تقاسيم على الحياة .. إسقاط فوق نياط الذاكرة

تقاسيم على الحياة .. إسقاط فوق نياط الذاكرة

  سعد عزيز عبد الصاحب
قبل اكثر من ربع قرن او يزيد مرت (مجنزرة مكبث) مجلجلة على قارعة مسرحنا بممثلين اردنيين وقراءة صادمة لشكسبير ولكن من دون حضور مخرج العمل  المحظور عليه دخول البلاد لاسباب سياسية ذلك الزمن .. حقيقة كنت افكرـ وانا جالس على مقعدي الوثير في مسرح الرشيد على ايقاع تصفيق هائل من قبل الجمهور المحتشد في القاعة بعد انتهاء العرض ـ بالمخرج ماهي حاله الان ..

بماذا يفكر كيف يشعر ؟
 وولده (العرض) يسافر
 الى مسقط رأسه الممنوع
 دخولها من دون ان
يصحبه ويكبر بعيدا عنه؟
 والان وبعد مرور كل
تلك السنوات عاد المارد
 الى مصباحه فماذا
سيعمل ؟ وبم سيتورط ؟

 هل يتورط (جواد الاسدي) بنص درامي محلي ووقائع يومية عراقية على صعيد المضمون … وحينها ستتداخل الخنادق والاسئلة والرؤى والاصطفافات على صعيد التلقي ـ كما حدث في حمام بغدادي ـ ام سيذهب لنص عالمي انساني مشترك يفهمه ويتعاطف معه القاصي والداني معبرا عن علل ولواعج انسانية واحدة ؟ فما اختيار نص مثل (تقاسيم على الحياة) الا انسجاما مع الروح الاسقاطية التي عبرت عنها عروض الفترة السابقة ما قبل عام 2003 حيث التورية والرمز والاستعارة .. الذهاب الى التاريخ القديم .. الى التراث .. الى البيئات والاجواء العالمية ..هادفا من كل ذلك اعادة انتاج تلك اللحظة التأريخية التي لم يكن حاضرا فيها قبل خمس وعشرين سنة ـ فترة (التابو) ـ الى الوجود والتجسد .. بممثلين وادوات عراقية خالصة ، متقاسما معهم رغيف المسرح ، كادر شغوف وجمهور اكثر شغفا بحضور تلك الحنكة والتوقد المسرحيين اللتين تحملان  معالم الضبط الجمالي وحيثيات الدقة و(الاسطوية) ـ من اسطة ـ فيما تقدم .
فضاءات اخرى
ورب سائل يسأل لِمَ لم يذهب (الاسدي) لفضاءات اخرى ارحب واكثر ضجيجا وصخبا كالمسرح الوطني والرافدين  وغيرها لتقديم عرضه ويكتفي بمساحة صغيرة ضيقة لكنها كبيرة بمعانيها ومدلولاتها وطالما ان زاوية الانشاء البصري للعرض هي نفسها يمكن انشاؤها في فضاء العلبة الايطالية التقليدي ؟. ازعم ان لهذا الاختيار دلا لات عديدة ليس فقط على صعيد شكل العرض المسرحي ومواءمته للمضمون انما كأنه يريد ان يقول لنا بأن العملية المسرحية ممكن ان تقام في اي مكان مهما كان محدودا وصغيرا فالمكان بالمكين .. بالانسان وبالعقل الذي يفكر فيه ..انه يعلمنا كما المسيح ان نجهد في الدخول من الباب الضيق) فالعرض المسرحي المبدع هو ابن الحالة التصوفية ، ابن الهدأة المبدعة لا يولد الا بعد مخاضات عسيرة وامتحانات رهيبة مع النفس ، فكان فضاء منتدى المسرح الذي غير (الاسدي) وفريق عمله من مواضعاته البيئية الماثلة في الوعي الجمعي ، كاسرا لافق التوقع ، بفضاء اعادني بأجوائه لحضيض (غوركي) وقراءاتي الاولى لـ(كيف سقينا الفولاذ) وتجليات (تشيخوف) وروحه في (المسرح الساكن) وسرديات (شولوخوف) و(بولجاكوف)و(بلاتونوف) سراديب الحياة واقبيتها الخانقة ..مضمراتها والمسكوت عنه فيها ، الحياة الرثة اللزجة التي تعبر عن انحطاط فترة تأريخية مكرورة وضع الانسان في الدرك الاسفل منها ، ووصل الفن فيها الى ادنى مراتبه فالممثل والجنرال والفيلسوف والطبيب والمتدين الوسطي هم نماذج لصفوة المجتمع توضع في اقذر الامكنة واشدها وطأة على الذات ، حين يتحول الانسان الى شبح وظل وتابع في قطيع لا يشعر بالالام الاخرين ومكابداتهم ..حين تسد جميع الابواب ، عليك ان تفعل شيئا تصرخ تحتج تضرب الارض بقدمك او تجأر الى السماء بندائك ، مشترعا مساحة بوح واعتراف جديدة .. ان (بوليفونية) الاصوات وتعدديتها في العرض تعبر عن (سيرة ذاتية)(صوت واحد) للمخرج /المؤلف نفسه تكتز وتضمر استعارة وكناية عن حقب تاريخية متحولة وسيرورة وطن وتحولات مجتمعية وثقافية حادة ، فـ(الاسدي) ينجح كثيرا في اخراج نصه لانه يعرف مضمراته ومنحنياته في حين قد يخفق الاخرون ..
اقتراف وارتكاس
ف(الحكي) لدى (الاسدي) هو اشبه بأعترافات عن اقترافات وارتكاسات سابقة في النفس تحمل لحظات  شجن وقوة وضعف راويها .. كأننا امام تجربة (يوسف شاهين) ولكن بلبوس مسرحي متميز وأداءات تمثيلية لافتة يعرف الاسدي اسرارها .. فمنذ (نساء في الحرب)التي اخرجها في بغداد عام 2005 بظروف قاهرة وغير مواتية غيرّ(الاسدي) من ميكانزمات الممثل المحلي نساء ورجالا ومواصفاتهم التقليدية في الاداء مغيرا جلودهم بجلود اخرى وانماط ادائية جديدة ، وهو ينجح مرة اخرى في الحفر في (ذات الممثل) ونبشها وصولا الى الجوهر …
 فتمظهر الممثل (مناضل داود) بشكل سر موارب ملتبس مستقر الصوت بلا ضجيج انما هو الشك الذي يغلف الدكتور (اندريه) واللاطمأنينة التي تسكنه ، تعبر قوة حضوره الاولى عن طاغوت يسكن العنبر لكنه ارهف من ريشة في تعاطفه مع نزلاء العنبر وصولا للحظة الثورة والانقلاب على الذات انه يعبر عن جوهر فلسفة التراجيديا الرومانسية في الفداء فهو يذهب الى حتفه بملء ارادته ويقدم نفسه قربانا للدفاع عن موقفه كما المسيح او الحسين دون ذرائع ، والممثل (اياد الطائي) في اهم ادواره على الاطلاق ، اطلق العنان لحصانه التمثيلي الجامح صوتا وجسدا ليختصر معاناة الفنان الحقيقي في المجتمعات والانظمة السياسية المتخلفة التي لاتقيم وزنا له ولفنه ، والسؤال الفلسفي الذي عبر عنه (ايفان) بتشخيص (حيدر جمعه) في انثيالاته وتبدياته الذاتية المضطربة التي عبرت عن ازمة ومحنة المثقف وجوعه الى الحرية واحساسه بالاخر واندكاكه بالمجتمع على الرغم من وعيه المتعال ، كان بحق صوتــــا ادائيا اصيلا ضابطا لتحولاته الداخلية والخارجية في اداء الشخصية ، استطاع ان يشق طريقه فيها بوعورة في ظل منافسة ادائية وتبار تمثيلي شديد ، كان لـ(ايغوركا)(امير احسان) حصته فيه بنسق جنــــح نحو (الكوميديا) كأنه صوت تشيخوف المتهكم في العرض حاملا لسر العرض ومفتاحه (انفراجه) المتحول كلما حاولت المشاهد ان تقطب جبينها وتأخذنا نحو الجدية والتأزم والصرامة ، بحضور راسخ ومستقبل باهر ، وحاول (جاسم محمد) ان يقدم شخصية رئيس الاطباء في مشهد الذروة ويكون قريبا من حالة الشر والفظاظة التي تجسدها بنوايا ادائية متميزة كان لها ان تتمظهر اكثر لو كانت مساحة الدور وتحولاتها اكبر ، والعازف الصامت (مكسيم)(امين مقداد) موسيقى العرض ومنظومتها السمعية المبهرة نم عن توقد ميلودي مموسق اسهم في التصعيد الدرامي خصوصا في مشهد حفلة عيد الميلاد ، وطلبة معهد الفنون الجميــــــلة نزلاء العنبر كانوا مثالا للضبط والحس بجسامة الواجب المناط بهم فكانوا صورة العرض ولوحتها التشكيلية المائزة ، احيي علي السوداني ضـــوء العرض وتكويناته البصرية المتعالية وبقية الكادر صميم حســــــــب الله وبهاء خيون .