شخصية معاصرة.. محمد حديد وفكره السياسي

شخصية معاصرة.. محمد حديد وفكره السياسي

د. عبد الله حميد العتابي
ولد محمد حديد في ليلة 22-23 رمضان في 1325 هـ الموافق يوم 28 تشرين الاول 1907 ، تعلم مبادئ الدين وحفظ القرآن ، فادخله والده المدرسة الاحمدية عند الملا سعيد ، فقضى فيها سنتين من 1913- 1914 انهاهما بختم القرآن ، بعدها دخل مدرسة العرفان الابتدائية الرسمية

واكمل فيها الصفين الاول والثاني ، وفي بداية الصف الثالث تم احتلال القوات البريطانية لمدينة الموصل ، وقامت الادارة البريطانية بغلق مدرسة العرفان ونقل طلابها الى مدرسة الخضرية في العام الدراسي 1918- 1919 التي اشغلوا فيها الطابق الارضي من البناية ، وانهى دراسته الابتدائية فيها وكانت تربيته في التخرج الاول على كل مدارس العراق ، ويذكر ان مديرية المعارف في الموصل اقامت احتفالاً بهذه المناسبة . التحق بالمدرسة الثانوية الملحقة بالجامعة الامريكية في بيروت وتخرج منها بتفوق وسافر بعدها الى لندن حيث التحق بكلية لندن للاقتصاد , وامضى فيها اربع سنوات , وكان اهم اساتذته (هارولدلاسكي) اهم مفكري حزب العمال البريطاني ومن ابرز قادة الجمعية الفابية الاشتراكية في انكلترا , وتأثر بافكاره ومبادئه الاشتراكية وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم الاقتصادية بدرجة شرف . امن محمد حديد بالاشتراكية والديمقراطية باعتبارهما وسيلتين متلازمتين لا غنى عن أي منها لخير الوطن والمواطنين ، ان حبه لوطنه وايمانه بضرورة تمتع الشعب بالحياة الحرة الكريمة المرفهة في ظل نظام تسوده العدالة الاجتماعية ، كل ذلك دفعه الى الايمان بهذه الافكار والدعوة لها والعمل من اجلها بكل الوسائل المتاحة . وكان محمد حديد وزملاؤه يميلون الى استخدام (الشعبية) بدلاً من الاشتراكية لان الافكار الاشتراكية في تلك الحقبة لم تصادف تشجيعاً ولم تلق قبولاً ، لذا كانت افكاره تمزج بين مبادئ الديمقراطية ومبادئ الاشتراكية ويرى ان من حق المواطنين ممارسة حقوقهم الاساسية كالحرية الشخصية وحرية الرأي وتكافؤ الفرص ، دعت افكاره الشعبية ان تعمل الدولة على انقاذ الشعب من الفقر والمرض . كان فكره الاقتصادي مصدر قوته حيث عبر عن افكار اصلاحية ، لذا اهتم بشكل كبير وواسع بالامور الاقتصادية ومناقشتها على صفحات الجرائد او خلال حياته النيابية سواء في الثلاثينيات ام الاربعينيات وحتى الخمسينيات ولهذه الافكار كان ما ينميها في فكر محمد حديد اوضاع العراق السيئة خلال الحقبة الملكية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، لهذا كان حريصاً على الاطلاع على كل ماهو جديد في هذا المجال من خلال اقتنائه للكتب العلمية والسياسية واشتراكه في عدد من الصحف والمجلات الاسبوعية والشهرية التي تصدر من خارج العراق ، وعن طريق (مكتبة ماكنزي في بغداد) ، ويذكر احد اصدقائه انه لا يوجد كتاب اقتصادي داخل العراق الا وكان محمد حديد على اطلاع او علم به ، حيث كان ذا ثقافة اقتصادية واسعة وعميقة . وكان عند مناقشته لقضية او مشكلة قائمة يتبع النهج العلمي ويرتب اراءه وافكاره بناء على الحقائق الملموسة فمثلاً عند طرحه لمشكلة معينة يذكر اسبابها وعوامل نشوئها ثم يطرح العلاج او الحل العلمي اللازم لها. ومنذ بدء صدور جريدة الاهالي عام 1932 نشر ما يعزز الروح الوطنية فكان ان نشر مايشبه مجلداً ضخماً في الوطنية الديمقراطية ، ومجلداً في السياسة الاقتصادية الوطنية والصناعية ، لذا كان محمد حديد مشاركاً مع عبد الفتاح ابراهيم وغيره في رسم سياسة جماعة الاهالي التي كانت تمثل الفكر الديمقراطي الحديث في العراق خلال مدة الثلاثينيات يوم لم تكن قد تبلورت الافكار السياسية الديمقراطي بعد في العراق . كان محمد حديد يعتقد ان ممارسة الشعب للديمقراطية شرط اساسي للسير به صوب الاصلاح والتنمية والتطور ، كذلك تحقيق النجاح المطلوب للعراق وتحقيق طموحاته الوطنية الكبرى . لا لم تكن مفاجأة ان يتم تعيين محمد حديد الاقتصادي المحنك واحد اعضاء جبهة الاتحاد الوطني كوزير للمالية في حكومة عبد الكريم قاسم بعد ناجح الثورة في 14تموز 1958 والقضاء على العهد الملكي وقام بمهماته وزيراً للمالية خير قيام حيث كان فكرة صاحب قانون رقم (80) الخاص بحصر استثمار الاراضي المحيطة بآبارالنفط بـ (1%) فقط من اراضي العراق تمهيداً للتأميم . ثم استقال محمد حديد في 23 نيسان 1960 من الحزب الوطني الديمقراطي ومن الوزارة والف في 29 حزيران 1960 حزباً جديداً باسم الحزب الوطني التقدمي وهو الوجه المعتدل للحزب الوطني الديمقراطي وذلك لانه كان احد المخضرمين القلائل في ميدان الحياة الحزبية لان الامر يؤلف بالنسبة له تحدياً سياسياً ، كان من شأنه ان ينعكس على مكانته الاجتماعية بين الناس , وبعد سقوط نظام عبد الكريم قاسم في شباط 1963 ، تعرض للاعتقال ووضع في محنة وجرد من متيازاته على اساس انه احد انصار عبد الكريم قاسم وبعد انتهاء المحنة وخروجه من المعتقل اقتصر عمل محمد حديد على تنمية وادارة شركة الزيوت النباتية ، التي كان قد اسسها في نهاية الثلاثينيات لقناعته بان العراق ينبغي ان يبنى على قاعدة صناعية وطنية قوية لتمكنه من الاكتفاء الذاتي لسد حاجة الاستهلاك والمستهلك