هاشم شفيق في «الرجل الرومانسي»: نشيدنا المشترك

هاشم شفيق في «الرجل الرومانسي»: نشيدنا المشترك

منصف الوهايبي*
قد يكون ما يسمى «الأنا الرومانسي» هو مركز الوجود ورهانه في ثقافة الغرب عامة منذ عصر النهضة فالكلاسيكية وما بعدها، كما نفهم من مصنف جورج غيسدورف «الإنسان الرومانسي» حيث يستوقفنا في كل هذه الحقب والمراحل سعي دؤوب إلى إضعاف سطوة المطلقات أو الأنساق الإطلاقية وسلطانها، والحط من الأنطولوجيا (علم الكائن). ولعل أبرز سمات هذه»الأنا» أنثروبولوجيا «اللاشخصية» أو «اللافردية» أي ما لا يتعلق بشخص بعينه، أو فرد بعينه.

 وأقدر أن مدار كتاب هاشم شفيق «الرجل الرومانسي» (مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، ط 1/ 2019) في هذا الأفق، خاصة في أقسامه الثلاثة الأخيرة: أشياؤها الأثيرة، وحالاتي معها، ونشيدنا المشترك.
والشاعر هو الذي يكون مركزه في ذاته، حتى لو حسب نفسه محور العالم أو فكرته المفتاح؛ أو نشدَ في الدائرة مركزين، كما يقول المثل الفرنسي أي طلب المحال؛ وهو حقه الذي لا يُصادر. ومن دون هذا المركز الحي، يمحي الإنسان نفسه، أما إذا افتقده، أو هو لم يعثر عليه في نفسه، فليس له سوى أن يبحث عنه في إنسان آخر يمتلكه؛ يستلفت نظره، ويوقظ مركزه الخاص، ويضخ فيه ماء الحياة، بدون أن يذوب فيه، أو يكون الآخر النور الذي يستهوي الفراش. إنما يذكي فيه روحا وثابة تقتحم المجهول، أو يشحذ فيه القلق الذي يرهف العقل، ويفض أغلاق النفس حتى تسخو بمدخر قوتها.
وهذا ما يتمثله الكتاب في القصائد الموسومة بـ«دفتر الحيرات» حيث تحضر أطياف شعراء وكتاب قدامى ومعاصرين وكلهم يطوي سرا: أبو العلاء المعري، وإلياس أبو شبكة ولسان الدين ابن الخطيب، ومعروف الرصافي، وحسين مردان، وعبد الوهاب البياتي، وأبو حيان التوحيدي، وأنسي الحاج، وبلند الحيدري، وفاضل العزاوي، وأمل دنقل، وسركون بولص، وشيركو بيكس. وفي «حيرة أبي العلاء» وهي على تفعيلة الكامل، يمثل المكان السوري المشظى، بصيغة الغيبة:
«حجرٌ بكى بمعرة النعمانِ/ ناعورُ المدينةِ يرفض الدورانَ في الدمِ/ لا مياهَ هنا ولا حطبٌ لهذا المصطلى/ لنرى الشواظ وسقط زندِهِ…» ولا يعنيني هنا أن أشير إلى عدم مد الهاء في «زنده» بعد الدال المتحركة، والاكتفاء بالكسرة ضرورة؛ أو ما سماه العلامة إبراهيم السامرائي «الهاء التونسية» وقد لاحظ أنها شاعت في أشعار التونسيين في الثلث الأول من القرن الماضي؛ فهاشم شاعر متمكن، ولا أظنه يكسر الوزن إلا قاصدا التخفف من الغنائية المفرطة التي يمكن أن تفسد الشعر. أما في «حيرة إلياس أبي شبكة» فيمثل الآخر بصيغة المتكلم: «أنا إلياس/ ممتلك الضوء فوق سهب خراب/ أبي قتلوه بأرض مرابطةٍ في الظلام…» كما هو الشأن في «حيرة لسان الدين بن الخطيب: «ليالي الرباط انتهت والتلاميذ غابوا/ ليس لي من جليسٍ سوى أرقي» وحضور ضمير المتكلم في نظام النص، سواء أداره المؤلف بصيغة «أنا» أو على مقتضى أسلوب «الالتفات» من انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة «أنت»، أو إلى الغيبة «هو»، إنما هو من مقومات قراءة الألفة. وما نلاحظه في استعمال الضمير «أنا» أن المرجع هو سريرة المتكلم الخاصة أو دخيلته. ولعل في هذا ما يسوق إلى القول إن إدراك القول، أو الملفوظ يفترض اختزال الفردية لكي يتيح فهم الأمور المتعلقة باستعمال «أنا» في هذا النمط من تجربة القراءة القائمة على إيلاف النص والأنس به؛ إذ يمكن أن يدل حدسا أو ظنا على تجربة عند القارئ هي تجربة «التقبل الذاتي». وهي ليست متجانسة عند جميع الشعراء، ولكنهم يتقاسمونها بنسبة أو بأخرى. و«أنا» هي بمثابة واصل أو رابط بين الشاعر والشخصية المستحضرة، مثلما هي رابط بين القارئ والنص. والشاعر شأنه شأن القارئ يحوز هذه الملـَكة في إسناد الكلام إلى النفس، والرجوع إلى الذاكرة من حيث هي قوة نفسية تحفظ الأشياء وتستحضرها عند الاقتضاء. وواسطته كل منهما في ذلك ضمير التكلم في النص إذ يحيل على تجربة جسدية ونفسية لهما علم بها وخبرة ،أو هما يدركانها بالاختبار. ومثل هذا الضمير يضعنا إزاء متلفظ أو قارئ يمكن القول إنه مفرد بصيغة الجمع ذلك أن «الأنا» التي تستوقفنا في النص ليست إلا الواصل الذي يمكن أن يكون «نحن» أي هذه المجموعة غير المحددة التي تتسع للمتكلم أيا كان؛ بما يسوق إلى القول إن القارئ متضمن في «أنا» مثلما هو متضمن في «نحن».
مفهوم المركز لا ينعقد فقط على حدٍ ميتافيزيقي أو نظري، حتى وهو يتقصى عن نظام الطبيعة، بل هو أشبه بكرة باسكال، كرة مركزها في كل مكان ومحيطها ليس في أي مكان. صورة لعالم رحب، مركزه في كل نقطة على سطح الكرة الأرضية، ومحيطه في كل نقطة.
إن «أنا» أشبه باسم لغير علم، يعقد صلة حميمة أشبه بوشيجة القربى، بين المتكلم وكلامه، صلة أساسها علاقة تماثل: «إن كلمة «أنا» الدالة على المتلفظ لهِيَ في علاقة وجودية بالتـلفظ». فهذا الضمير إذن رغم ذيـوعه وشيوعه «شديد الغرابة» وليس بالميسور محاصرته، لتعقده وعدم ثباته. ومهما يكنْ فإن هوية الأنا سر، والسر لا يفشى إلا من حيث هو سر، والانسان نفسه طبيعة مهما تقلب من جهة إلى أخرى، وهو أعجز من أن يتحكم في المعنى السري الذي يخطر بباله. وليس له سوى أن يكون الإنسان الرومانسي الذي يقطع كل صلة أو وشيجة بالتقليد، حيث المثالية ليست أكثر من حقيقة متجردة من كل ما هو مادي أو مفصول عن أجسادنا، تريد لكل منا أن يكون أصم أخرس أعمى. والوعي الرومانسي بقدر ما يجعلنا نكتشف بذرة كل شيء في ذواتنا، يكشف لنا أننا أبدا جزء من نفسنا لا يتجزأ.
يفتح هاشم قصائده لنوع من الغنائية الفردية والحفاوة بـ«أنا الشاعر» والتواصل مع الطبيعة والناس أو حتى ما نسميه، على قلق العبارة، قصيدة الموقف، كما في نصه «بابا أمريكا»(لندن 2006) فهو شعر على شعر، إذ يجري كل شيء وحدث داخل النص، حيث ترك الشاعر أشياءه الحميمة مثل ساعته وخاتم زواجه وغيوم أمه ونخل أبيه، أي كل ما يشكل محور حياته ومعناها؛ في إشارة بليغة إلى أن العدوان الأمريكي ليس مجرد احتلال وقصف ودمار، وإنما هو استنزاف العراقي من الداخل، أو طعنه في كينونته:
«حطت المروحيات على قصيدتي/ فارتجفت الزهور، وتحطم الأريج وراء السياج/ تركت في القصيدة قمصاني وأحذيتي ومشطي وكتابا مفتوحا…» ولذلك لا غرابة أن تستوقفنا هذه الصورة وتلوح لنا: «لمست الخوف سائرا بعكاز في الشوارع». والحياة حياة الرجل الرومانسي تضفي على الوعي الشعري عمقه الوجودي، وتوطئ للهوية الرومانسية السبيل إلى الاندماج في العالم زمانا وفضاء؛ لكن بدون أن يفقد حالة ما لا ينقسم أو يتجزأ، فهو يظل مرجع المراجع ومصدر تزكيتها، على الرغم من الأنظمة البدهية المسلم بها رياضيا أو عقليا. ولكننا نعتقد أن روح المفهوم الرومانسي على النحو الذي اختزلناه تسكن نصه. فليس من قبيل الإسقاط إذن أن ننظر في «الرجل الرومانسي» من زاوية التأويل الرومانسي، وأن ننصت إلى أجراسه تُقرع في جنبات القصائد وتتصادى.
لقد دشنت الرومانسية فعل تحويل الذات إلى مركز الوجود أو محوره، وتحويل الحياة إلى موضوع للإرادة بعدما كان يعتقد أن الحياة بداهة لا تحتاج إلى تعليل أو تسويغ؛ ولا تحتاج إلى أن تكون موضوع قصد؛ وإنما هي فقط مجال تُلتَقط منه الحكمة. دشنت الرومانسية هذا الاتجاه سواء تلقفنا «الإرادة» من التأسيس الكانطي للأخلاق وهو يردها إلى العقل فإذا هي تعبير عن جوهر إنساني كامن لا يمكن تفعيله إلا إذا فهمنا الإرادة من حيث هي قوة للعقل الكلي أو الكوني، أو فهمناها معقودة في جينيالوجيا نيتشه على قوة الحياة، بما هي اندفاع حيوي جسدي غريزي إلى الوجود. وعندئذ لا حاجز ولا مانع ولا سد، وإنما طوفان وجودي يأخذ القدر في مجراه.
إلا أن مفهوم المركز لا ينعقد فقط على حدٍ ميتافيزيقي أو نظري، حتى وهو يتقصى عن نظام الطبيعة، بل هو أشبه بكرة باسكال، كرة مركزها في كل مكان ومحيطها ليس في أي مكان. صورة لعالم رحب، مركزه في كل نقطة على سطح الكرة الأرضية، ومحيطه في كل نقطة. هذا ما يتمثله الكتاب في قسمه الأغنى الموسوم بـ«الرجل الرومانسي» بأقسامه الثلاثة المشار إليها سلفا، في «محابسها» و«مروحتها» و«مراياها» و«أمشاطها» و«العطر»: «تهت بأغنيةٍ فيها بوحٌ سري/ فيها نايٌ خض أناي/ وفيها عودٌ يترقرق في أنحائي»، أو في استحضار فيروز بطريقة ذكية: «كتبتُ اسمها على جذع الشجرة/ جاءت العاصفة واقتلعت الأشجار كلها/ كتبت اسمها على موجة/ جاء الطوفان وخلط الأمواج»،
أو في «إيقاعات تونسية»: «قرطاج» و«صيادون في المرسى» و«سيدي أبي سعيد» و«نزل في الحمامات» أو في «نشيدنا المشترك» حيث «أنا موجود» تعادل «أنا غير موجود» أو أنا هنا مثلما أنا هناك في اللحظة نفسها.
٭ كاتب من تونس
عن جريدة القدس العربي