من تاريخ الحياة النيابية في العراق..عندما اصبح رئيس كتلة المعارضة رئيسا لمجلس النواب

من تاريخ الحياة النيابية في العراق..عندما اصبح رئيس كتلة المعارضة رئيسا لمجلس النواب

د. عكاب يوسف الركابي
في 20 ايار 1926 جاءت النقلة النوعية في الحياة السياسية البرلمانية ، لحكمت سليمان ، بعد ان تبوأ رئاسة مجلس النواب نتيجة استقالة رشيد عالي الكيلاني ، ، وقد استمر في منصبه هذا حتى اليوم الاول من شهر تشرين الثاني من العام نفسه  . وكان حكمت سليمان  قد انتخب عضوا ً في مجلس النواب في دورته الاولى التي بدأت في السادس عشر من شهر تموز سنة 1925 ، وانتهت في الثامن والعشرين من كانون الثاني سنة 1928.

على الرغم من ان المجلس النيابي لم يناقش خلال توليه لرئاسته احداثاً خطيرة ، بأستثناء ، تصديق المعاهدة البريطانية – العراقية – التركية ، في 14 حزيران 1926 ، نظرا ً لقصر المدة ، فضلا ً عن ان ، هذه الرئاسة جاءت متزامنة مع نهاية الاجتماع الاعتيادي الاول للدورة النيابية الاولى ، والتي انهت جلساتها بعد تصديق تلك المعاهدة ، الا ان تلك المدة شهدت صراعا ً سياسيا ً جديدا ً ، تمثل بالانشقاق الذي حصل بين اعضاء حزب التقدم ، الامر الذي خدم مصلحته اذ رُشح لرئاسة المجلس في دورته الجديدة ، وكان سبب الانشقاق هو خروج رشيد عالي الكيلاني عن ذلك الحزب ، وكان الوضع حرجا ً نظرا ً للمرحلة الدقيقة من العلاقة بين الملك فيصل الاول وعبد المحسن السعدون ، رئيس حزب التقدم ، في ظل التقارب بين الملك ورشيد عالي الكيلاني والذي وصل الى ذروته من اجل تحجيم نفوذ عبد المحسن السعدون وحزبه  ، الامر الذي عبر عنه توفيق السويدي بقوله (( أصبح رشيد والبلاط في موضع والسعدون وحكمت في موضع آخر فتصادمت القوى في انتخاب رئيس مجلس النواب وبذل البلاط جهده لاقناع النواب بانتخاب رشيد عالي … نكاية ً بالسعدون )) .
ولا شك ان هذا الصراع انسحب تأثيره على الحياة السياسية لحكمت سليمان ، فيما بعد ، فحين أعيد انتخاب رئيس مجلس النواب على أثر افتتاح جلسات المجلس ، في اجتماعه الاعتيادي الثاني من دورته الانتخابية الاولى في الاول من تشرين الثاني سنة 1926 ، في انتخاب ذلك اليوم ، فاز مرشح المعارضة ، رشيد عالي الكيلاني ، على مرشح ، الحكومة حكمت سليمان ، في تداخل عجيب تحول الى سمة من سمات الحياة السياسية في عهد الملك فيصل الاول ، مما انعكس بقوة على طبيعة المعارضة النيابية واساليب عملها   .
حصل الكيلاني على ( 43) ثلاثة وأربعين صوتاً من أصل (79 ) تسعة وسبعين صوتاً وهو عدد النواب الذين حضروا الجلسة ، وحصل حكمت سليمان على  ( 33) ثلاثة وثلاثين صوتاً وبقيت ثلاث أوراق بيضاء ، بينما وقفت المعارضة دون استثناء الى جانب مرشحها  .
كان ذلك ، ضربة سياسية قوية وجهت الى، عبد المحسن السعدون ، الذي حاول تفادي اثارها عن طريق حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة ، الا ان الملك لم يستجب لطلبه هذا، فقدم استقالة حكومته، في مساء اليوم نفسه لافتتاح المجلس النيابي ، على أساس ان حكومته لم تعد تتمتع بمساندة الأكثرية داخل المجلس النيابي  .
يبدو ، من خلال ما تقدم ، وللوهلة الأولى ، وكأن المعارضة النيابية ، هي التي اسقطت حكومة السعدون الثانية ، ومرشحها ، حكمت سليمان ، الامر الذي لم تشهده الحياة النيابية طيلة العهد الملكي في العراق ، والأدلة الآتية توضح خلاف ذلك : -
لقد قيل في حينها ، ان التصويت السري ، دفع الكثير ، من أعضاء حزب التقدم ، لعدم التصويت لمرشح الحكومة ، لكراهيتهم له شخصيا ً  وهو رأي غير صحيح ، حيث عمل ، حكمت سليمان ، مع أعضاء حزب التقدم ن دون ان تظهر أية مشاكل فيما بينهم ، بل ان أعضاء الحزب ورئيس الوزراء ، عملوا جادين على مساندة ترشيحه .الا ان هناك شواهد تاريخية توحي ، بان الملك فيصل الأول ، نفسه ، كان قد رتب عملية هزيمة مرشح الحكومة ، ويستشف ذلك من الملاحظتين الآتيتين :
أ – قبل الملك استقالة السعدون حال تقدمها في 1 / 11 / 1926  ، الامر الذي ، برهن بان الملك ، لم يعد متمسكا ً ، ببقائه في مركزه ، اذ لم يحاول اقناعه بالعدول عن الاستقالة ، مثلما فعل خلال مفاوضات معاهدة سنة 1926 ، بل قبلها دونما ، تردد او استفسار ، ولم يطلب منه سوى ان يستمر مؤقتا ً ، في ادارة شؤون الحكم ، الى ان يقر ، رأيه على الوزارة الجديدة  ، كما انه وافق عليها ، دون استشارة  ، وكيل المندوب السامي البريطاني ، ومستشار الملك كورنواليس ، كما هو معتاد ، فقد كان كورنواليس ، غير مقتنع بتعليمات حكومته في لندن بعد ان حل المجلس النيابي ، لانه كان يفضل عدم استقالة السعدون ، وكان ذلك يعني ان السعدون، مثّل ثقلا ً سياسيا ً، أرادت السلطة البريطانية ، الاستفادة منه في الوقوف بوجه تطلعات الملك فيصل ، التي بدا ان فيها شيئا ً مناوئا ً لسياستهم ، وبعد ثمانية أيام من الحادث ، ذكر وكيل المندوب السامي البريطاني الى وزارة المستعمرات، بأنه شك ، حين استقال السعدون ، بان الملك فيصل ، قد دبّر امر الاستقالة ، وانه الان – أي وكيل المندوب السامي – مقتنع تماما ً بذلك ، وأضاف (( ان استعجال فيصل في قبول استقالة السعدون قد أثار الشكوك بقوة ، لقد سمعت من مصادر موثوقة ، بان كثير من أصوات النواب ، قد منحت ، للكيلاني ، بدلا ً من ، حكمت سليمان ، بناء ً على تعليمات فيصل ، علما ً بان هناك أشارات عديدة تؤيد اعتقادي هذا )) . تشير معظم الدلائل الى ان نتيجة الانتخاب، كانت مفاجئة بالنسبة الى رئيس الوزراء، وللمعتمد السامي هنري دوبس (H. Dobbs  ) ايضا ً،اذ ان عبد المحسن السعدون سبق ان اجتمع بأنصاره من حزب التقدم طالبا ًمنهم دعم ،حكمت سليمان ، الا انهم ساندوا ، رشيد عالي الكيلاني ، بضغط من ، الملك فيصل الاول ، وخرجوا بعد انتخابه ، يهتفون بحياة الملك فيصل  .كما وان في انتخابات رئاسة المجلس النيابي السابقة لم يحصل رشيد عالي الكيلاني ، الا على بضعة أصوات ، أمام الأكثرية التي حصل عليها ، حكمت سليمان  .
عن: رسالة ( حكمت سليمان ودوره السياسي...)