هذا هو منطق دستورهم:  البرلمان لا يمثلني ....!

هذا هو منطق دستورهم: البرلمان لا يمثلني ....!

 بقلم متظاهر
صوت مجلس النواب "حاوية" الطبقة السياسية "المُنحَلّة" أمس الأول، على صيغة لم يتوثّق الحلبوسي من تسميتها، قراراً أو توصيةً، فتركها على عواهنها ليبت فيها رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته.
والجلسة كما سماها الحلبوسي في مقطع فيديو مُسَرّب.

وفي الغالب "هو أو أحد أعوانه من سرّبها"، كانت جلسة شيعية. غابت عنها المكونات الأخرى، وبضمنهم شيعة السيد السيستاني. والجلسة  كانت "مختلة النصاب"، استناداً لمعايير التقليد المتبع، والنظام الداخلي للمجلس، اللذان يؤكدان على التوافق في إقرار القضايا الستراتيجية، وليس اعتماد الأغلبية السياسية. وحتى من زاوية الأغلبية السياسية، فالمفروض أن يأخذ المجلس بالاعتبار"التنوع" في التمثيل "المكوناتي". ومن هذا المنطلق أيضاً سارعت الأحزاب الطائفية بعد شعورها بالعزلة، الى تشكيل كُتلها، لتضم أنفاراً من كل مكون، مع تغيير أسماء كتلها وقوائمها الانتخابية، من طابعها الإسلامي، الى المدني إمعاناً في تحايلها على الجمهور، وعلى الدستورالذي يمنع التشكيلات المغلقة، الدينية والطائفية.
ساد الجلسة الهرج والصراخ والتقاطعات، ليتم في أجوائها المشحونة والمتوترة، التصويت على صيغة مبهمة طرحها الحلبوسي، دون ان يدري هو في الغالب، فحواها  وكيفية  إقرارها. وعند التصويت، وكالعادة، لم تُعَد الأصوات، وأعلن أنها أُقرت بالإجماع، رغم أن أيادٍ عديدة لم ترتفع.!
وفي سابقة خطيرة، تضمن قرار البرلمان تفويض رئيس مجلس الوزراء المستقيل باتخاذ ما يلزم من موقف وتدابير لإخراج القوات الأجنبية من العراق. فالوزارة التي يرأسها السيد عادل عبد المهدي هي وزارة تصريف اعمال، لا صلاحية لها في معالجة قضية خطيرة تتعلق باتفاقية ستراتيجية، او حتى ترتيبات تفاهمية مع الولايات المتحدة والعشرات من الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش والإرهاب التكفيري. كما أن المجلس نفسه صار فاقد الصلاحية، بعد أن فرضت عليه الحركة الاحتجاجية إقرار قانوني الانتخابات والمفوضية. والالتزام بإجراء انتخابات مبكرة، لا تتجاوز بضعة أشهر على ان لا تزيد على سنة واحدة كما تؤكد عليه ساحات الانتفاضة. وهذا يعني بوضوح أن المنظومة السياسية، بركنيها، التشريعي والتنفيذي، لم تعد محل ثقة العراقيين، ويشكلان معاً حاوية الطبقة السياسية الفاسدة التي أوصلت البلاد الى ماصارت عليه من انحدار ورثاثة وانحطاط سياسي.
وقد فات المجلس المختل، أن الاتفاقية الستراتيجية  تتطلب إشعار الطرف الآخر من قبل الحكومة العراقية "حكومة كاملة الصلاحية" على أن يجري إعلام الأمم المتحدة بذلك ايضاً. وتبعاً لذلك تتحدد خطوات الانسحاب للقوات الأجنبية كلها. على ان يشمل ذلك التواجد العسكري التركي والتوغل الإيراني في العمق العراقي.
ورغم إشارة المجلس الى اقتران الانسحابات الأجنبية بالتلازم مع تسليم سلاح الميليشيات الى الدولة، ويُفترض تبعاً لذلك حل التنظيمات المسلحة دون استثناء، الا ان الإشارة كانت غامضة، بلا تسميات محددة، ولا صيغة توصية مستقلة.
والأهم من ذلك، أن المجلس فوّض رئيس وزراء تصريف اعمال "بكامل صلاحيات مجلس النواب" وهو ما لا يُعطى لرئيس مجلس وزراء الا في ظروفٍ استثنائية. ويمكن تفسير ذلك كما لو أنه تصويت على إبطال استقالته، او تكليفه مجدداً .!
بهذا الاستخفاف بالدستور، تتعامل السلطة التشريعية. وبهذه الكيفية التي تفتقر لأوليات السياقات القانونية، تتصرف وكأنها في غفلة عن التزاماتها في تطبيق الدستور، وتجاوزها لأحكامه ومبادئه، وقواعد تطبيقاته.
إن العراقيين، يدركون منذ البداية، العواقب المترتبة على الإخلال بسيادة بلدهم، عبر اتفاقيات لتواجد قوات عسكرية أجنبية. ولكنهم يدركون أن ما جعل من هذا الخرق ممكناً، إبقاء البلاد طوال ستة عشر عاماً وبضعة أيام في حالة اضطرابٍ دائمٍ، وعبثٍ بمقومات بناء دولة قادرة على صيانة حدودها وأمنها الداخلي. بل ان الطبقة السياسية المتنفذة هي التي كانت وراء الازمات التي لم تنقطع، وفي أساس إعادة انتاجها وتفاقمها على كل صعيد. وعلى امتداد حكوماتها المتعاقبة الجائرة، فعلت كل ما من شأنه الحيلولة دون بناء الدولة على ما هي عليه من خراب، وتمكينها من تأمين السلم الأهلي، وتكريس مصالحة مجتمعية، ووضع أسس قاعدة اقتصادية  من شأنها توظيف ثروات البلاد لصالح تنمية مستدامة، وإنهاء طابعها الريعي، والاستجابة لتطلعات المواطنين في حياة كريمة. وما جرى على العكس من ذلك، إذ نُهبت الثروات وعم الفساد. وأقدمت الطبقة السياسية على عسكرة المجتمع، من خلال تشكيلات وأذرع مسلحة خارج الدولة وعلى الضد من ضوابطها، لتصبح قوة مسلحة في موازاة القوات المسلحة، بل ربما اكثر منها قدرة وتسليحاً وانتشاراً.
لقد بين البرلمان في جلسته المخصصة لإخراج القوات الأجنبية من البلاد أنه في سلوكه وتوجهاته على تعارضٍ وتقاطعٍ بيّن مع جوهر مباني الدستور ومبادئه الذي تتباهى كذباً باحترامه، وتواجه الحركة الاحتجاجية بالدعوة للالتزام بسياقاته في مطالباتها بالتغيير والإصلاح. وتلح حتى الآن بتكليف مرشح على "مقاس" مصالحها في الحفاظ على هيمنتها على السلطة ومقدرات العراق الجريح المُبتلى بهم وبمفاسدهم. وتتمسك باعتماد بدعة الكتلة الأكثر عدداً في تسمية المكلف بتشكيل الحكومة، بعد أن تجاوزتها بالتوافق على حكومة عادل عبد المهدي.
إن إخراج القوات الأجنبية وتطهير الوطن من رجس الأذناب هو مطلب وطني، على قاعدة "الكل بره". لكن مثل هذا القرار يجب ان يقترن بمقاضاة كل من ابرم  أي اتفاقٍ علني او سري، وهو ما فعلته الحكومات الطائفية المتعاقبة وفي مقدمتها حكومة نوري المالكي، الذي وقف امام الكونغرس بحضور جورج بوش ليشيد عالياً بدور الولايات المتحدة في "تحرير" العراق، وانقاذه من الدكتاتورية ومساعدته في إقامة النظام الديمقراطي، والدفاع عنه في مواجهة الإرهاب. وليس صعباً لفضح دعاة إخراج القوات الأمريكية من البلاد، اذ يكفي تقليب صفحات الماضي المشبوه في (غوغل) لتسليط الضوء على أولئك الذين يعلو صراخهم في البرلمان وهم يهتفون "أمريكا بره بره" لإيهام أبناء شعبنا، بان تصويتهم على التوصية الإعلامية الكسيحة، سيغطي على كونهم الآباء المؤسسون لثلم السيادة الوطنية، والتبعية للأجنبي، وقتل المدافعين عن وطنهم وعن سيادته واستقلاله، والدعاة الحقيقيين لتطهيره من القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية. ومن الميليشيات المنفلتة بلا رادع في خدمة الأجنبي.
من تابع وقائع الجلسة الساخرة للبرلمان لم يسمع بوضوح هتاف أعضاء البرلمان، هل كان "أمريكا بره بره، ايران جوه جوه"، ام كان مجرد هتاف تسقط أمريكا، تعيش ايران؟ !
وفي الحالتين هل نحن امام مفهوم جديد للسيادة والاستقلال؟.؛
ثم هل نسي الهتّافون، أن اكثر من عشرين الف مصاب وجريح والف شهيد، ضحوا بأعز ما لديهم وهم يطالبون برحيلهم ومحاكمة قياداتهم الفاسدة؟ ..
السيادة أيها السادة تعني في كل اللغات والقواميس "لا وجود لأجنبي، لا تبعية لاي كان، لا ميليشات تحت أي شعار".
نعم لبناء دولة مدنية وطنية ديمقراطية حرة سيدة، المواطنة قاعدتها ...
ولأننا نريد هذا: فالبرلمان لا يمثلنا..!