رجلٌ أحبّ الكلاب وروى مقتل تروتسكي

رجلٌ أحبّ الكلاب وروى مقتل تروتسكي

رلى راشد
شَكلّ إيداع "جائزة النقد 2011" الكوبيّة لليوناردو بادورا بفضل روايته "الرجل الذي أحبّ الكلاب"، إيذانا بما سيأتي. شكلّت اللحظة علامةً على وجوب الإنتباه إلى فساحة موهبة تأليفية أَفصَحت عن الكثير وإن راوحت مكانها في جزيرة سُميت لأسباب جمّة،

 جزيرة الصمت. وإذ تُركن الآن إلى ليوناردو بادورا جائزة "أميرة أستورياس للآداب" 2015 في إسبانيا، يجري التشديد على حقّ كلامه الأدبي في بلوغ المطرح حيث سُجّلت في السابق أسماء أمين معلوف وفيليب روث ومارغريت أتوود، من ضمن آخرين.

بعد ثلاث نسخات من الإحتفاء بالنص المتحدّث بالإنكليزية، يعود الإمتياز إلى الحاضنة القشتالية فيُكَرّم كاتبا كوبيّاً قارب زميل الحرفة الأميركي همنغواي (الذي خصّص له مؤلفا) مُلاكِما في الحياة كما في الأدب. إنخرط بادورا مثله في مباريات ومنافسة حيث الهزيمة محتملة تماما كما الربح، وليس خيار التَخَلُّف عن اللحاق بالكُتاب الكوبيين المنفيين أقلّ هذه التحدّيات صعوبة، بلا شك.
قرّر بادورا أن يغدو الكاتب الكوبي المُقيم وأن يصير بهذا المنطق سليل فئة على حدة لا يصلح أن يُنظر إليها على نحو تقليدي. منفى بادورا داخليّ في المقام الأول، أما الآخر الذي تفرضه الحَيثيات السياسية فهامشيّ، ذلك انه اقتنع ان المنفى ليس لحظة راهنة وإنما حال مستمرّة تلاحقنا على مرّ الحكاية الشخصيّة. حين يتحدّث الروائي وكاتب السيناريو والناقد بادورا عن التوزّع بين الرغبة في مغادرة مسقطه كوبا وبين إرادة البقاء الواعية، يتراءى كأنه ينطق بإسمنا كلنا، نحن، أي سكان البُلدان المنمنمة في منطق الجغرافيا والتي تستدرجها أقدارها إلى الخواتيم الحزينة.
لم يترك بادورا الأرض بالمعنى القوميّ ولم يترك مطرح الولادة بالمعنى المادي أيضا منتقيا المكوث في حيّ مانتييا حيث رأى النور والده كما جدّه، لتستمر السلالة. قرّر الكاتب البقاء بوعي تام، على ما يقرّ، ليتجَنّب كأس الإقتلاع المواكبة للمَنافي دوما. سعى إلى جعل منجزه كُوبيّاً بالمعنى الصرف لينبَعَ من تماسه مع واقعه فحسب ويتجنّب الإستناد إلى المنقول ويتفادى التأويل.
"أقنعة" و"مشهد طبيعي خريفي" و"غيمة الأمس" عناوين من بين سلسلة من المُؤلّفات أكّدت ان الحياة في كوبا، في تلك الشوارع الصاخبة حيث الحركة هي الأوكسيجين إلى جانب أشعة الشمس ربما، تستأهل التخلّي عن النأي بالنفس.
ليس من السهل أن يصير كل سطر يكتبه ليوناردو بادورا فوينتيس، أو ليوناردو بادورا إختصارا، مقياسا للحرية في بلاده. من حيث لم يرغب، صار نصّه التخييلي بمثابة وثيقة. استطاع بادورا كما البهلوان أن يمشي على خيط رفيع فوق علو شاهق. إحترف المرونة في السياسة والتمكّن في الأدب. انها القدرة على الكتابة في تخفّ لفظيّ حيث الكامن بين السطور هو الأهم.
في مطلع رواية "الرجل الذي أحبّ الكلاب"، هناك اقتباسان يُحدّدان إطارها العام. يجيء في الأول "حدث ذلك حين ابتسم الموتى وكانوا سعداء لأنهم وجدوا راحتهم، أخيرا" أما في الثاني فنقرأ "الحياة... أكثر إتساعا من التاريخ". يواجه الأول استحقاق الغبطة ليسأل إذا كان القاطنون على الأرض أقل حزنا من قاطني النواحي الأخرى. أمّا الثاني فيلمح إلى ان التاريخ وأيا تكن جرعة التخييل فيه، لا بدّ أن يقصِّر في مجاراة الحياة التي تليق بالبشر أكثر من سواها. والحال ان الرواية تتكىء على التاريخ لتعبُر منه إلى التخييل المعيش. تبدأ من خبر مصدره وكالة "تاس" السوفياتية مذيلا بتاريخ الثاني والعشرين من آب 1940. نقرأ "ذكرت إذاعة لندن اليوم التالي: "في أحد مستشفيات العاصمة مكسيكو توّفي ليون تروتسكي بنتيجة كسر في الجمجمة تسبّب به إعتداء اقترفه أحد المقرّبين منه، في اليوم السابق".
يُطلق الخبر شرارة القصّ الذي يتقرّب من شاب شيوعي من كاتالونيا يُدعى رامون ميركادير إغتال الزعيم الماركسي البارز تروتكسي، بتكليف من الإستخبارات السوفياتية. لكن بادورا يتّخذ التاريخ ذريعة ليتلاعب به. يسلك المسار التوثيقي ليعيد اختراعه من دون الإنحراف تماما صوب الفانتازيا الخارجة على المنطق.
"الرجل الذي أحبّ الكلاب" عنوان يدلّنا إلى شخص أؤتمن على كمّ هائل من التفاصيل الخاصة بقاتل تروتسكي. رجل ارتاد الشاطىء المكسيكي مصطحباً كلبين روسيين ليفضي بكل ما يعرفه لكاتب ناشىء يدعى إيفان.
ها هنا حكاية تُوزّع الأدوار بين الضحايا والجلادين. ها هنا نصّ ينتمي الى الرواية التاريخية الجديدة التي لا تتوانى عن إظهار شَكّها بالحقائق الرسميّة.
"جائزة أميرة استورياس 2015 للكاتب ليوناردو بادورا الذي احترف القطيعة مع التاريخ والذي يصرّ على رغم ذلك، على إنعاش فكرة اليوتوبيا".
عن العربي الجديد