في حوار ينشر للمرة الاولى..جواد سليم: انا ارسم للانسان

في حوار ينشر للمرة الاولى..جواد سليم: انا ارسم للانسان

حاوره عباس الصراف
التقيت به على غير موعد في مكتبة(مكنزي)مساء يوم ربيع جميل عام 1985 ،كان يبحث عن كتاب (العراق القديم)   لعالم الاثار الفرنسي (جورج رو) فلم يجده في المكتبة ولكن وجده عندي.خرجنا بخطوات متثاقلة، ولحسن الحظ كان عنده متسع من الوقت ،فاقترحت ان نجلس في المقهى البرازيلية،فانفرجت اسارير وجهه وكانما اثرت له ذكريت بعيدة حبيبةالى نفسه في تلك المقهى المعهودة لدى الادباء والشعراء والفنانين،حيث تجتمع نخبة الجيل لتستمع بكل شعاع جديد يصلها من فلسفة وادب وفن.بدأ الحديث عن المجتمع والوطن وتطرقت الى السياسة فبادرني بصوته الخافت:

- انا لا تهمني السياسة بقدر الانسان.
قلت : وسجينك السياسي المجهول .
قال:انه الانسان في محنته الفكرية.
قلت : وهل شعار جريدة الاهالي الذي صممته بعيد عن السياسة؟
قال : نعم ، انه امل الانسان، فالحمامة رمزالسلام، والمطرقة رمزالصناعة والتقدم.والمدية رمز الزراعة ،والشعلة رمز النور والحضارة.
قلت : والمسرح ألا يهمك؟
قال : (يوسف العاني)في تجسيده لمأساة الانسان.
قلت : والشعر؟
قال: (الجواهري) في حبه للناس وتحديه للطغيان.
قلت : والقصة؟
قال : شخوص (عبد الملك نوري)و(ذي النون ايوب).
قلت : والموسيقى؟
قال : السمفونيات القدرية ونبضات القيثار.
ثم ران الصمت علينا فابتدرني بالسؤال
- وفن الرسم؟
فقلت : جواد في الخمسينات .
قال :هلا رجعت شيئا الى الوراء وفتشت في الاربعينات.
قلت: رحلة السندباد الثامنة.
قال:وبعض بورتريتات.
قلت : وساقطات.
قال: والميدان.
قلت:لورنا 1949
قال: ومجموعة(همبست هيث)1947
قلت: وكذلك مجموعة باريس
قال: وماذا في الخمسينات؟
قلت : البغداديات فقط .
قال : وماذا عن البغداديات؟
قلت: الخط واللون والاسطورة والواقع والتاريخ!!
قال : وما هي لوحتك المفضلة من البغداديات ؟
قلت: الشجرةالقتيلة!
قال: وماذا تستشف منها؟
قلت: الانسان عبر التأريخ.
قال:وكيف؟
قلت : لئنكانت شجرات (جحيم دانتي) تمثل المشكلة الفردية ، فأن شجرتك القتيلة تمثل المشكلة الانسانية،انها الفكر المصلوب عبر العصور، والدم المسفوح خلال القرون..انها (سقراط..ابن المقفع.. سيارتكوس...الحلاج...المسيح...المتنبي...ارخميدس...ابو ذر الغفاري..غاليبو.. صالح بن عبد القدوس) والاف الاحرار الذين حملوا صلبانهم على ظهورهم من أجل الكلمة الطيبة والفكرةالخيرة ومن أجل حياة أفضل للانسان.
قال:ـ في كل زمان ومكان تهوى المعاول الحمقاء من ايدي الجهلة والجلادين لتقطف الرؤوس المثمرة المفكرة.ثم استشهد ببيت الجواهري:
لثورة الفكر تأريخ يحدثنا                 بأن الف مسيح دونها صلبا
قلت: الشجرة رمز الحياة...رمز العطاء،جذعها صامد اكتسى بلون الارض الام لانه وليدها وكلما نما واشتد تصلب واصبح صلداً لا تنال منه العوارض الطبيعية فهوالانسان بصلابته يواجه المصاعب والعقبات فتزيده تجربة وخبرة صموداً ثم تلك الاغصان اليانعة ترمز خضرتها الى الامل والخلق،فتهوى عليها الفأس البليدة وتحيلها الى حطام فهي الانسان في نتاجه العقلي تسلبه العقول الغبية لتطعمه النار.ثم اقتلاع ذلك الجذع الجبار وفصله عن جذوره بتلك الايدي الجاهلة هو قطف رأس العبقري وحرمان البشرية من أفكاره.
ان شراسة وقساوة قاطعي الشجرةمتمثلةفي تلك الخطوط المتداخلة الصارمة على وجهيهما وعضلاتهما وحركاتهما المرتبكة ، ووضعيتهما القلقة لانهما في حالةاتيان جريمة ثم تلك السحنة الداكنة التي تنم عن عنجهية وجبروت وكذلك الرأسان الصغيران اللذان يحملهما الرجلان يدلان عن تفكير بليد ساذج وتلك الضحكة الرعناء التي تنطلق من احدهما دليل النشوة والانتصارولكنها نشوة الجبان المنتصر انها سخريتك يا جواد منالجبناء المنتصرين تضارعها سخرية الكاتب الاسباني (سرفانتيس) من بطل قصته(دونكيشوت) وهناك شخص وقد تقطب وجهه لان الفأس لم تطاوعه لقطع ذلك الغصن الصلب الذي اغضبه وارعبه لشموخه وعناده كما ارعب(سيارتكوس) جلاديه وهو على خشبة الاعدام فطفق ذلك الجبان يتخبط بحماقته ولكن انى له ان يزيل الشجرة فلئن قطع جذعها فهناك الجذور الكثيرةالتي ستنبت جذوعاً وترسل اغصاناًوتنتج ثماراً.وتلك المرأة المغلوبة على أمرها منحية بعطف وحنان على تلك الحزمة من الاغصان القتيلة وهي تهم بحملها وتنظر لها نظرات ذات الف معنى فما اشبهها ب (عشتار) حين اقامت مأتماً على فخذ الثور السماوي الذي رشقها به(انكيدو) بعد ان اجهز عليه هو وصاحبه(كلكامش)فطعناه طعنه قاتلة ومزقا احشاءه شر  ممزق. ولئن اقامت عشتار وبنات المعبد مأتماً للثور السماوي فان تلك المرأة  انحنت برقة وعطف لتحتضن تلك الاغصان والاصال ولتدفنها في التراب بعيداً عن ذنيك الشخصين المتجبرين لتستعيد الحياةمن بقايا رمم ذلك الثور السماوي ولتتكاثر الاشجار.انت تلك اللوحة يا جواد تمثل عنصري الخيروالشر في الانسان،الشر متمثل بالرجلين في ضراوتهما وحقدهما وجهلهما وقساوتهما وطيشهما.والخير تلك الفتاة برقتها وهدوئها وحبها وعطفها ونظراتها الحائرة..انها الحياة والموت ،الموت يكمن في تلك الفأس المحطمة،وتلك السكينة القاتلة،والحياة تلك الأنامل الحساسة التي عطفت على بقايا شجرة لتتخذ منها اكليلا اخضر تزين به كوخها القفر.
ثم تململ جواد قائلاً:
- لقد حملتها من المعاني فوق طاقتها.
قلت – ومع ذلك فيها ما يقال من معان اكثر ومغاز اوسع.
قال – وكيف تعدها من البغداديات؟
قلت – ان البغداديات لا اقصد بها السماور ودلة القهوة والكؤوس والقوري والمروحة والعيون الواسعة والربابة والصندوق،وانما اقصد بها مجموعة رسومك التي تأثرت بالزخرفة الاسلامية والخطوط الواسطية والالوان الوحشيةوالعيون اللوزية واكثارك من الاقواس والاهلة،وانصرافك عن التشريح واهمالك للمنظور المدروس واهتمامك بالجمال الفني على حساب الجمال التقليدي،فبغدادياتك تشع مظاهر جمالية جديدة خارجة عن المظاهر المعتادة. قال: كنت أخشى أن أموت ولا احد يقيم رسومي تقييماً فنياً.
قلت:ان لوحة (جيوكندا) اهملت لسنوات طويلة ثم قيض لها الزمن من يقيمها من النقاد الفنيين وفلاسفة الفن لتكون أعظم لوحة كلاسيكية عرفتها متاحف العالم.
قال:وماذا بعد عن الشجرة القتيلة؟
قلت:التكنيك العجيب في الوعي الكامل بالنسبيات البالغة الدقة،والعمق في الحدس،فالخطوط المنحنية لأغصان الشجرة تنساب في مسيرتها كالأفعى تغور هنا لتخرج من هناك ولا تقف عند نقطة بل تتداخل ببعضها فترمز للحياة الدائبة المستمرة، وتشعرنا بالليونة والرقة والرشاقة.ثم الخطوط المنكسرة الصلبة تشدنا لزخرفة الثياب ولتعبيرات جسدية صارمة فتشعرنا بالقسوة والشدة والعنف،وتحدد السطوح فتسلبها صفة التجسيم.
ثم اللون يلعب دوراً تعبيرياً الى جانب دوره الجمالي،فخضرة الشجرة القتيلة هي خضرة السهول الشاسعة والغابات الكثيفة رمز الديمومة والبقاء.وهناك اللون الاحمر الدامي المتفجر في اللوحة فهو صرخة التحدي ونداء الثأر وثورة الغضب بوجه نزوات القدر وجبروت الموت. ثم الايقاع الجميل والنغم المنساب متمثلاً بذبك التوزيع المتناسق بين كتل الاشخاص وجذع الشجرة وترابط الاغصان والاوراق بوحدة زخرفية كاملة التصميم،ووضع الايدي والارجل بسلم موسيقى رائع.
قال:وماذا عن شعورك وانت امام تلك اللوحة؟
قلت: ان مجرد الشعور بالقتل رهيب فكيف عملية القتل الفظيعة؟ ان من يقف امام هذه اللوحة يشعر بالجريمة تقترف امامه بحق شجرة يانعة مثمرة،لا كما يقف امام هيكل شجرة ميتة تقتضي الضرورة قلعها،هنا يظهر الحس الرهف،شجرة تتطاول بجذعها الباسق والرياح تداعب أغصانها الهيفاء فتهتز أوراقها الخضر وتترنم بحفيفها المنعش واذا ما اشتدت الريح دوت تلك الاشجار شاكية العاصفة وتشابكت اغصانها واذا اقتلعتها الرياح تسمع لها صرخة تصم الاذان.انها مخلوق حي وليس من الغريب ان يودع(دانتي)ارواح المنتحرين في اشجار تئن وتشكو جريمة الانتحار فاني حينما أنظر تلك الشجرة القتيلة أشعر بأنينها وشكواها انها قضية شعور واحساس.
قال: ان اللوحة ينظرها الساذج بعينيه ويشاهدها المثقف ببصيرته ومستواه الثقافي.
قلت :أنت اذن ترسم لجميع المستويات يا أبا زينب.
قال:أنا أرسم للانسان.
وهنا أدركه الوقت فنهض ووعته وأنا أتساءل انت يا جواد ترسم للانسان ولكن متى يتحرر الانسان من عذاب سيزيف.

 عن كتاب جواد سليم تأليف عباس الصرّاف