يتجول حاملا حقيبة ظهر ومكنسة لجمع النفايات.. تحت راية  عراقي أنا

يتجول حاملا حقيبة ظهر ومكنسة لجمع النفايات.. تحت راية عراقي أنا

 ماس القيسي
 سلمية اي حراك شعبي كلمة نرددها كثيرا قد نفهم جزءا من ماهيتها دون الآخر، وقد نطبق ما نفهمه وندركه على ارض واقع نعيشه بتفاصيله المتشعبة ويومياته المليئة بزخم الحياة ورتابتها. ما يتم ادراكه من تلك السلمية يأتي على قدر مستوى وعي اي انسان بسيط اجتماعيا غني فكريا بمقومات اسلوب الحياة الحضاري المتمدن، مع التحفظ على استخدام مصطلح (بسيط) الذي تجبرنا واقعية تعابير المجتمع، بما يتداوله بين تكتلات افراده على تبنيه كمفردة حتمية، لكنها لا تعني بصلب فحواها شيئا سوى الانسان بمكنونه من بين مفردات قاموس القيم!

منذ يوم السابع والعشرين من اكتوبر وفؤاد العراقي متواجد وحاضر في اروقة التحرير، ساحتها ونفقها، متجولا بين المتظاهرين ليحمل عنهم ثقل النفايات، فؤاد الذي اصر على منح نفسه لقب (العراقي) دون ذكر اسم كنية او اسم عائلة،  يصفه قائلا: "لن اذكر اسمي الكامل، انا باسم العراق قد اتيت وما غادرت هذا المكان الا اربعة ايام لأسباب صحية". وعندما سألته عن مكان راحته حين تحل ليلة يوم من العناء المتواصل اخبرني فؤاد: "في اي مكان لا يهم، اين ما وضعت رأسي سأغفو". وكأن الشارع هو منزله، وطنه الذي يهتم به ثم يأوي لأي ركن من اركانه.
 اكمل فؤاد دراسته الاعدادية وتوقف ليسترزق من الاعمال الحرة هنا وهناك، وبهذا الشأن يقول: "اي انسان يطرق بابي في خدمة البيها مقابل اجر، لكني توقفت عن العمل منذ ان شاركت في التظاهرات". وعن سبب قدومه وتواجده الدائم في ساحة التحرير يقول: "عليّ المشاركة فان هؤلاء الناس هنا ليسوا افضل مني، ليأخذوا حقي الضائع وانا مظلوم". وفيما يخص حقوقه التي يطالب بها يضيف قائلا: "هناك الكثير من الاسباب التي تدفعني للتظاهر، من ابسطها هي قوانين المرور الفاسدة، هل يعقل ان تتم مطالبة والدي كبير السن الذي يعمل سائق اجرة، والذي تجاوز عمر الستين، ان يقوم بتحوير العربة (طبقا لقانون التحوير من بانزين الى غاز) بما يقابل يكلفه 600 الف، نضيف لها تكلفة تحوير اجازة السنوية، ما يقارب 700 الف، لتصبح بالمجمل اكثر من مليون دينار عراقي، كم تبقى من عمر والدي ليعمل في سبيل تحصيل هذا المبلغ؟! وان لم يقم بتبديل اجازته سيتعرض حتما لإهانة من قبل شرطي مرور بعمر احفاده!". منوها الى انه يعيش في بلد تحكمه دولة لا تحترم حقوق المواطن كبيرا او صغيرا ويعقب قائلا: "يريدون مني احترام قانون المرور وهم يقطعون سير الجسور ويعطلون حياة الناس بتلك الصبات الكونكريتية".
 ويواصل فؤاد سرده وشكواه عن معاناة المواطن العراقي بقوله: "سبب آخر لخروجنا، هل يعقل ان يكون هناك مستشفى كسور عام يستقبل مئات المرضى وليس لديه سوى جهاز كشف سونار وحيد؟! والمواطنون يقفون ساعات لانتظار دورهم وهم يعانون آلام من اصاباتهم، لكن الموظف ايضا ليس له في اليد حيلة فهو يطيع اوامر المؤسسة التي يعمل بها". ويختم حديثه باستنكار قائلا: "كل هذا وتسألني لماذا خرجت؟!! هناك اسباب كثيرة وسأكتفي بهذا القدر" مؤكدا على مواصلة التظاهر بسلمية وحضارة، وان ثورتهم تقف ضد اي عمل تخريبي غير قانوني.
 مواطن يفتقر لكل مقومات العيش الكريم منذ عقود في بلد ينعم بالخيرات والثروات، التي يتكالب في سبيل الحصول عليها واستغلالها الجار قبل العدو، يحق له حسب كل القوانين والشرائع الارضية والسماوية ان يطالب بحقه دون ان يُتهم زورا بانه ينشر حالة من الفوضى ويحرض على الارهاب!، كيف له ان يكون فوضويا وهو من يحمل عن كاهلنا فوضى نفايات شوارع الوطن؟!.