محمد حديد .. ذكريات وانطباعات

محمد حديد .. ذكريات وانطباعات

عبد اللطيف الشواف
الاستاذ محمد حديد: هو ابن الحاج حسين حديد من اكبر وجهاء الموصل وتجارها واغنيائها العقاريين، وهو اقدم من سمعت بهم من تجار الموصل واتقيائها من كبار السن من عائلتي الكرخية وقد سمعت انه كان صديقا لوالدي الذي توفي وهو قاض في الموصل في تشرين 1930

وكنت في طفولتي المبكرة اسكن في دار موصلية مستأجرة من قبل المرحوم والدي وعائدة اليه، وكانت سمة التقية هنا مثاراً لغيرة وحسد زملائه من ابناء العوائل الاخرى الذين لم يصلوا الى ما وصل اليه من السمعة والمكانة على الطريقة المتبعة لدينا في العراق.
يبدو ان الاستاذ محمد قد درس وتخرج من الثانوية في المدارس الرسمية في الموصل والتحق في الثلاثينات من القرن العشرين بكلية الاقتصاد في لندن. وكانت مركزا لدراسات الاشتراكية الانكليزية الغالبة، وقد تأثر بالبرفسور لاسكي استاذ الاقتصاد والمنظر لاشتراكية حزب العمال المناهضة للاستعمار آنذاك، المستندة الى المبادئ الدستورية البريطانية الديمقراطية، علما بان الاستاذ محمد حديد حسب ما سمعت كان متصلا قبل سفره الى انكلترا بالحركة المناهضة للاستعمار في العراق وفي الموصل على الخصوص والتي كان من المبشرين بها الاستاذ ذو النون ايوب والاستاذ عبد الحق فاضل وجماعة الاهالي وحسين الرحال، وبعد تخرج الاستاذ محمد حديد وعودته الى العراق عمل موظفا في وزارة المالية مع وزرائها المرحومين جعفر ابو التمن وابراهيم كمال ايام المدفعي – وابراهيم كمال من الموصل ايضا – ثم اتصل بالاستاذ المرحوم كامل الجادرجي وجماعة الاهالي وعبد الفتاح ابراهيم وعاش مشاكلهم وخلافاتهم السياسية والنظرية الى سنة 1946 حيث دخل الوزارة لأول مرة وزيرا للتموين بعد ان كان قد تزوج من ابنه الحاج مصطفى الصابونجي التاجر الكبير والوجيه المعروف وصديق المرحوم نوري السعيد.
وكان السائد انه دخل ممثلاً للحزب الوطني الديمقراطي في الوزارة المذكورة لأنه كان يحتل المركز الثاني في ادارة الحزب المذكور بعد المرحوم الجادرجي على الرغم من كثرة المتصلين بالحزب الوطني الديمقراطي وتعدد مبررات الاهتمام بهم بالنسبة لتلك الايام.
لقد ظل الاستاذ محمد حديد فيما بين 46 -1948 في الحزب الوطني الديمقراطي في مركزه المرموق شعبيا ووطنيا وكان يبلور نشاطه الذي لا يكل او ينقطع مسؤولا عن بلورة الرأي الشعبي الوطني المعارض في مفاوضات النفط والعملة والصناعة والتطور الاقتصادي عامة، وقد كانت سمعته هذه – والمستمدة مما كان يكتبه في جريدة الاهالي من افتتاحيات حول المواضيع الاقتصادية سببا اساسيا في اختباره لمنصب وزارة المالية من قبل الضباط الاحرار عند اعلان الجمهورية في اذاعة بغداد صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958، وقد تولى الاستاذ محمد حديد هذا المنصب فعلا – لثقة الضباط الاحرار بمختلف قياداتهم به، ولثقة الرأي العام العراقي والبغدادي به وبوطنيته وكفاءته وديمقراطية ومعالجته لمسائل السياسة الاقتصادية والعلاقات الوطنيةن كما انه كان قد ساهم في حركة تضامن الشعوب الاسيوية – الافريقية واشترك في مؤتمرها الذي انعقد بالقاهرة وقابل الرئيس عبدالناصر.
لقد كان اعلان اسم الاستاذ محمد حديد في وزارة 14 تموز سنة 1948 صبيحة ذلك اليوم وقبل اتضاح انتصار الثورة، مبعثا للثقة – حقيقة – بثورة العراق في ذلك اليوم سواء في داخل العراق او خارجه لا سيما في برنامجها الاقتصادي وفي اعتدالها وتمسكها بالمصالح الوطنية للشعب العراقي والمتطلبات الاساسية للاقتصاد الدولي في وجه ما بدا فيها في الايام الاولى من العنف، وما نجم عن مقتل افراد العائلة المالكة رجالا ونساء وقتل بعض الوزراء وبعض المتواجدين في فنادق بغداد صبيحة ذلك اليوم ومظاهر السحل والارهاب، من ضغوط على سمعة الثورة ومكانتها الاخلاقية والانساينةن وقد بدا – مؤخراً – ان هذه الثقة بالاستاذ محمد حديد كانت في محلها اذ كان كسبا حقيقيا للثورة والثوار لاستقرار وضع العراق في الايام المباشرة الاولى للثورة حيث كان سلوك محمد حديد في السلطتين التنفيذية والتشريعية لمجلس وزراء تموز 1958 وتمسكه بالحياد الايجابي وتحقيق المصالح الوطنية بالنسبة الى متطلبات المعسكرين المتناقضين الذين كانا يقتسمان العالم آنذاك – المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي – وبالنسبة لمختلف طبقات المواطنين من ملاك وفلاحين ورأسماليين وتجار كبار وتنظيمات اجتماعية ولتمسك الاستاذ محمد حديد بالحكم القانوني تمسكا ثابتاُ لاسيما في سياسته الاجتماعية التي كانت تمر في تحقيق الاتجاه الاشتراكي وتوزيع الثروة عن طريق ضريبة الشركات والدخل والجمارك وزيادة الموارد النفطية وليس بالاجراءات الاعتسافية التي قد تعيق حركة الانتاج ولا تؤدي الى الغرض المنشود.
ولقد كانت سمعة الاستاذ محمد حديد كاقتصادي وسياسي ورجل دولة، وكربِّ عمل – إذ انشا وادار بشكل ناجح شركة استخراج الزيوت النباتية – كما انه ساهم في كثير من فروع الصناعة الوطنية التي بدأت بواكيرها بالتفتح بعد توسع الاقتصاد العراقي بعد تعديل اتفاقيات النفط وزيادة الواردات بعد عام 1952 – قد اعطت سندا حقيقيا وثابتا لدى اوساط رجال الاعمال والاقتصاد في داخل العراق وخارجه في اوائل العهد بثورة 14 تموز سنة 1958 حيث كانت الثقة ضرورية لنجاح الثورة انيا ونجاح سياساتها على المدى الطويل، لا سيما وان الاستاذ محمد قد عمل الكثير وعكس التضحيات المادية والمعنوية في سبيل اسناد هذه السياسة التي كان يؤمن بها المواطنين والضباط الاحرار بتوجهاتهم المحلية وعبد الكريم قاسم ايضا.
كان الاستاذ محمد حديد في موقعة هذا منطقيا بالنسبة لتكوين العراق التاريخي وتركيب اقتصاده ومجتمعه وعلاقاته الدولية والقومية والاقليمية، واذا ما كان من الضروري ان ينسب الى الاستاذ محمد حديد خطأ اودى بعبد الكريم قاسم وثورة تموز الى المصير المأساوي المعروف فان الخطأ لا يمكن ان ينسب كله او جله الى محمد حديد في سلوكه بمحاولة تصحيح بعض الاوضاع التي حدثت بعد الثورة بغية انقاذها وهو ما قام به الاستاذ محمد حديد وحزبه ورفقاؤه في الوزارة. بل ان الخطأ انما يكمن في الانصراف الى الركض وراء حركة عسكرية متعجلة تحفزها على موقفها ردود الفعل والدعايات الغوغائية، بعيدا عن دراسات مفصلة للقوى الحقيقية التي تفعل فعلها المؤثر في اعماق المجتمع العراقي، او التشجيع على تغيير تقوده الحركة العسكرية تشجيعيا متيناً على ما تسمح به ظروف حركة انقلابية عسكرية من اتفاقات – خارج الصف – ومعلومات كما ثبت ذلك فيما بعد من عدم التلاقي بين حركة الضباط الاحرار وقائدها وبين مسؤولي الحركة الوطنية تلاقيا كاملا وتبادل الاراء والدراسات المستندة الى علم الاجتماع والسياسة والتاريخ والاقتصاد، مما كان مسؤولية الحركة الوطنية الحزبية – لاسيما وان تاريخ العراق زاخر في عصره الحديث يتجارب حركات عسكرية – كانت نتائجها وعواقبها سلبية بخلاف اهدافها الاولى ومدعيات القائمين بها وقادتها – لذلك فقد كان على جبهة الاتحاد الوطني عدم المغامرة بفتح الضوء الاخضر لتأييد حركة الجيش على بياض - كما حدث – وهذا هو خطأ يمكن ان يعزي – لا الى محمد حديد وحده بل الى الحركة السياسية الوطنية جميعها، بالاضافة الى ان الحزب الوطني الديمقراطي وقيادته والاستاذ محمد يتحملون مسؤولية اضافية – وقد تبين انهم يختلفون عن الخط الشيوعي والخط الناصري روحا خطا التغيير الاساسي – في المنطقة انذاك. ومن الصعوبة على الحركة الثورة العراقية الفقيرة فكريا وايديولوجيا – تبني خط ثالث كان على قيادة الحزب الوطني ان تتبنى وتعمل على خط اصلاحي – غير ثوري او دموي او عسكري يمكن ان يتحملوا عواقبه ، وربما كان هو خط اصلاح النظام الملكي بالضغط السياسي السلمي عليه بدلا من مغامرة التأييد ودخول حركة الجيش التي هي في احسن الاحوال مجهولة المصير – عندهم وقد تدخل عواقبها البلاد في متاهة التجهيل وعدم وضوح المصير وقد سبق لهم في زمن بكر صدقي ان دخلوا بظروف ابسط وبقو ةثم انتهت مشاركتهم في السلطة الى فشل تام، خاصة ايضا ان الظاهرة التاريخية المتمثلة في الانتقال الفوري بمجتمع معقد التركيب جغرافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا والدخول به من مجتمع العشائرية والقبلية – فيما قبل الاقطاع الى مجتمع صناعي اشتراكي في ظل وضع دولي وقومي ووطني تتقاسمه المصالح الاستثمارية والايديولوجية – ليس بالامر الممكن ا1ا لم تكن ايديولوجية الدولة ايديولوجية شمولية غير ديمقراطية مؤمنة بالتحكم والسيطرة الدكتاتورية سواء دكتاتورية البروليتاريا او الحزب ولما لم تكن الدولة المستهدفة من قبل توجهات الحزب الوطني الديمقراطي ذات طبيعة لبرالية حزبية تعددية، فان اي تغيير ثوري انما يمنح الشعارات المتطرفة والاكثر تطرفا – المكان الاوسع والاقوى والاكثر قبولا من لدن الجماهير المحرومة والمتطلعة الى الحق المقدس، وبذلك فان الشعار المتطرف هو الذي يحدد موقع السلطة ونوعها مما تعود عواقبه على الرأي العام والجيش والاحزاب معا وتقود اما الى حرب اهلية او دكتاتورية من نوع ما في الاخير.
ولما كانت الظروف لا تسمح مقدما ببحث مبدأ اساسي للحزب الوطني الديمقراطي وهو اقامة حكم ديمقراطي اشتراكي فابى التدرج – مع حركة الضباط الاحرار، او مع الاحزاب الاخرى، وذلك لبلورة هذا المفهوم وفرضه كايديولوجية لجبهة الاتحاد الوطني وحركة الضباط الاحرار بل ان الجميع كانوا يدعون للتغيير وازالة النظام الملكي القائم وليحدث بعد ذلك الطوفان، فان التغيير الذي حدث صبيحة 14 تموز 1958 على هذه الشاكلة قد جعل الشارع السياسي في العراق عقب الثورة يعج بشعارات متباينة بتباين ايديولوجيات القوى المتنافسة والمتواجدة على الساحة وكان للشعار المتطرف القدح الاعلى في التأييد الشعبي الجماهيري – حتى ان كثيرا من القوى المعتدلة المؤيدة للاستاذ محمد حديد كانت تلجأ الى مقولات ماركسية واراء المنظرين الماركسيين اسنادا لتوجهاتهم التي كانت تعارض الشعارات الشيوعية الاكثر تطرفاً.
لذلك فقد كان امام قوى الحزب الوطني الديمقراطي والاستاذ محمد حديد وقوى الوسط التي كان يمثلها – قبل الثورة – خيار الاتفاق مع قوى الثورة مدنية وعسكرية على مفهوم محدد لعملية التغيير يؤدي الى وصولهم الى اهدافهم او محاولة تبديل خططهم واحداث التغيير من داخل النظام نفسه وذلك بتنبي اصلاحات دستورية، وهو الطريق الذي لم يحاول الحزب الوطني الديمقراطي ولوجه وتطويره.
ان اي تغيير عنيف وثوري يكون سبباً لعنف وتطرف اكبر، وقد ادى مقتل الملك والوصي والعائلة المالكة وسجل الجثث الى كشف الغطاء عن نوازع العنف (الصادقة وغير الصادقة) المكبوثة في المجتمع العراقي بحيث كان على قيادة السلطة والثورة – في جو التنازع والانقسام ان نداهن ونتملق هذه النوازع المتطرفة وان تجد معها قواسم مشتركة تؤثر على مسيرة السلطة واستقرار الأمر في البلاد وإلا اتهمت السلطة – على وطنيتها وثوريتها – بمعالاة القوى المضادة والرجعية من قبل قادة المتطرفين الطامعين بالسلطة في اتجاه تصفية القوى المعتدلة والقضاء عليها. وقد حدث هذا في كل الثورات الكبيرة المعروفة في العصر الحديث، الثورة الفرنسية ثم السوفييتية، كما حدث مثله في سنتي 58 و 1959 عقب ثورة العراق حيث حددت الشعارات المتطرفة وتطبيقها العنيف – لو نالثورة ولون السلطة المطلوبة جماهيريا في الشارع اما التعقل ومحاولة دراسة العوامل الداخلية والخارجية لأي حدث بما يوصل الى القرار الصائب، فكان يتهم بالرجعية والتآمر والثورة المضادة وغير ذلك من الاتهامات.
ان بقاء الاستاذ محمد حديد الى جانب المرحوم عبد الكريم قاسم بعد استقالة وخروج وزراء جبهة الاتحاد الوطني في شباط 1959 كان لمعالجة هذا الوضع بشكل سلبي من اطراف الجبهة الوطنية، ما عدا الاستاذ محمد حديد وزميله الاستاذ هديب الحاج حمود اللذين عالجا الوضع معالجة ايجابية بالوقوف الى جانب عبد الكريم قاسم مما قدره قاسم تقديرا كبيرا فاصبح الاستاذ ابو هيثم المستشار السياسي الاساسي لسياسة عبد الكريم المتبعة منذ اواخر 1958 والمصممة على اساس الوقوف امام الشيوعية كتغيير عنيف للمجتمع وكذلك على اساس كل ما يتصل بهذا الموقف في جامع السياسات الداخلية وحتى في حركة التغييرات الادارية وتعيينات الموظفين التي كانت متفقة مع هذا التوجه ايضا، على ان ذلك قد ادى – في السنة الثانية من الثورة وما بعدها الى ازدواجية عملت على جذب عواقب سلبية جانبية اضعفت السلطة وقللت من مصداقيتها وادت بالتال الى موقف جعل الجهات السياسية الاخرى تسال عن آثاره السلبية المرحوم عبد الكريم والاستاذ محمد حديد فقط.
ان غالب قرارات المرحوم عبد الكريم قاسم في مسائل التشريع والتنفيذ والادارة باقامة المؤسسات او تعيين واختيار مديريها كانت تمثل القاسم المشترك لخطوط متعددة ولاتجاهاتها المتنافية، وكان خط الاستاذ محمد حديد فيها ملحوظا، او على اقل تقدير كان سكوت الاستاذ محمد وعدم ابداء رأيه فيها من عوامل صدور قرار عبد الكريم ايضا وان كانت الخلافات بينهما حول السياسات الداخلية وغيرها قد نشأت وتفاقمت اخيرا واخذت في بعض الاحيان طابع المناكفة الشخصية كتأخير منح الاستاذ محمد حديد جواز سفر الى اوروبا، والملاحظات التي كان يبديها الاستاذ محمد حديد حول السياسات الحكومية كانت سلبية بوضوح.
عن كتاب عبد الكريم قاسم وعراقيون اخرون
تأليف الوزير الراحل عبد اللطيف الشواف