عزيز علي ليس رثاءً بل.. استذكاراً!

عزيز علي ليس رثاءً بل.. استذكاراً!

يوسف العاني

فنان راحل

ذات مرة..في السبعينات..جاءت قارئة مقام من واحدة من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً..لتقدم قراءات في المعهد الثقافي السوفياتي. جئت متأخراً فوجدت في المدخل عزيز علي جالساً في زاوية واضعاً يده على خده يحرك رأسه طرباً ويده تعبر عن اعجابه عازلاً نفسه حتى عن جمهرة الحاضرين ..

وقفت غير بعيد عنه .. سألته :

-أبو عمر شبيك.

همس بصوت خافت وهو مختنق ..

-إسمع داد يوسف .. إسمع شلون دتقره ، والمصيبة يكَولون المرة ما تقدر تقره مقام ، زين .. هاي رجال لو مرة .. العبرة مو بالمره لو الرجال .. العبرة بالفنان وقدراته واستيعابه..

ثم سكت قليلاً وقال :

-العن أبو

قلت أنا :

-ألعن أبو الفن لأبو أبو الفن

قال : لا إلعن أبو أجدادي ..

قلت له - ليش تشتم نفسك

قال - أشتم نفسي أحسن مما أشتمهم وأبتلي .. نفسي أرد اشتمها .. المهم شتمت ..

ثم تحسر وقال : يجي يوم هذولة هم يترحمون علي بعد ما أصير لا نفس ولا نفس ساموط لا موط جوة الكَاع.

لكن احتفالنا هذا ليس ترحّماً بل تكريماً واعتزازاً وإن كان متأخراً.

وليس رثاءً لفنان كبير مات ! فقد بدأ الكبار يتساقطون واحداً إثر واحد وبدأت اشعر ان "البستان" سيصبح أرضاً جرداء بعدهم ..!

فلا نعود نقول "احنا عدنا بستان / جنة من هالجنان بيها ما تشتهي الانفس / والفواكه الوان

والارض مفروشة سندس / كلها ورد وريحان"

كما كان يقول الفنان الكبير الذي مات قبل أيام .. عزيز علي .. أو اننا نستطيع أن نستشير "الدكتور" فنقول له :

"دكتور .. دخل الله ودخلك ما تداوينا"

لم تعد هذه الاقوال ناجحة لكي يبقى الكبار في بستان الحياة الذي عشنا فيه زمناً والفن والابداع فيها يتألق من حسن الى أحسن والمباراة والمباهاة تهزان الخطأ وتحتضنان الصح لرعايته وتعميقه ..

عزيز علي .. رجل تجاوز الثمانين .. وموته سنه من سنن الحياة .. لكن الذي يحز في النفس .. أن يموت ولا ندري بموته إلا بعد ايام ، وان جيلاً بكامله لا يعرف من هو عزيز علي ، لكنه يعرف أحمد عدوية ويعرف أسماء كثيرة جوفاء إلا من نزق كلامي ، ولحن مائع ، وحركات عابثة تعيش بينهم .. لا أضع اللوم على هذا الجيل وحده ، ولكننا نتحمل اللوم .. جميعنا ، لاننا لم نكن نحرص على هؤلاء الكبار ولا على مكانتهم وفنهم حتى صاروا نسياً منسياً !

آخر مرة التقيت عزيز علي .. في طريقه الى احتفالية الرواد حيث كرم رائداً لفن المنلوج بحق وجدارة واستحقاق.

كان يجلس في السيارة .. اقتربت منه وسلمت عليه .. فرح وصرخ "لك ها داد يوسف" قبلته .. قلت له "يلله" وأشرت الى "الباص" الذي ينقلنا الى مكان الاحتفال .. نظر في وجهي ولم يقل شيئاً .. فقد جاء شاب كان معه وحمله الى "الباص" فقد كان عزيز علي مقعداً.

في قاعة الاحتفالات كنت أنظر اليه من بعيد .. وهو ينقل من ويحمل من مكان الى مكان ..وقرأت الاحتفال في وجهه ووجوه الاخرين الجالسين ..

عزيز علي .. هذا الاسم الذي كان يهزنا .. ونحن طلبة في الابتدائية ثم في متوسطة الكرخ قبل الاربعينات وبعدها ، فيوم موعد قراءة "منلوجات" عزيز علي والتي بدأها منذ نشأت الاذاعة عام 1936 .. كان يوماً مشهوداً .. ففي تلك الامسية .. تجتمع في بيتنا النسوة والصغار .. وفي قهوة "احمد الجداع" بخضر الياس يجتمع الرجال ويقترب الاولاد من المقهى وكلهم انصات لعزيز علي وصوته يجلجل "نص الليل فزيت من نومي / شلكَي ؟ الكَيلك هوسة بمهجومي" وتتعالى الضحكات .. وتتردد الاحاديث من تعليقات .. ونقاشات فعزيز علي كان اللسان الناقد من دون خشونه او جرح او اسفاف وكلماته منتقاة .. وتأثير غنائه عميق في القلب والعقل .. فقد كانت البدايات .. وكما يسميها "المقالات الملحنة" لأن تعبير المنلوج .. لم يكن يقره هو..فقد كان يأخذ عند البعض لوناً من التهريج غير المستحب ..

ويستمرالصوت الداوي في الاذاعة ويعلن عن موعد آخر .. عصراً .. فتشيع حركة اخرى بين الناس ، الحمالون في الخان ، والمثقفون في المدرسة وكبار السن والصغار كل على موعد .. واتذكر اننا كنا نحجز محلاً لبيع المرطبات في الشواكة نجلس فيه مبكرين .. ونطلب اكثر من قدح من "الدوندرمة" انتظاراً لعزيز علي وهو يعاتب الذين يقصرون بحق بغداد :

"كَالت اسمع يا بني واسمع تمام

اني بغداد وانا دار السلام

والله عجزتوني بالحب والغرام

ما شفت منكم ابد غير الكلام ! "

نهرع راكضين إلى الاذاعة لكي نرى عزيز علي خارجاً من هناك لنصفق له ونقرا له بصوت عالي مقطعاً ادخله في المنلوج نفسه "بغداد يا بلد الرشيد / ومنارة المجد التليد" للشاعر علي الجازم من قصيدته التي القاها عام 1937 ..!

وتسير الحياة ويواكبها عزيز علي .. وتتعالى كلماته نقداً سياسياً يهز النفوس والعقول كعادته كل اربعاء فنسمع عام 1948 .. "منه .. منه .. منه .. كلها منه مصايبنا وطلايبنا كلها منه! "

ويرمز للمستعمرين وعملائهم .. ويردد منادياً العرب .. مستصرخاً ضمائرهم وفلسطين العربية تستباح ..

وتظل مقالات عزيز علي الشعرية الملحنة علامة من علامات الآتي وجزءاً من ضياع انساننا العربي فيقول او يغني عام 1949

"تهنا بها لبيدة وضيعنه

ويتيه اللي ماله دليل

بس نتلافت يسره ويمنه

ولا ندري ليادرب نميل

وين الحيد اللي يرشدنه .."

وفي العام نفسه يقرأ لنا "السفينه" ثم "البستان" و"صلي عالنبي مالح وطيب لبلبي" عام 1954 و "اسكت لا تحجي تبتلي" عام 1956 و "كل حال يزول" 1958 ثم "!...نو" وهكذا رسم هذا الفنان لفن "المقالة الملحنة" او المقالة الشعرية الملحنة .."المنلوج" مكانة لم يرق اليها – في تقديري – اي فنان اخر .. فقد كان عزيز علي يختلف عن مقدمي المونولوج برصانته وعدم اعتماده على الحركة غير المتزنة كما كان الشائع عند الاخرين .. في مصر مثلاً اسماعيل ياسين او شكوكو .. بل حول صيغة الأداء الى نوع من المهابة التي تخاطب العقل .. وحين توقف راح يعمل في مدرسة الاطفال الموسيقية .. حتى احال نفسه على التقاعد ولم يتخذ النظم والتلحين والانشاد وسيلة للتعيش والارتزاق ولم يظهر في حفلة خاصة بأجر أو من دون أجر ..!

فليس غريباً حين يكتشف فوضى الفن وسطحيته وإسفافه أن يقول :

"انعل ابو الفن لا بو ابو الفن

موراح انجن ماكدر أكَولن

بغلتي ببريجي والمن اكَولن السكوت آمن

وينيال كل من اطرش وادكَن".

= من كتاب شخصيات وذكريات