حكاية شهيد..حسين علي خضير، طالب بكلوريا حصل على قبوله الجامعي  بعد عناء، ورحل تاركاً مقعده ينعيه!

حكاية شهيد..حسين علي خضير، طالب بكلوريا حصل على قبوله الجامعي بعد عناء، ورحل تاركاً مقعده ينعيه!

 ماس القيسي
اصرار طالب مجد لم يرد من الحياة البائسة التي عاشها سوى ان تهديه نجاحا لائقا بكده، وهو ساهر تلك الليالي الموجعة الحالمة بنصر حاملا معه، وثيقة تعنون اسمه مصرحة بان ابواب الصرح العلمي مشرعة امامه ليواصل المسير، الذي طالما اضناه وهو يكابد عناء المحاولات عبثا، مرارا وتكرارا بغية بلوغ تلك الرتبة الاكاديمية التي تمنحه حق متابعة تحصيله الدراسي، وتحقيق حلمه في ان يكون طالبا في كلية العلوم.

حسين علي خضير، او (حيدر، كما يسمى في منزله)، شاب بعمر الزهور من مدينة النجف الاشرف، في مطلع العشرينيات من عمره، من عائلة محدودة الدخل، حصل على درجة البكالوريا العلمية بعد عناء متواصل استمر سنوات لعدم استطاعة اسرته من مد يد العون له في سبيل التحاقه بمدرسة خاصة، او حتى دروس تعليمية خارج نطاق المدرسة الحكومية، التي لا تسمن من جوع!، ثابر وهو يتكبد جهد السير على الاقدام ذهابا وايابا، ما بين منزله ومدرسته، فهو لا يحمل في جيبه اجرة عربة نقل تقله، وبهذا يخبرنا مصطفى (شاهد عيان)  قائلا: "قضى حسين فترة دراسته وهو يذهب ويأتي دون ربع دينار في جيبه، ليؤجر سائق تكسي او حتى يسجل خط سير مدرسي ثابت، كان حلمه ان يجتاز البكالوريا التي قضى فيها سنوات عدة، حتى يحقق حلمه في الالتحاق بكلية العلوم، التي حصل على قبولها اخيرا قبل استشهاده بأيام، لسوء حظه". لم يتسن لحسين ان يشعر بفرح النصر العلمي الذي اجتهد في تسلق سفحه، فرحل قبل ان يقدم على اول خطوة من خطى رحلته الجامعية.
شارك حسين في تظاهرات ثورة تشرين في مدينته النجف، بتاريخ 30 من شهر تشرين الثاني، ويقول مصطفى (نقلا عن لسان والدة حسين) بهذا الصدد: "كل يوم كان حسين يتواجد بقرب والدته، يوقظها لأجل اداء الفرض الديني (صلاة الفجر) الذي يواظب عليه دوما، كانت والدته على علم بأنه يخرج ليتضامن مع اخوته الثائرين، وقد حاولت مرارا منعه، حتى انها كانت تضع له بعض الادوية في شراب العصير لتخديره، ولكن لم يردعه اي شيء عن اصراره في دعم ابناء بلده". في اليوم الاول من شهر كانون الاول قرر القدر ان ينهي حياة حسين الثائر، على يد ميليشيات سمحت لنفسها ان تتطاول على روحه الطاهرة برصاصة اصابت رأسه واردته قتيلا، كما يقول مصطفى معقبا: "قناصو الميليشيات الحزبية يصوبون مباشرة بالرأس وبشكل عشوائي ضد المتظاهرين السلميين، في ليلة المجزرة المرتبطة بحادثة (المرقد) المعروفة بتاريخ 1 /12، قد اصيب العديد من الابرياء الذين لا دخل لهم  بساحات التظاهر، طفلة بعمر 5 سنوات اصيبت في حديقة منزلها، وشاب ذاهب لفتح دكانه، وآخر يحمل طعاما يتناوله اصيب ايضا، وقد كان حسين من بين اولئك الضحايا". رحل ثائرنا حسين وهو ينقل رفاقه الجرحى كعادة الثائرين، حين يقدمون ارواحهم قربانا لحرية الحياة.
لم يكن اهله على علم في بادئ الامر، حين فقد حسين حياته، بل وصلهم خبر استشهاده من خلال احد منشورات صفحات التواصل الاجتماعي، وتخبرنا الممرضة (دعاء) التي شهدت بنفسها حالة حسين بعد ان نقل الى المشفى، الذي تعمل به قائلة: "لا يمكن لي ان انسى تلك اللحظات حين وصل حسين الى المشفى وجزء من دماغه يتدلى خارج رأسه، حين قمت بتغيير ضماد جرحه لم اتحمل المشهد وغبت عن الوعي حينها، ولولا اننا قمنا بنشر صورته، التي تعرف عليها احد اساتذته وصديقه، لما استطعنا الوصول لأسرته التي اصيبت بالصدمة، حين حضرت المشفى ورأت ابنها بذاك المنظر المريع".
"ما الذي جنيته يا اماه؟!، لم اكن اريد سوى ان اراك عريسا"، كما تنوح امه في لحظات وداعه، الم تركه حسين يقبع في انفاس امه الحالمة بليلة زفافه، بشهادة جامعية وعروس تشاركه سير دربه المكلل بالتعب والعناء، ابتهجي يا امي، ما جناه حسيننا (الكرار حيدر، كما تحبين ان تناديه) اقدس من كل مقدسات الدنيا، جنى روحا حرة كريمة تزف الى خالقها بثوب ابيض طاهر من كل دنس.