هاشم شفيق… محاولة في كتابة القصيدة الشخصية

هاشم شفيق… محاولة في كتابة القصيدة الشخصية

علي حسن الفواز
يطأ الشاعر الكتابة وكأنه يطأ العشب، يعيش لذة الكشف، ويلتذ بشغف التلمس، ورهافة أنْ تكونَ القصيدة عشباً، أو تنزاح العُشبة عن جنوستها المكانية لتصير فضاء شخصيا حاشدا بالتفاصيل الغامرة بالصور الشعرية…

الكتاب الشعري الجديد للشاعر هاشم شفيق «كتاب الأشياء» يحمل معه هاجس الكشف عن هذه التفاصيل، ويشتبك معها بوصفه الشاعر الرائي، إذ تتبدى عبر رؤيته الحياة بكل نشيدها ونشيجها، فهو يشحنها بروح الألفة،

 ويصطنع لها عبر مجسّات الكتابة حياةً مجاورة، لاتحتاج كثيرا للاستعارات، لكنها تبدو أكثر حاجة للمعنى، حيث اصطياد الفكرة والمصير، وتسويغ وجود الأشياء في الطبيعة عبر تمثلها الرمزي.. هذا الكتاب الشعري يبدو وكأنه كتاب شخصي، يضجّ بالكثير من قلق الشاعر وأسئلته، وباستغراقاته التي يتقصدها بوصفها جزءا من الطبيعة التي يعشقها الشاعر، تلك التي يبادلها حياته، وأُلفته الوجودية من خلال أُلفة الاتساق مع حمولتها التوصيفية والتأملية، وبقدر ما تبدو الطبيعة حاضرة في الكثير من القصائد كمقابل للحياة، فإن الشاعر يُعبّر من خلالها عن هواجس الذات، وهي تستعيد طبائع الألفة العراقية المُفتقدة، تلك التي تتلبس روح الأشياء المشبوكة باليومي، والسحري والأسطوري.
فكرة الأُلفة هي الشيفرة التي تستغرق أغلب قصائد الكتاب الشعري، فهو يستحضر نكهتها بوصفها التعويضي، أو بوصفها تعبيرا عن حياةٍ يساكنها في أعماقه وفي أناشيده، حياة تتسع للعابر والعادي والعائلي، مثلما يستعيدها بوصفها نوعا من (السيرذاتية) التي يتمثلها نشيده/ وجعه الشخصي، نشيد الخسران والفقد في المكان والزمان، وفي المعنى، إذ تتحول القصيدة إلى ما يشبه الاعتراف، أو العواء الداخلي..
«لعبْتُ النَّردَ مع الماضي/ فخسرتُ الحاضِر/ ثمَّ لعبتُ مَعَ الحاضِرِ/ فخسرتُ المستقبلَ والأَبْعَد»
منذ البدء يكتب صاحب «قصائد أليفة» بنبرته الخفيضة القصيدة التي تخصّه، القصيدة الأكثر كثافة، التي تستدعي حشودا من المفردات والصور، تلك التي تلامس إحساسه البصري، وعوالمه وسرائر حياته، والكتابة ـ هنا- تضع هذا الاستدعاء وكأنه محاولة في الإصغاء لأصوات الطبيعة أو الطفولة، التي تتسرب من خلالها هواجس الشاعر وحساسيته وهي تلتقط الكثير من التفاصيل العابرة، لكنها مُفعمة بقلقه، وإحساسه العميق بالغربة، حدّ أنّ هذه التفاصيل البعيدة عن البلاغة، تبدو وكأنها رغبة لاواعية للإشباع الحسي، فالتفاصيل تعني هنا استحضارَ مفرداتٍ من الطبيعة أو البيئة، أو حتى من اليوميات، إذ تكشف عنها تجليات الشاعر، تلك التي ظلت عالقة بذاكرته الصورية، فهو يستعيدها ليس لقربها من الواقع، بل لأنه يستعيدها بوعيه الظاهراتي، حيث العالم مسكون باستعادات طقوسية ولغوية، وباعث على استثارة إحساسه البصري، وشعرنة شيفرات الطبيعة الجامدة والمتحركة، بوصفها تجليات للالفة التي يحسّها وينغمر في لذائذها، وينسج عبرها استذكارات تعيده كثيرا للطبيعة، لكنها تظل مشغولة –أيضا- بروح نافرة يصطنع لها الفتى/ الرائي/ الشاعر طقوسا غامرة وهو يراجع عبرها بعض التفاصيل العابرة، لكنها المشحونة بالحياة، فلحظة الحب – أحبّ صدى المنشار- بوصفها زمنا ماضيا أليفا، تتبدى قبالتها صورة الشاعر المتأمل والمُساكن المكسو بحزنٍ شفيف وغامر وهو عند عتبة فقده- حليف الظل أنا حليف الشجرات- بوصفها زمن الشاعر الحاضر العالق بالظلِّ، والمشغول بتأمله وضياعه..
«كنتُ صَغِيراً وأحبُّ صَدَى الْمِنْشَارِ الذاهب في الأخشاب/ أمَّا الآنَ/ حليفُ الظلِّ أنا حَليفُ الشَّجَرات»
الصورة.. الكثافة..
تجربة الشاعر منذ كتاباته الأولى كانت تتسق مع حساسية رؤيته، حيث يمارس- عبرها- وظيفة تلوين تفاصيل الطبيعة، وتقصي هسيس أرواحها البعيدة، الأرواح التي تستفز عزلته، وتخفف من وجع انكساراته وأحزان غربته، وهذا يستدعي معالجة صورية تقوم على تقانة توسيع مديات الاحساس البصري، وعلى التخلّي عن أعباء الغموض والمفارقة، وبما يضع القصيدة كوحدة تصويرية أمام عناية الشاعر بـ(كيمياء الجملة) ومهارته في استنطاق الفكرة واستعادة الكثير من طقوس الذاكرة الواعية وغير الواعية، حيث الشيفرات العراقية بكل مولّداتها وبواعثها وسيروراتها، وبكل حمولاتها التي تستعين بالطبيعة بوصفها القاموس الجنسوي والأنسوي، وحتى التمثيلي الذي تتشفر إشاراته وكأنها طقوس الشاعر الشخصية، طقوس حياته وسيرته في طفولته وأسفاره وتماهياته، إذ تبدو صورة الطفولة المستعادة تعبيرا عن إحساس تعويضي للتماهي مع الطبيعة عبر تأنيثها الإيروسي في صورة – حلمات غيوم، مثلما تبدو مفرداتها أكثر احتشادا بالحياة، فمفردات مثل (دولاب الهواء، البالونات، خرز اللعب، الدعسوقة، وغيرها) شيفرات لما يحدس خلفها من عوالم يصطنع صورتها الشعرية أو مجازها للتعبير عن رغبة الحاضر بالغائب، فجملة «في الحالِ أراني/ أتمشَّى في غاباتٍ تتعسَّل» تكشف عن هذه الرغبة، عن شغفه بتمثلها، وهو ما يتخيله أيضا عبر تصعيد رغبته الشخصية بالاستعادة التي تُشبعه بالمجاز، وعبر ما تُحرّضه على تأنيث الطبيعة كتعبير عن رغبته المسكوت عنها…
«حينَ أكونُ غَداً طِفْلاً، لنْ أستخدِمَ رضاعاتِ حليبٍ/ بلْ ألجأُ في الأغساقِ إلى حَلَماتِ غُيومٍ»
قصدية الشاعر في كتابة القصيدة الشخصية تنخرط عبر تمثله في تشكّلات لعبة التقابلات، حيث اللغة والطبيعة، والفكرة والرؤيا، والحاسة والحدْس، وهذه التقابلات تستعين بنوع من البلاغة اليومية، تلك التي تتهيج فيها المشاعر عبر وظيفة الاستعادة، فاللغة الصافية تقابلها الطبيعة الغامرة بتفاصيل مُستنفرة، والفكرة تتجوهر حول الصورة في الطبيعة، لكن الرؤيا هي لعبة الكشف عن خزينها الانفعالي، حيث تجرّها نحو وظيفة المجاز، المجاز التخيلي الذي يؤنسن عبره الشاعر الكثير من التفاصيل اليومية العادية والمهملة والهامدة..
كما أنّ لعبة الحواس تتحول إلى موجّه للاستثارة، ولوضع حدْس الشاعر عند رهان من الصعب التعاطي معه واستحضاره دونما تسحيره وأسطرته، من خلال تفجير مجاورات الجسد وفضاءاته، تلك التي تُعيدنا الى طروحات رولان بارت، وتلذذه بسيمياء اللذة وتمثلاتها عبر تفاصيل القميص والثوب والموعد وفنجان القهوة والموسيقى والرائحة وغيرها..
قراءة «كتاب الأشياء» تعيدنا إلى قراءة فكرة الجوهر، وإلى استجلاء ما لم يكشفه الشاعر عبر سيرته الغامرة بالتحولات، فرمزية العنوان «كتاب الأشياء» هي المفتتح السحري للتواطؤ مع لعبة الكشف والتعريف، وهي التعرية التي حاول الشاعر كتابة القصيدة الشخصية وممارسة وظيفتها لاستكناه ذاته في طفولتها، وسيرته في بعض تورياتها، وأسفاره في جموح بحثه الدائب عن المعنى الوجودي الذي يبحث عما وراء أقنعته…