عندما اصبح الصافي النجفي مندوبا  لقادة الثورة

عندما اصبح الصافي النجفي مندوبا لقادة الثورة

تحدث الشاعر الكبير احمد الصافي النجفي ببعض ذكرياته عن الثورة العراقية 1920 الى الاستاذ الراحل عبد الحميد الرشودي ، ومنها :
 عندما اعلن الرئيس الامريكي ولسن شروطه الاربعة عشر للصلح وفيها ان لكل شعب حق تقرير مصيره بنفسه فرايت ان استغل هذا الشرط للمطالبة باستقلاق العراق

 وكنت في كل يوم اسير على طرف سكة الحديد انا وصديقي سعد صالح الذي كان اصغر مني سنا وعلما فهو اصغر مني بثلاث سنوات ولم تكن علميته واسعة ولكنه كان مليئا بالطموح والجراة فعرضت عليه الفكرة فوافق عليها وبعد يومين كنا نسير قرب المحكمة الانكليزية فالتقينا بشخص بلبس البدلة الرسمية. اسمر اللون بارز الوجنات فقدمني اليه وقدمه الي باسم صالح جبر. وكان كاتبا في المحكمة الانكليزية فعرض عليه الفكرة فايدها.

عدت ليلا الى دارنا وكان يسمر عندنا كل ليلة الشيخ عبد الكريم الجزائري فعرضت الفكرة عليه وعلى اخي السيد محمد رضا فرفضا فبقيت الح عليهما وهما يرفضان وبعد خمسة ايام جاءني اخي السيد محمد رضا وهو بطل شجاع انوف فقال: (لقد ذهبت اليوم لمراجعة حاكم الكوفة العسكري بلفور لقضايا تتعلق ببساتيننا في (الجعارة) فصرخ في وجهي وخرجت حانقا متذمرا) .
فاستغليت ذلك باثارة حقده على الانكليز المستعمرين الطغاة ثم جاءني بعد عشرة ايام او اكثر وقال لي : (لقد ذهبت اليوم الى (ابو صخير) لمقابلة القائممقام. وكان من عادة المراجعين ان يطرقوا الباب ثم يدخلون بلا استئذان.
فاراد الانكليز ترويض العراقيين وخضد شوكتهم فاسسوا صالون انتظار فيمكث المراجع وقتا طويلا حتى يؤذن له بالمواجهة. ولم يكونوا يعلمون ان صالون الترويض سيكون الحقل الذي تنبت فيه بذرة الثورة العراقية، ثم اردف اخي قائلا فجلست وكان امامي السيد علوان الياسري الذي صار فيما بعد من اكبر زعماء الثورة فاخذ كل واحد منا ينظر الى الاخر وتفاهمنا بالنظر ثم اشار الى بالخروج فخرجت من الصالون واخذنا نتجول عند احدى السواقي فقال لي السيد علوان الياسري الى متى تبقى هذه الحالة؟ فقلت له انا حاضر. فقال انا مستعد ان اهيئ العشائر للثورة ولكنهم – كما تعلم – لا يتحركون الا بفتوى دينية. وعلماء الدين عندنا لا يفهمون بالسياسة فتريد ان تكون واسطة بيننا وبينهم فتفهمهم معنى السياسة فقلت له ما رايك بالشيخ عبد الكريم الجزائري فقال: عال، فوعدته خيرا.
قال لي اخي السيد محمد رضا انت تعرف رأي الشيخ عبد الكريم الجزائري وموقفه من هذه الفكرة فقلت له سيحضر الليلة عندنا ويعيننا الله عليه فلما حضر الشيخ كعادته عرض عليه اخي الفكرة وقد قوي املي لاننا اصبحنا شخصين ازاء شخص واحد.
فلما عرضنا عليه الفكرة امسك الشيخ الجزائري بفنجان القهوة وقال: هل تستطيع ان تفرغ قربة ماء بهذا الفنجان؟ فقلنا لا فقال الشيخ فهذا حال العرب اليوم لا تسمح ظروفهم بمثل هذا العمل فبقينا نتابع مناقشته الموضوع في كل ليلة ونعيد ونبدي وبعد مرور نصف شهر تقريبا راني الشيخ عبد الكريم الجزائري تحت سابات الملا محمود فقال لي تعال يا احمد تعال لقد كنت في كربلاء واجتمعت بالشيخ محمد تقي فابدى استعداده للتعاون معنا فاريد ان تجمعني مع الشيخ محمد رضا الشبيبي فطلبت الى الجزائري ان يسبقني الى دارنا وذهبت من فوري الى الشيخ الشبيبي، وكنت موضع ثقته، وحين افضيت اليه بالحديث وعرضت عليه الفكرة قال: انه لا يثق بالشيخ عبد الكريم الجزائري واضرابه لانهم في رأيه. رجعيون خرافيون فالححت عليه فاستجاب لالحاحي وصحبني الى دارنا فجلس معهم وافردوني في حجرة تقابل حجرة الاجتماع ولم يشركوني معهم في الحديث لعدم اطمئنانهم مني لانني كنت يومئذ شابا. وبعد ان مضى ثلاث ساعات اقبل الشيخ الشبيبي علي وقال لي: ابشرك، وكان قابضا يده، ابشرك بانها حنطة لاشعير فقد تقرر ان اركب جملا واحمل وثائق من زعماء العراق الى الشريف حسين وهنا امسك السيد الصافي عن الحديث وقال ثم كان ما كان مما تعرفونه ويعرفه الجميع.

( احاديث الصافي النجفي للرشودي
في تشرين الثاني 1976)