ان عملوا معنا في الحقل السياسي في الجناح الديمقراطي من جبهة الاتحاد الوطني التي كان لها دور مهم في قيام الثورة.
ومع ان اشتراكي في العمل مع عبد الكريم قاسم في الحكومة التي انبثقت عن الثورة، كان محدودا ولم يتجاوز السنتين، ومع ان اتصالي به، بعد انسحابي من الحكومة، كان ان يكون محدودا ايضا، وذلك بالاشتراك في المفاوضات التي جرت مع شركات النفط لتعديل امتيازاتها، واستعادة حقوق العراق المغتصبة منها، وباتصالات سخصية احياناً، وبالرغم من معارضتي للاسلوب الذي اتبعه في ادارة الدولة، فاني وجدته، انسانياً، متواضعاً، طيب القلب، بعيدا عن اللؤم، وطنيا يعمل لضمان مصالح بلده ورفاه شعبه. غير انه اتبع الفردية في الحكم في الفترة الاخيرة من عهده، ورافق ذلك اتباع الاسلوب الميكافيللي في امور امن الدولة، وهو الأسلوب الذي يقوم على استخدام الاضداد، وبذلك كانت ادارته للدولة اشبه بادارة اللواء العسكري الذي كان يقوده قبل الثورة، وهذا ما أدى في النهاية الى اطاحته، وايقاف ما كان يتوقع من احتمالات جيدة لتطور النظام الى وضع ديمقراطي متزن ومتعدل. ومها يكن من امر، فان عهده كان افضل من اي عهد لاحق شهدته في العراق في حياتي.

عن مذكرات الراحل محمد حديد فصل خاص بتقييم شخصية عبد الكريم قاسم