محمد مهدي البصير.. بواكير اهتماماته السياسية

محمد مهدي البصير.. بواكير اهتماماته السياسية

علي كاظم الكريعي
تكتف بريطانيا باحتلال بغداد في 11 اذار 1917 ، بل انها أخذت تعد العدة لاحتلال العراق بأكمله ، فعندما أنهت هدنة ((مودروس)) الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية ، كانت الجيوش البريطانية ، على بعد اثني عشر ميلاً من الوصول ، ولكنها لم توقف القتال ، بل استمرت في تقدمها ، واستولت على الموصل في اليوم الثامن من شهر تشرين الثاني سنة 1918م ، ثم انسحب الجيش العثماني الى الجزيرة  ونصيبين ، وبهذا طويت صفحة العثمانيين من تأريخ العراق .

ثم اكملت القوات البريطانية احتلالها للأقسام المتبقية منه في العام نفسه ، وقامت بأرسال الحكام السياسيين والعسكريين الى المحافظات ، ووزعوا جنودهم فيها ، فعينت الحكومة المحتلة الميجر ((بولي)) حاكماً سياسياً على الحلة ، وارسلت  قسماً من جنودها اليها ، وكان قائد حامية الحلة الكولونيل ((لوكن)) .
كان الحلفاء أبان الحرب ، يغدقون الوعود الى الشعوب التي يودون استمالتها ، ويعدون المطالبين بالحرية والاستقلال فيها ، بمساعدتهم على تحقيق ذلك وبالسهرعلى حقوق بلادهم ، كل ذلك لاغرائها في ترك القتال ضدهم .
أخذ العراقيون ، يعقدون الآمال على وعود الحلفاء وتصريحاتهم ، التي أطلقوها
في اثناء الحرب وبعدها ومنها : وعودهم للشريف حسين سنة 1916((مراسلات حسين – مكماهون)) بالاعتراف باستقلال البلاد العربية. وبيان الجنرال مود الى العراقيين في 19 اذار سنة 1917م . وبنود الرئيس الأمريكي ((ويلسون)) الأربعة عشر، ضمن الخطاب الذي ألقاه في الكونغرس الأمريكي، في الثامن من كانون الثاني سنة 1918م ، على اعتبارها ممثلة لسياسة أمريكا في قضية تنظيم السلم ، وقد اشترطت المادة الثانية عشرة هذه ضمان اطمئنان الحياة للقوميات التابعة - في حينه – للدولة العثمانية ، ومنحها((الفرصة المطلقة للتقدم في سبيل الحكم الذاتي)). وتصريح الحكومة البريطانية للعرب السبعة في القاهرة ، في16 حزيران سنة 1918م . وغيرها من الوعود التي أكدت دعم الحلفاء للعرب بعد الحرب ، ومساعدتهم في نيل حريتهم واستقلالهم ، وانشاء حكومة وطنية خاصة ، ولاسيما انهم شاركوا في الحرب ضد الدولة العثمانية ، وقدموا التضحيات الجسيمة في الثوره على العثمانيين وقد أشار البصير، الى ماقدمه العرب من مساعدة ، للبريطانيين في حربهم على الدولة العثمانية في قصيدة لة قائلاً :ـ
لو انصفوك لحرروك لأنهم
ربـحــوا قـضيتهــم بظــل لـــواكــــــا
نقضت مطامعهم صداقــتك
الـتـي من أجلها عقدت  وهم أعداكا
لقد كشف الحلفاء عن وجهم الكالح ، واظهروا العداء العميق للعرب ، اذ تقاسموا أقطارها سراً أثناء الحرب ، والعرب يقاتلون معهم جنباً الى جنب ، ووقعوا بينهم معاهدة ((سايكس– بيكو)) فوضعوا سوريا ولبنان تحت الانتداب
الفرنسي ، ووضعوا فلسطين تحت الانتداب البريطاني والحكم الصهيوني المباشر، وجعلوا الأردن والعراق خاضعين للانتداب البريطاني. كما وتعمدوا الاساءة الى هذا الشعب الوديع الصابر، ففي السادس عشر من شهر تشرين الثاني سنة 1918م . أُعلن في الصحافة العراقية ، بيان  حكومي ، حدحت فيه الاجراءات التي تروم الادارة البريطانية في العراق اتخاذها ، فظهروا بمظهر المربي  للشعب العراقي ، الذي يعتبر في نظرهم غير مؤهل على تحمل مسؤليات الاستقلال الذاتي ، وعلى ذلك اقتصرت الاصلاحات على  تأسيس المجالس البلدية المحلية ، والتي لم تكن تملك سوى دور استشاري.
وحينما انكشفت مكائد الحلفاء ، ودسائسهم للعرب عامة والعراقيين خاصة ، أصابهم اليأس واعتراهم القنوط ، ويبدوا ان البصير ممن انخدع بهذه الوعود البراقة في أول الأمر ، ولكنهُ بعد ان تبين لهُ زيفها وبطلانها ، وقف من الاحتلال البريطاني موقفا مضادا ، اتخذ شكل المعارضه السياسية.(76) فنظم البصير قصيدة ، عبر فيها عن هذه الخية ، التي شعر بها  مثلما شعر بها الآخرون ، وهي قصيدة رمزيه جاء فيها :ـ
اناحر لولا حكومة سحر
جهزت لي بالاعين النجل حملة
زعمت انها سلام ونـــور
بيد اني وجـــــدت نارا مطلة
ومن القصائد الرمزية التي اشتهرت له ، قصيدة ((ايقاض الرقود)) التي بعث بها البصير من الحله الى ((مجلةاللسان)) وهي تعبرعن الخيبة المُرة التي شعربها العرب ، ازاء موقف البريطانيين منهم ، بعد العهود التي قطعوها لم في الاستقلال .
ياصبا هاك  من دموعي طلـة
فلعـل الهـوى يـرق لعلــــــــه
انا مستعبد كما يشتهي الحب
فهل انت في الفضاء مستقله
ثم اتجه محمد مهدي البصير في هذه الحقبة ، اتجاهاً جديداً ، وهو تأييدهُ للثورة العربية في الحجاز. ولا سيما قد انتشر الوعي والفكر القومي في أوساط مختلفة من المجتمع العراقي، وقد بين البصير ذلك قائلا ((ان الفكرة القومية لم تكن وليدة ثورة سنة 1920م ، وانما كانت موجودة ومنتشرة انتشاراً واسعاً في أوساط مختلفة منذ سنة 1911 م . أي منذ قيام حزب اللامركزية الادارية العثماني في القاهرة ، فقد تأثرت أوساط عراقية جديدة بسياسة هذا الحزب)).
وكان البصير في معظم ما ينشره من شعر، دعوةً الى القومية العربية ، و وحدة العرب ونهضة الشرق قائلاً :ـ
وما نبغت في الشرق كالعرب امة
فليس لها في من رأيت نظير
فيا وطني شمر الى المجد ناهــظ
فأنت على ما قد اردت قديـــر
وأصبح البصير، من دعاة الفكرة القومية العربية، وأخذ يذكر الناس بما كان للعرب من مجد باهر، وحضارة راقية ، فأخذ يدعو الناس الى استرداد مجدهم واقتفاء أثرهم . ففي سنة 1918م ، نظم البصير قصيدته ((حول مدينة النبي)) إمتدح فيها أمير مكة ، يتفاءل بقيام حكومة عربية قائلاً :ـ
يا دار ملـك جــلالة القــــــــرآن
باشراك هذا يوم بدر الثاني
يا ارض يثرب طهرتك جحافــل
كحلت بتربك اعين الفرسان
عقد الحسين عليك الوية الهدى
فلــذاك حل معاقد  التيـــجان
فلقد هتفت بشيخ مكة فأبـشرى
بضــرب ابـطـال لـه  وطعان
اللـه جــاركـــم  فــــان بلادكــم
تملى الثناء لـكـم بـكل لسـان
فالبصيرأصبح ، لايرى للحلفاء وعداً صادقاً ، ولا للسياسة قولاً حقاً ، بل المطامع فوق التحالف  والصداقة ، ويرى الحياة التي تنشدها الشعوب لاتحظى بها إلا بحد السيوف ، فالقوة وحدها تكفل رد الطغات ودحر الأستعمار ، فكان شعره يعد الشعب إعداداً نفسياً سليماً وأدبياً ، لخوض معركة الحرية ، فيقف في قصيدته ((مقر التاج)) متأملاً عاصمة بين العباس ، ووهي تندب أهلها فيردد نداءها داعياً الى مواصلة النضال قائلاً:-
هبي الى  المجد يا بغداد نـاهضــة
ولــيتبع خطط الاباء ابنــــــــاك
وانـت انـت اذا مــــازاغ مـنـقــلـب
واصـلـي لسريـر المجد مسراك
عودي بتاج بني العباس منتظـــمأ
فــلا مـقـر لـذاك التــــــــاج الاك
 عن: رسالة ( محمد مهدي البصير ودوره السياسي)